
إعداد وتقديم: سعيد الباز
يشكل موضوع الزيجات الأدبية أحد الموضوعات الأكثر إثارة وتعددا في الحياة الأدبية. فهي لا تخرج عن طابعها الإنساني والاجتماعي المعتاد والمألوف، لكنها في الآن نفسه تتميز بخصوصياتها، حين تمتزج وتنخرط جزئيا أو كليا في العمل الإبداعي والأدبي، لتصطدم بواقعية مؤسسة الزواج والارتباط وإكراهات الحياة ومسؤولياتها الجسيمة. فهي بذلك تتراوح بين السلب والإيجاب، فكما تكون أحيانا ملهمة، يمكن أن تصبح أحيانا أخرى مصدر ألم وتعاسة.
عبلة الرويني.. الجنوبي أمل دنقل
لم يكن أي شيء بإمكانه أن يجمع في مصير واحد بين الشاعر القادم من الصعيد أمل دنقل، والصحفية عبلة الرويني. شاعر متمرد لا تعرف حياته أي نوع من الاستقرار بين المقاهي وغرف الأصدقاء، أو كما قال هو عن نفسه: تاريخ الأرصفة هو تاريخي الشخصي، وصحفية ما زالت في بداية طريقها… لكن كل علامات النجاح تواكب مسيرتها من خلفيتها الاجتماعية الميسورة، فضلا عن ذكائها وثقتها بنفسها. رحلة عبلة الرويني وأمل دنقل القصيرة بدأت بحوار صحفي، وانتهى بارتباط عصي عن الفهم، نظرا لحجم الفوارق بينهما والتناقض الكبير في التركيبة النفسية لكل واحد منهما. لكن مع ذلك، كان لعبلة الرويني الدور الأساسي في تحقيق نوع من التوازن لحياة شاعر غير قابل للانسجام مع أي بنية أسرية مثل مؤسسة الزواج، إضافة إلى إصابته مبكرا بمرض السرطان الذي أرغمه على قضاء الفترة الأخيرة من حياته نزيلا في المستشفيات، صحبة رفيقته الأبدية عبلة الرويني. في كتابها «الجنوبي» استطاعت عبلة الرويني أن تكتب سيرتها مع أمل دنقل بالكثير من التفاصيل، وتحليل دقيق لشخصية الشاعر بكل تناقضاتها وبجرأة نادرة خالية من أي تصنع أو افتعال. كما هو الشأن في هذه القراءة المتأنية الذي اعتبرت الكاتبة حياة أمل دنقل المضطربة وغير المستقرة بديلا عن الانتحار. في الجانب الآخر تَظهر من خلال رسائل أمل دنقل إلى عبلة الرويني أبعاد أخرى من هذه العلاقة الأدبية والإنسانية المثيرة. ترسم لنا عبلة الرويني صورة عن شخصية أمل دنقل: «تأخذ محاولة العثور على مدخل لشخصية أمل شكل الصعوبة حين نصطدم فيه بعالم متناقض تماما. يعكس ثنائية حادة كل من طرفيها يدمر الآخر، ويشتت الكثير من أشكالها… إنه الشيء ونقيضه في لحظة نفسية واحدة يصعب الإمساك بها: فوضوي يحكمه المنطق، بسيط في تركيبية شديدة، صريح وخفي في آن واحد، انفعالي متطرف في جرأة ووضوح، وكتوم لا تدرك ما في داخله أبدا. يملأ الأماكن ضجيجا وصخبا وسخرية وضحكا ومزاحا… صامت إلى حد الشرود يفكر مرتين وثلاثا في ردود أفعاله وأفعال الآخرين، حزين حزنا لا ينتهي. استعراضي يتيه بنفسه في كبرياء لافت للأنظار… بسيط بساطة طبيعية يخجل معها إذا أطريته وأطريت شعره، وربما يحتد على مديحك خوفا من اكتشاف منطقة الخجل فيه. صخري، شديد الصلابة، لا يخشى شيئا ولا يعرف الخوف أبدا…لكن، من السهل إيلام قلبه…قلق، لا يحمل