
في المونديال، لا تلعب المباريات فقط على العشب، بل في قلوب الناس أيضا. وقلب ريان أندرسون شاهد على ذلك. رجل في السادسة والثلاثين، ولد في المغرب، قبل أن يتبناه زوجان اسكتلنديان وهو رضيع في مستشفى بمدينة الجديدة، لينشأ في إدنبرة ويصبح مشجعا صلبا لمنتخب «جيش التارتان». لكن مهما علا صوته بالهتاف «هيا يا اسكتلندا!»، فإن المغرب يظل يسكنه كجذر لا يقتلع.
ريان لا يتحدث كلمة عربية واحدة، لكنه يعرف أن المغرب ليس مجرد مكان ميلاد، بل هو دم يجري في عروقه وذاكرة لا يمكن محوها. حين علم بمواجهة المنتخبين، ارتجف قلبه؛ ارتجاف رجل يحمل وطنين في صدر واحد. قالها بصدق: «اسكتلندا هي وطني، لكن المغرب جزء من شخصيتي وهويتي». هذه ليست جملة عابرة، بل اعتراف بأن الهوية ليست خيارا سهلا، بل قدر يرافق الإنسان أينما ذهب.
رحلته إلى المغرب لم تكن مجرد زيارة عابرة، بل بحث مؤلم عن جذور ضائعة. خمس زيارات، مترجمون، تنقلات طويلة، اختبارات ADN، لقاء عائلات تدّعي النسب ثم تنكشف الحقيقة. ومع كل خيبة، ظل حب المغرب ثابتا، كجدار لا تهزه الرياح. حتى حين واجه المحتالين، ظل ممتنا لأولئك الذين حاولوا مساعدته بصدق.
لكن ما يميز ريان أنه لم يسمح لرحلة البحث أن تسرق منه الحاضر. في المونديال، اندمج كليا في أجواء المشجعين، بزي الذي يحمل علمين المغربي والاسكتلندي قرر أن يجوب شوارع أمريكا يغني ويصرخ ويصنع ذكريات، وكأن كرة القدم تمنحه فرصة ليعيش هويته المزدوجة بلا تناقض. فهو يشجع اسكتلندا بكل قلبه، لكنه يحمل المغرب في دمه، في ذاكرته، في كل خفقة من خفقات قلبه.
قصة أندرسون ليست مجرد حكاية مشجع، بل شهادة على أن الهوية يمكن أن تكون جسرا بين وطنين، لا حاجزا بينهما. في زمن يحاول فيه البعض تقزيم الانتماء إلى خانة واحدة، ريان قد فاز مسبقا بحب متجذر للمغرب لا يمكن انتزاعه، وبحكاية إنسانية تستحق أن تروى.
رحلته لم تنته بعد. بعد صافرة النهاية في المونديال، سيعود ريان إلى المغرب باحثا عن اسم، عن وجه، عن عائلة. يقول بعينين يملؤهما الألم والأمل: «أحاول فقط العثور على قريب واحد، حتى لو كان ابن عم. لقد خفضت سقف توقعاتي كثيرا.. لكنني وصلت إلى معلومات حيوية، وربما اسم محتمل، لذلك سأعود إلى المغرب قريبا لمواصلة البحث».





