
تشكل جرائم التعمير أحد أخطر مظاهر الفساد المنظم، حيث تختفي خلفها شبكة معقدة من المصالح الشخصية والسياسية وصراعات النفوذ، مدعومة بأموال ضخمة من الرشوة، وهو الواقع الذي لا يقتصر على خروقات معزولة، بل يعكس منظومة متكاملة تتداخل فيها مسؤوليات رجال السلطة، والمنتخبين، والمهندسين، ولجان المراقبة الإقليمية، والوكالات الحضرية، ما يطرح تساؤلات عميقة حول فعالية آليات الرقابة والحكامة في هذا القطاع الحيوي.
وفي قلب هذه الإشكالية، يظهر تواطؤ بعض رجال السلطة الفاسدين الذين يستغلون صفتهم الضبطية للتغاضي عن الخروقات التعميرية، وإنجاز محاضر دون تنفيذ قرار الهدم، والتغاضي عن استكمال الأشغال، بعد الحصول على تسليم السكن، فضلا عن التساهل مع إضافة طوابق عشوائية بأحياء راقية، وخرق التصاميم بالمناطق السياحية، ناهيك عن تجاوزات المشاريع العقارية الكبرى والملفات الذي تبيض ذهبا.
وطبعا فإن فساد بعض المنتخبين والوكالات الحضرية في مجال التعمير ليس أقل حدة، حيث غموض التعيينات الوزارية على رأس الوكالات والجدل المرافق له، واستغلال سلطة الرأي الملزم والملاحظات وإعداد التصاميم والتحكم في حيثيات جمودها أو تسريعها نسبيا، وتورط العديد من رؤساء الجماعات الترابية في توقيع تراخيص بناء انفرادية، وتسليم السكن لبنايات مخالفة خارج المنصة الإلكترونية، فضلا عن التغاضي عن التجزيء السري، وتسليم رخص سكن بتجزئات سرية لا تتوفر على أدنى معايير البنيات التحتية، هذا إلى جانب لعب دور الوسيط، واستغلال النفوذ لخدمة أجندات انتخابية، أو مصالح خاصة، في حين يُفترض في المُنتخب حماية المصلحة العامة.
ويمتد فساد التعمير ليشمل بعض المهندسين ولجان المراقبة المختلطة التي تعمل تحت إشراف السلطات الإقليمية، حيث التغاضي عن المخالفات، أو تأجيل التدخل إلى حين فرض الأمر الواقع، حيث سبق أن أدت تقارير إلى إعفاء رجال سلطة وعزل رؤساء جماعات، بل وفضحت ارتباط بعض المشاريع المشبوهة بملفات تبييض الأموال والاتجار الدولي في المخدرات، لكن لم يتوقف نزيف الفوضى التعميرية.
ويستمر انتشار البناء العشوائي والتجزيء السري ببعض المدن والجماعات الساحلية، بل وحتى «العشوائية الراقية» التي تمس أحياء ومشاريع كبرى، في ظل تلاعب واضح في التصاميم وجمود في تطبيقها، حيث يقوم بعض ضباط المراقبة بتحرير محاضر مخالفات وإحالتها على النيابة العامة، مع السماح في الوقت نفسه باستمرار الأشغال في ظروف غامضة.
وعلى ذكر اللجان الإقليمية المختلطة، التي يُفترض أن تضطلع بدور محوري في رصد المخالفات التعميرية، فإن أداء بعضها يثير الشكوك، خاصة مع تسجيل استثناءات غير مبررة لمشاريع كبرى أو أحياء راقية، ما يعزز فرضية وجود علاقات خفية مع سماسرة ولوبيات التعمير. هذه الشبكات لا تكتفي بخرق القوانين، بل تسعى إلى توجيه المجال الحضري أيضا وفق مصالحها الخاصة، بعيدا عن أي تصور تنموي متوازن.
ويكتسي قطاع التعمير حساسية خاصة، لارتباطه المباشر بالاستثمار والسياحة والتشغيل، فضلا عن دوره في تحريك عجلة الاقتصاد، غير أن هذه الأهمية جعلت منه أيضا مجالا خصبا لتبييض الأموال وتمويل الحملات الانتخابية، ما يعمق ارتباطه بالفساد ويجعل إصلاحه أكثر تعقيدا.
ومن الظواهر المستجدة أيضا، دخول بعض الصفحات المشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي على خط الابتزاز، حيث ينتحل مسيروها صفة المراقبة، وينشرون صور أوراش البناء للضغط على أصحابها مقابل مبالغ مالية، في سلوك يعكس اتساع دائرة الفوضى التي تعم المجال.





