
أول زيارة قمت بها إلى الجزائر تعود لعام 1972، برفقة المرحوم إدريس البصري، وكان يشغل حينها منصب مدير للشؤون العامة بوزارة الداخلية.
كانت الغاية من المهمة ضبط بعض الأمور الأمنية، بعد أن علمنا بوجود محاولات من طرف الجزائر لزعزعة استقرار المملكة، سيما في ظل وجود معارضين مغاربة في ضيافة النظام الجزائري.
من مطار سلا العسكري ركبنا طائرة عسكرية من نوع «كينغ 100» تابعة للقوات المسلحة الملكية، دامت الرحلة حوالي تسعين دقيقة قبل أن نحط الرحال في مطار بالعاصمة الجزائرية.
كان في استقبالنا بعض المسؤولين الجزائريين، الذين رحبوا بنا قبل أن يرافقوننا مباشرة إلى مقر وزارة الداخلية، حيث وجدنا في الاستقبال أحمد لمدغري أول وزير داخلية في تاريخ الجزائر بعد الاستقلال، وهو من أصول مغربية، وتحديدا من منطقة مدغرة بجهة درعة- تافيلالت، قبل أن تنتقل عائلته للعيش في الجزائر. طبعا ليس هو المسؤول الحكومي الوحيد من أصل مغربي، بل هناك عشرات القيادات الجزائرية التي تمتد جذورها إلى المغرب، والشيء نفسه بالنسبة للمغرب حيث شهدت الحكومات الأولى حضورا لمسؤولين من أصول جزائرية في مختلف مصادر القرار.
كان الهدف من الزيارة إشعار السلطات الأمنية الجزائرية بوجود تحضيرات مكثفة لعمليات تخريبية تستهدف المغرب، انطلاقا من التراب الجزائري، نبهنا وزير الداخلية لما يطبخ في الجزائر وفق ما نملكه من معلومات، خاصة وأن نظام الهواري بومدين كان يؤوي عددا من المعارضين المغاربة.
قدم إدريس البصري عرضا مفصلا حول المحاولات التخريبية التي تستهدف بلادنا، استنادا إلى المعلومات المتوفرة لدى مصالح الشؤون العامة بوزارة الداخلية، والنوايا السيئة التي يراد منها ضرب بعض المنشآت الحيوية في المغرب بغرض خلق جو من الاضطراب.
أنصت أحمد لمدغري بإمعان شديد للعرض المغربي الذي كان ينبني على معطيات مضبوطة، وفي نهايته أكد وزير الداخلية الجزائري أن بلده لا يضمر العداء للمغرب، وأن الجزائر لن تسمح لأي جهة باستخدام أراضيها للاعتداء على بلد جار، قال إن ما يربطه بالجزائر أكثر من روابط الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا، مقدما تطمينات في هذا الباب.
للأسف مر عام بالتحديد على هذا اللقاء، الذي تلقينا فيه من وزير الداخلية الجزائري وعودا مطمئنة، وتبين أن النظام الجزائري اختار ذر الرماد على عيوننا، ولم ينفذ الالتزامات التي تعهد بها خلال الاجتماع، بل سعى جاهدا إلى تنويم المغرب ومصالحه الاستخباراتية.
لم يلتزم الجانب الجزائري بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، حيث عملت الجارة الشرقية على تجنيد المعارضين المغاربة فوق ترابها ضد نظام الحكم القائم بالمملكة، وأمدتهم بالسلاح ووفرت لهم قاعدة لضرب المغرب.
في ثالث مارس 1973، وهو يوم الاحتفال بذكرى عيد العرش، كان الملك الحسن الثاني، رحمه الله، متواجدا في مدينة فاس، التي اختارها لاحتضان الاحتفالات الرسمية بعيد العرش.
في ذلك اليوم تسللت ميليشيات مغربية خضعت لتدريبات عسكرية في الجزائر، نحو التراب المغربي ليلا، عبر الحدود الجزائرية المحاذية لجهة درعة- تافيلالت، تم التنبيه إلى تحركاتها في الراشيدية وهي تأخذ طريقها في اتجاه قرية أملاكو القريبة من كلميمة، في إطار مخطط مدروس يرمي إلى القيام بأعمال تخريبية، قبل أن تتم محاصرة المتمردين، من طرف القوات المسلحة الملكية، مدعومة بكل الفصائل الأمنية، في قرية مولاي بوعزة التابعة لإقليم خنيفرة، حيث تحركت السلطات المغربية بسرعة كبيرة، فتم تطويق المشاركين واعتقال عدد واسع منهم خلال أيام قليلة، وبالتالي إبطال هذه المحاولة التي كانت تسعى لزعزعة استقرار بلد خارج للتو من محاولتين انقلابيتين.
كشفت هذه المحاولة الفاشلة عن تورط النظام الجزائري في تجنيد فصائل معارضة بغاية ضرب مصالح المملكة وإنشاء كيان جديد يجسد العداء الذي يضمره نظام بومدين للمغرب، مع اختيار يوم عيد العرش لتنفيذ عمليات تخريبية انطلاقا من الأطلس المتوسط، ما يضع تصريحات وتطمينات الجهات الرسمية في الجزائر، وخاصة وزير داخليتها لمدغري، في حالة شرود.
لم تكن أحداث ما بات يعرف بتمرد مولاي بوعزة إلا سطرا من سطور العداء الذي كتبه النظام الجزائري بحبر الضغينة، منذ حرب الرمال التي ترجمت حجم الخلاف بين جارين يجمعهما أكثر مما يفرقهما.






