حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

الرصاص في العيد

يسرا طارق

شهدت جماعة أولاد مبارك، التابعة لدائرة بني ملال، ليلة الجمعة، شجارا بين مجموعة من الشباب أسفر عن إصابة تسعة أشخاص بجروح، بعضها خطير جدا، اسْتُعْمِلَتْ العصي والحجارة في الشجار، واستعمل أحد المتشاجرين بندقية صيد، أطلقت حبيبات معدنية وكانت إصاباتها بالغة، ما تطلب تدخلا طبيا عاجلا.

في أجواء العيد، وفي ما يقتضيه من تزاور وتراحم، وتغليب لمعانيه في التضحية والإيثار، والترفع عن شهوات الدنيا وخصوماتها، فضّل شبان، ومن أجل أسباب تافهة، تبادل الضرب والجرح وترويع الساكنة المحتفية بالعيد، وعوض أن يسيلوا دماء الأضاحي أسالوا دم بعضهم. هذا العنف النادر جدا في طقوس العيد يسائلنا جميعا، وينبهنا بقوة إلى ضرورة التنبه لهذا العنف القادم، هذه المرة، من القرى التي لم تعد قرى، وهو شبيه في حدته بالعنف الذي تشهده ضواحي المدن بأحيائها العشوائية، وأزقتها الضيقة التي تُفرخ الإجرام والحقد والمخدرات، وكل كوارث الإقصاء الاجتماعي. لقد أُفرغت القرى من كل ما يمت لعالم البادية بصلة، ولم تعد تربطها علاقة عضوية بالفلاحة ولا بالرعي، ولم تعد ترى فيها تلك المظاهر التي تشعرك بأنك في وسط مخالف لكل ما تشهده في المدينة، صارت قُرَانَا تنام حتى الضحى، وصار شبانها يملؤون المقاهي طيلة النهار، لا تفارق أعينهم شاشات هواتفهم، ويحلمون بالهجرة، أو بحياة لا ماء ولا تراب ولا روث فيها، حياة شبيهة بما يرونه في العالم الذي تعرضه شاشاتهم. هؤلاء الشبان، الذين هم، في الغالب الأعم، ضحايا الهدر المدرسي، لم يتلقوا ما يؤهلهم للاندماج في سوق الشغل، ولم يعودوا يقبلون أن يعيشوا ويعملوا مثل جدودهم وآبائهم، ثم إن هؤلاء الشبان، وبخلاف آبائهم، لهم إمكانية قضاء اليوم في المدينة والعودة مساء، فحافلات النقل الرخيصة متوفرة على مدار الساعة، ورؤية المقاهي الفاخرة والمطاعم ومظاهر البذخ، كما يرون، في العطل والمناسبات الدينية، كيف أن أقرانهم، الذين هاجروا، يعودون بسيارات فاخرة وحسابات بنكية سمينة، فكيف لهم أن يقبلوا حياتهم البئيسة؟ وكيف لنفسياتهم أن لا تمتلئ حقدا وغضبا على كل ما يحيط بهم؟ لم تؤطرهم دور شباب ولا مراكز ثقافية، ولم ينخرطوا في جمعيات تهذب طباعهم وتغرس فيهم فضائل المدينة والمواطنة، ولم يفسح لهم مجال لاكتشاف مواهبهم ورعايتها بالصقل والتشجيع. هؤلاء الشباب ضحايا المجتمع، وضحايا الإهمال، وضحايا فشل المدرسة، وفشل التدبير السياسي، وفشل الجماعات القروية في مواكبة ما يحتاجه شبان القرى.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى