
عوض تحمل المسؤولية عن الحصيلة الحكومية والبرلمانية، والتحلي بالشجاعة في تقديم الحساب أمام الناخبين، والاعتراف بالاختلالات والنقائص، وبحث سبل المعالجة والاستدراك، اختارت جل القيادات الحزبية التهرب من مسؤوليتها، ورفع شعارات نضالية، والتعبير عن الاستياء من ارتفاع الأسعار والبطالة والفساد، بعد صمت طويل أثناء الجلوس على الكراسي الوثيرة، والاستفادة من الامتيازات وكافة أشكال النفوذ التي يوفرها المنصب.
فالمسؤولية الانتخابية لا تعني الانقلاب إلى معارضة شرسة مباشرة مع اقتراب موعد الحملة الانتخابية، ورفع وتيرة سهام الانتقاد، وتبني مطالب المواطنين، وكأن المسؤولية كانت تتحملها جهات أخرى، وليست الوجوه السياسية نفسها التي لا تمتلك الشجاعة لمصارحة الناخبين بالحصيلة، ومناقشتهم بالأرقام، وطرح الإكراهات والمعيقات التي حالت دون تحقيق بعض الأهداف. وفي نهاية المطاف، يبقى القرار لصناديق الاقتراع، سواء من خلال الدعم أو العقاب الانتخابي، وفق قواعد العملية الديمقراطية المعمول بها في مختلف دول العالم.
ويساهم التهرب من المسؤولية والتنصل من تقديم الحصيلة، سواء في الأغلبية أو المعارضة، وتجنب مناقشتها بوضوح، في تمييع العمل السياسي، وطغيان الخطاب الشعبوي الذي يروم دغدغة العواطف أكثر من قول الحقيقة عارية للمواطنين. كما يؤدي ذلك إلى الاستغراق في تفاصيل قد لا تكون هي أصل الأمراض الاجتماعية، وإنما مجرد نتائج متشعبة لها، في وقت تتطلب فيه معالجة الأسباب تشخيصا دقيقا ومسؤولا، بعيدا عن المزايدات الانتخابية.
فالاعتراف بالإخفاق في معالجة بعض الملفات الاجتماعية أو غيرها من ملفات التسيير الحكومي أو المحلي، يدخل في خانة الشفافية ومصارحة الناخب، ولا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره ضعفا أو فشلا ذريعا في التسيير. لأن من يمتلك الشجاعة السياسية يقدم حصيلته بعد عمل جاد ومستمر، وفي إطار احترام القانون، ولا يتهرب من نتائج الانتخابات، باعتبارها تعبيرا عن نبض الشارع ومدى رضا المواطنين عن الخدمات والبرامج والسياسات العمومية.
وإذا كانت هناك هفوات أو أخطاء في التدبير، فإن الاعتراف بها وشرح أسبابها وتقديم الحلول الكفيلة بتجاوزها يمكن أن يشكل مدخلا لتصحيح المسار، والعودة بخبرة أكبر في المحطات الانتخابية المقبلة. فالعمل السياسي ليس مجالا للكمال وغياب الهفوات، وإنما مسؤولية تقتضي المحاسبة والمراجعة والقدرة على الاستفادة من الأخطاء.
إن الناخب لا يحتاج، في كل محطة انتخابية، إلى خطابات جديدة تنسيه ما قيل وما تحقق وما لم يتحقق، بقدر ما يحتاج إلى كشف واضح لما أُنجز وما تعذر إنجازه، ولماذا تعذر، ومن يتحمل المسؤولية، وما هي الحلول المقترحة للمستقبل. فالحملة الانتخابية ينبغي أن تكون لحظة لتقديم الحساب والتنافس حول البرامج، لا مناسبة لإعادة توزيع المسؤوليات والتنصل من حصيلة سنوات من الممارسة السياسية.
وختاما تظل المسؤولية الانتخابية مرتبطة بالصدق مع المواطن قبل البحث عن صوته، لأن من تحمل المسؤولية عليه أن يتحمل تبعاتها السياسية، ومن شارك في صناعة القرار محليا أو جهويا أو وطنيا، أو ساهم في التشريع والتصويت على الميزانيات وممارسة الرقابة على الحكومة، عليه أن يقدم كشف حسابه، ومن اختار موقع المعارضة عليه أن يوضح أيضا ما الذي اقترحه، وما الذي فعله داخل المؤسسات لخدمة الصالح العام.