يقينا… تاريخ معتقداته حافل بالعصيان، لكنه غير ملحد. صعيدي محافظ، عنيد لا يتزحزح عما في رأسه، وقضيته دائما هي الحرية، ومشواره الدائم يبدأ بالخروج. عاشق للحياة، مقاوم عنيد، يحلم بالمستقبل والغد الأجمل مع قدر كبير من العدمية يزدري فيها كل شيء، ويدمر كل شيء، ويؤمن بحتمية موته… ولعله ليس الخيار الصعب كما ظنه أمل، بل هو التوازن الأصعب الذي وحده الشعر، فكان صلب توازنه الحقيقي، وكان بديل الانتحار في هذا العالم المتواتر المرعب… فبدون الشعر تشق النفس نفسين، والجسد جسدين، والروح روحين، ويتعجل مصيره الحتمي نحو الموت. لكن الشعر، هذا الخلق الذي يبلغ حد التناسق، يحول هذا السعي الحتمي نحو الموت إلى مقاومة وتحد، ومن هنا يكتسب مفهوم الشعر لدى أمل- كبديل للانتحار- معنى الثورة… لقد أدرك أمل دائما أن قوته الحقيقية هي شعره، ولهذا لم يخيل في أي لحظة من لحظات تعامله وحياته، عن سلاحه الوحيد كتابة الشعر. إن المدخل الحقيقي إلى شخصية أمل يظل دائما هو موهبته…فهي التوازن، والسلاح القوي المشهر… إنها التفرد والتمايز… الزهو والثقة والكبرياء، القوة والوضوح، الصدق وشرف القلب الدائم… والثورة… كل شيء متناثر كأنه الفوضى. كلمات طائشة حادة، غضب مفاجئ، أيام غير معلومة، صعلوك لا يرى الشمس إلا نادرا حين يحول الليل إلى نار، والنهار يقضيه نوما طويلا.
يقرأ في أي مكان شاء في استغراق تام وسط مجموعة في سهرة، أو وحده، وسط بحيرة من الأوراق، والكتب، والجرائد، والأقلام فوق سريره. يكتب في كل مكان… في المقهى، في الشارع، فوق مقعد، في منزل أو داخل مستشفى، ينفق كل أمواله في ليلة واحدة، ثم ينام جوعا في الليلة التالية… يهوى الملابس الغريبة، والقداحات الأنيقة اللافتة… يقف أمام المرآة زمنا طويلا عندما يرتدي ملابسه، ثم يذهب إلى مواعده متأخرا.
بول أوستر.. سيري هوستفيدت
تصور الكاتبة والروائية سيري هوستفيدت Siri Hustvedt، زوجة بول أوستر، في تدويناتها التي تداولتها الصحافة العالمية، المراحل الأخيرة من معاناته مع المرض: «مشاهدتي له جعلتني أفهم معنى الهدوء في وقت الشدة. قوي ولا يشتكي، ومحافظ على روحه المرحة. كل ذلك جعل هذا الوقت من مرضه، الذي استمر الآن لما يقرب من عام، جميلا وليس قبيحا.
لقد تحمل مجموعة من الأعراض المؤلمة من السرطان والعلاج معا، بهيبة ألهمتني. قال إنه مع مرور هذه المحنة، أمضى وقتا أكثر «ينظر إلى الهاوية»، ثم أخبرني أنه ليس خائفا من الموت. أنا خائفة من الموت، لذا سماع ذلك أذلني». في المقابل نصادف بول أوستر في حواراته المتعددة منوها بزوجته سيري هوستفيدت على عدة مستويات: ««سيري» ليست فقط كاتبة جيدة، وإنما عبقرية. أعتقد أنها أكثر الأشخاص الذين قابلتهم ذكاء وألمعية، لديها موهبة لا تصدق في التفكير وامتصاص المعلومات الجيدة، تتبنى موضوعات جيدة للكتابة، وقادرة على الدخول في مساحات واسعة من المعرفة، كما أن لديها عقلا أكولا.
