
يسرا طارق
«كتابنا هذا درس جامعي يخضع لضرورات التلقين، ومراجعة نقدية للمؤلفات حول تاريخ المغرب وهو أيضا قراءة للماضي المغربي». بهذه النبرة المتواضعة، صدّر عبد الله العروي لكتابه الهام جدا: «تاريخ المغرب» الصادر بالفرنسية سنة 1970، والذي يمكن اعتبار صدوره، وبدون مبالغة، حدثا جليلا ومؤسسا في البحث التاريخي المغربي. فإلى أيامنا هذه كل ما يكتب بشكل تركيبي جامع حول تاريخ المغرب، ينهل منه ويدقق أو يتوسع في بعض أفكاره وأحكامه. شكل صدور الكتاب علامة على رشد المغاربة وتطور نظرتهم لذواتهم في حاضرها وآفاق مستقبلها، لكن، وبالأساس، في تشكلها التاريخي. كان الماضي، دوما، في حياة الشعوب شأنا خطيرا، وقد لاحظ العروي: «إن شباب المغرب مبهور اليوم بالحاضر، بالاقتصاد والاجتماع والسياسة، فيظن أن الانغماس في دراسة الماضي إهدار للوقت ويتخلى عن هذه المسؤولية للأجانب دون أن يتساءل هل الصورة التي يرسمها أولئك الأجانب عن ماضي المغاربة تؤثر أم لا في النهاية في قولبة الحاضر».
الدليل الواضح على هذا هو أن الآلة الاستعمارية الفرنسية وظفت كتابات الكثير من مؤرخيها، سواء من احترف منهم البحث التاريخي، ومن تعاطاه من باب الهواية، في تبرير سياساتها في الحاضر بإعادة تأويل مغرضة لوقائع الماضي، فنفخت، كما بين ذلك العروي، في فكرة سوء حظ المغرب: «سوء حظه أنه لم يدرك أن الغزو الروماني ذو طابع حضاري، وأنه اعتنق الإسلام، وأنه سقط ضحية لهجمة بني هلال، وأنه كان قاعدة القرصنة العثمانية..إلخ». وذلك لحث المغاربة على عدم تضييع الفرصة التي تمنحها لهم فرنسا من خلال نظام الحماية، الذي يريد أن يدخلهم للعالم الحديث بكل مزاياه، ونفخت أيضا في فكرة انقسام المغرب إلى بلاد مخزن وبلاد سيبة، لتنسب لنفسها فكرة بناء الدولة المركزية القوية والموحدة..
لم يجهد عبد الله العروي نفسه، في كتابه هذا، في البحث عن وثائق جديدة وغير معروفة، فكما يقول في سياق آخر، تاريخ المغرب كشفت معظم مفاصله وحقبه، وأحداثه الكبرى وأعلامه، ولا مجال لتوقع العثور على وثيقة تقلب رؤيتنا لهذا التاريخ رأسا على عقب. ما يتبقى لنا هو إعادة التأويل وتفنيد المقاربة الاستعمارية لهذا التاريخ. يقول العروي: «سوء حظ المغرب الحقيقي هو أن تاريخه كتبه لمدة طويلة هواة بلا تأهيل، جغرافيون أصحاب أفكار براقة، وموظفون يدعون العلم، وعسكريون يتظاهرون بالثقافة ومؤرخو الفن يتجاوزون اختصاصهم، وبكيفية أعم، مؤرخون بلا تكوين لغوي أو لغويون وأركيولوجيون بلا تأهيل تاريخي. يحيل بعضهم على الآخر. يعتمد هؤلاء على أولئك وتحبك خيوط مؤامرة لتفرض الافتراضات البعيدة كحقائق مقررة».
قدم العروي رؤية تركيبية لتاريخ المغرب، هي، بشكل أو آخر، سجال مع مجمل الطروحات الاستعمارية حول هذا التاريخ، ومحاولة لتفنيدها، كما فعل في دحض مبالغة المؤرخين الفرنسيين في تقويم آثار الهجرة الهلالية، مؤكدا أن تنقيل هذه القبائل للمغرب كان حاجة ملحة للدولة الموحدية التي كانت تخوض حروبا طاحنة في الأندلس. كما أدت هذه القبائل وظائف للدولة في مجال العسكرة والجباية، وحين ضعفت الدولة، ولم تعد تؤدي لهذه القبائل ما عليها، أجبرت على العمل لحسابها الخاص.
لم يؤرخ العروي، في كتابه هذا، للمغرب الأقصى، بل لكل الشمال الغربي الإفريقي، فتاريخ هذه المنطقة مترابط ومتفاعل بقوة، ويصعب فصل جزء منه عن الأجزاء الأخرى. كأنه بهذا يراهن على أن قدر الدول المغاربية، إن هي استلهمت دروس التاريخ، هو أن تكون متضامنة وموحدة في وجه تحديات التاريخ.