كم هو مثير أن أراها تفعل كل ما فعلته على امتداد تلك السنوات التي عشناها معا، ما يقرب من 36 عاما. أكبرها بثماني سنوات، ما يجعلنا معاصرين لبعضنا، لكن ليس على نحو تام؛ نحن غير متنافسين، ولم نتنافس أبدا، وإنما نعشق ما يفعله كل منا، ويدعم كل منا ما يفعله الآخر، ودائما ما يكون كل منا القارئ الأول للآخر». عاش الزوجان بول أوستر وسيري هوستفيدت في انسجام كبير طابعه الاحترام المتبادل، وكان كل واحد منهما يكتب في طابق من طوابق المنزل، ويقرأ للآخر ما كتبه خلال هذه المدة، طلبا للرأي والنصيحة.
تقول زوجته في هذا الصدد: «لم يكن أي واحد منا يزعج مساحة عمل الآخر. فقد كانت هذه الأماكن مقدسة لا يجوز تجاوزها. لم يلمس طاولة عملي أبدا، ولم ألمس طاولة عمله. لم أكن أعلم أنه كان يمتلك هذا العدد الكبير من الأقلام 150 قلما على الأقل، وأشرطة الآلة الكاتبة، والدفاتر».
أما الكاتبة والشاعرة اللبنانية جمانة حداد فتروي في كتابها «صحبة لصوص النار» لقاءها بالكاتب بول أوستر في بيته، وتصف حياته الزوجية وملامح من شخصيته: «دعاني الكاتب إلى منزله الفسيح في ضاحية بروكلين الناعسة، وكان بيننا خبز وملح ودخان وكلمات، والكثير من التواطؤ الفطري.
عرّفني أوستر الساحر الابتسامة على زوجته الجميلة، الروائية بدورها، ثم دعاني إلى الغداء في مطعم شعبي قريب. كان يرتدي جينزا أسود اللون وحذاء رياضيا، وقد تدفق الحديث بيننا براحة واسترخاء على الفور، من دون مقدمات، كأننا نعرف واحدنا الآخر منذ زمن… ثم سألني الروائي الشاهق القامة عن أحوال لبنان، وقد بدا أنه يتابع ربيعه وتحولاته، وعبر من جديد عن فرحته، لأن له عددا كبيرا من القراء والمحبين في عالمنا العربي… رجل كثير الود، كثير الدفء، كثير المرح، كثير الموهبة، كثير الخفر، هو بول أوستر: كنتُ حدست بذلك منذ لقائنا «القرائي»، ثم «الصوتي»، وترسخ الشعور عندما تعارفنا. «الكِتاب هو المكان الوحيد في العالم الذي يستطيع فيه غريبان كاملان أن يلتقيا بحميمية كاملة»، يقول هذا الروائي الكبير. صحيح، لكنه لا يعادل لذة اللقاء بك وجها لوجه يا ساحر نيويورك».
محمد الماغوط وسنية صالح.. بعيدا عن الإلهام قريبا من الألم
الشاعرة السورية سنية صالح ليست فقط زوجة الشاعر والكاتب محمد الماغوط، أحد رواد قصيدة النثر، بل هي أخت الناقدة خالدة سعيد، زوجة الشاعر أدونيس. عاشت مرحلة تأسيس مجلة «شعر»، وبروز الكثير من الأسماء الشعرية والنقدية التي أثرت في مسار الشعر العربي الحديث. كان لسنية صالح صوت شعري مختلف عن أقرانها من الشعراء، صوت ينصت للألم الداخلي ويعبر بحدة عن الجسد الأنثوي. كانت بدايتها الأولى قوية مثل إعصار بقصيدتها «جسد السماء»، التي فازت بجائزة جريدة «النهار» البيروتية سنة1961، القصيدة التي تفوقت على قصيدة لمنافسها محمد الماغوط في الجائزة. حيث غرابة مصيرهما أن تكون علاقتهما الأولى تبدأ من باب المنافسة والغلبة والارتباط بأكبر حركة شعرية حداثية، عبر مجلة «شعر» ومن خلال روادها يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا… لكنها بدت منذ البداية بعيدة عن صخب المرحلة، مفضلة الإنصات إلى صوتها الداخلي، فتقول عقب فوزها بالجائزة: «ليس لي أي طموح من أي نوع كان. أنا أعجز من أن أغير العالم، أو أجمّله أو أهدمه أو أبنيه، كما يقول بعض الشعراء. أحس أنني كمن يتكلم في الحلم. ماذا يؤثر في العالم الكلام في الحلم؟ وباختصار ليس لي أي طموح من أي نوع كان. فقط أسترخي وأترك زحام العالم يدفعني كشيء صغير جدا ولا وجود له، إنما أحتفظ لنفسي بحرية الحلم والثرثرة». من ديوانها الأول «الزمان الضيق» إلى «حبر الإعدام» وديوانها الأخير «ذكر الورد»، توالت مسيرتها الشعرية المتفردة بلغتها ومعجمها الخاص.
تصف خالدة سعيد التجربة الشعرية لأختها قائلة: «في شعر سنية صالح عالم معطوب ورؤيا جامحة، حتى أنها قادرة في توترها على الضحك وقادرة على التشعث. في شعرها فوران سديم وأحشاء غاضبة وخيال طفولي. أقول هذا لمجرد التوكيد، مرة ثانية، على اختلاف هذا الشعر وجدته وخصوصيته، دون أي استهانة بما عداه. إنها من هؤلاء الشعراء الذين الشعر عندهم كالأمومة، فعل وجود. وهي ألقت بكيانها في الشعر. كان فعلها السياسي والعاطفي وكان حربها وصراخ جسدها وروحها. كان ثأرها وخشبة الخلاص. هو شعر على حدة لا يشبه أحدا وليس منضويا في تيار. شعر لحزن مستوحش ينبجس من الجوهر الأنثوي الخالق المطعون المسحوق عبر التاريخ. شعر هو صيحة جسد الأنثى نبع الحياة، الجسد الذي عبر فوقه الأباطرة والبطاركة… وكل ذي سلطان. ولسجنه واستغلاله وحتى تشويهه ووصمه بالنجاسة أو الخطيئة غيّروا حكمة الطبيعة وجيّروا كلام الشرائع. هذا الشعر بقدر ما ينشد حكاية المغدورين، يتقدم كصيحة للجسد الذي انتهى بين المباضع وأسرة المشافي». تحملت بوفاء نادر المزاج الصعب للشاعر محمد الماغوط وتقبلت إساءاته، رغم عنايتها به، أيام كان مختبئا خشية الاعتقال، فتمده بالطعام والكتب… وفي حين كانت شهرة الماغوط في ازدياد وأعماله الشعرية والمسرحية تلاقي الإقبال في العالم العربي برمته، كان النسيان يطوي صورة سنية صالح في المشهد الثقافي والشعري، رغم ما في تجربتها من أصالة وعمق قل وجوده عند الكثير من الشعراء. لمحمد الماغوط تساوي أكثر من علبة ثقاب، داهم مرض السرطان جسد الشاعرة سنية صالح وعانت منه مدة طويلة، قبل أن تسلم الروح في أحد مستشفيات باريس. في مرثية الماغوط لسنية صالح يختصر معاناة الشاعرة في حياتها والمرض الذي أودى بها، قائلا والندم والشعور بالمرارة يعتصران قلبه: «ثلاثون سنة، وأنت تحملينني على ظهرك كالجندي الجريح/ وأنا لم أستطع أن أحملك بضع خطوات إلى قبرك/ أزوره متثاقلا، وأعود متثاقلا، لأنني لم أكن في حياتي كلها/ وفيا أو مباليا، بحب أو شرف أو بطولة». أو يقر تماما بفضلها عليه: «كانت سنية أمي ومرضعتي وحبي ومرضي. وكان رأيها أساسيا في ما أكتب، فإذا كتبت أنا شيئا وترددت أمامه ولو للحظة كنت أمزقه وأعيد كتابته من جديد… أما إذا قالت حلو، فكنت أحس باطمئنان كبير، إنها قارئتي الأولى ومعلمتي الأولى في الشعر وفي الحياة… حين كانت مريضة جلست بقربها وهي على فراش الموت أقبل قدميها المثقوبتين من كثرة الإبر، فقالت لي عبارة لن أنساها: «أنت أنبل إنسان في العالم». على شاهد قبرها كتبت: «هنا ترقد الشاعرة سنية صالح، آخر طفلة في العالم». لم أزر قبرها في مقبرة «الست زينب» إلا مرة واحدة، حزني عليها لا أعرضه في المقاهي والشوارع: إنه إحساس شخصي جدا ومدفون في الأعماق، دون شاهدة. سنية هي المرأة في كل ما كتبت. كانت كعروق الذهب في الأرض. كل النساء من بعدها نجوم تمر وتنطفئ وهي وحدها السماء».
أخيرا في أحد حواراته النادرة يكشف الشاعر أدونيس خلافه الأدبي والعائلي مع صهره محمد الماغوط: «كانت بيننا مسألة تتعلق بزوجته الشاعرة الآسرة، سنية صالح، أخت خالدة. ساءت العلاقة معه، منذ أن أخذ يعاملها بطريقة وحشية كانت تصل أحيانا إلى ضربها. مع ذلك زرته عندما كان مريضا، في أواخر حياته، في بيته بدمشق، وبدا لي ودودا، ونادما، خصوصا في ما يتعلق بتهجماته عليَّ». أما عن تقديره لشاعرية سنية صالح: «أتردد في المفاضلة بين الشعراء. سنية شاعرة مهمة جدا، لم تُكتَشَف بعد كما ينبغي. في شعرها فرادة تراجيدية، ذات قرار أنثوي، جديدة كليا في الحداثة الشعرية العربية. ولو سألتني، في أفق المفاضلة، من تختار أن تقرأ الآن، إذا خُيِّرت بين الماغوط أو سنية؟ لأجبتك: سنية». بعد صدور الأعمال الكاملة للشاعرة سنية صالح، بإشراف من أختها الناقدة خالدة سعيد، وعودة اكتشاف شاعرة رائدة لم تنل حظها الكافي لعدة أسباب منها، تواريها إلى الظل والحضور الطاغي لمحمد الماغوط الذي توالت نجاحاته الشعرية والمسرحية، بينما استغرقت المهام العائلية والبيتية حياة سناء صالح التي تفانت فيها بأمومة طافحة، حتى سقوطها الأخير ضحية المرض الخبيث، ما حول سيرة أغرب زيجة شعرية إلى سيرة ألم مشبعة بالحزن والمرارة.
كريستيفا وسوليرز.. الزواج كأحد الفنون الجميلة
كانت العلاقة بين الكاتبين والناقدين فيليب سوليرز وجوليا كريستيفا قد تأسست منذ البداية على بعد عقلاني ومفكر فيه، إلى درجة أن الكاتبين معا قد ألفا كتابا خاصا بهذه العلاقة، التي جمعت بين كاتبين وناقدين أسهما في تطور النقد الأدبي في فرنسا والعالم.
جاءت جوليا كريستيفا Julia Kristeva، البلغارية الأصل، إلى فرنسا من أجل كتابة أطروحتها حول الرواية الجديدة، قابلت فيليب سوليرز Philippe Sollers في مكتب المجلة الشهيرة (تل كيل)، التي كان يقود فريقها. أتت إليه لتطرح عليه أسئلة بخصوص السوريالية وغيرها. كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، بينما كان هو في الثلاثين من عمره.
اندهش سوليرز لسعة ثقافة كريستيفا، فيما وقعت هي الأخرى تحت تأثير سحر شخصية سوليرز. ومنذ تلك اللحظة رسما معا مسارا حياتيا وأدبيا وفكريا مهما. المميز في علاقتهما أن الزواج كان موضوعا للتأمل والتفكير، نتج عنه كتابهما المشترك (الزواج بوصفه أحد الفنون الجميلة)، بسطا فيه تصورهما لمؤسسة الزواج وخصوصية علاقتهما على المستوى الفكري والعاطفي. لقد كان لقاء جوليا كريستيفا وفيليب سوليرز غير عادي، لم يثمر فقط عن ارتباط عاطفي انتهى إلى زواج بينهما، لكنه كان نقطة بداية لجيل جديد من النقاد الفرنسيين بوجوه جديدة ورؤى نقدية مختلفة، أحدث تأثيرا واسعا على المشهد النقدي في فرنسا والكثير من البلدان في العالم.
تحكي جوليا كريستيفا عن لقائهما الأول: «وصلت من بلغاريا إلى فرنسا عشية عيد الميلاد من سنة 1965، لم أكن أعرف على الإطلاق فيليب سوليرز، رأيت صورته في مجلة شيوعية. تحدث في مقابله له عن كيفية تغيير المجتمع عن طريق اللغة. هذه الأفكار كانت مألوفة لديّ، فقد تم تطويرها من قبل المستقبليين الروس، ثم من قبل السورياليين. تحدثت عن ذلك من حولي، فنصحني رولان بارط الذي كنت أتابع إحدى دوراته الدراسية بالذهاب لمقابلته. فوافق فيليب سوليرز بلطف كبير على مقابلتي. كنت أتوقع أن ألتقي بكاتب كما سبق لي ذلك من قبل، على شاكلة «فأر مكتبة» نحيل وهش، بقليل من التلعثم، دون القدرة على الدنو من شخصه. كان أمامي شخص ذو حضور جسدي، كان يذكرني بلاعب كرة قدم! تحدثنا عن الأدب، كنت حينها قد اكتشفت النظرية الكرنفالية في الرواية للمنظر الروسي، ميخائيل باختين، في العشرينيات من القرن الماضي، الفكرة التي أثارت انتباهه».
كان اللقاء الأول لجوليا كريستيفا بفيليب سوليرز لقاء مفعما بالكثير من الإثارة، حيث كانت هي في الخامسة والعشرين من عمرها، بينما كان هو في الثلاثين من عمره. اندهش سوليرز لسعة ثقافة كريستيفا، فيما وقعت هي الأخرى تحت تأثير سحر شخصية فيليب سوليرز.
ومنذ تلك اللحظة رسما معا مسارا حياتيا وأدبيا وفكريا مهما. فالزواج في تصور كريستيفا يبقى دائما متأرجحا بين جانبه العاطفي الرومانسي، والجانب القانوني الذي يؤمن العلاقة ويسعى إلى إدامتها، وبتعبيرها فبقدر ما هو قيمة من قيم الملاذ الآمن، فإننا في الوقت ذاته نفقد قيما أخرى. فالزواج تجربة، لكن ما تؤكد عليه جوليا كريسيفا أن العلاقة الزوجية التي تربطها بفيليب سوليرز ليست علاقة انصهارية، إنها كما تقول ما يشبه نوعا من إعادة الولادة المستمرة، من خلال دوزنة الرغبات والتسامي والنقاش الفكري: «قرأنا نفس الكتب ونشترك في نفس الأنشطة السياسية الفلسفية الأخلاقية، والتي غالبا ما تختلف آراؤنا حولها. الأمر ليس سهلا دائما، ولكنه ليس أبدا مملا وغالبا مضحكا. هذه الولادة الجديدة ليست ممكنة، إلا إذا استندت إلى قاعدة التواطؤ… اللحظة الأساسية في لقاء الشخصين المتفردين المتوافقين… يحافظ كل منهما من خلال مدة متصلة على القناعة العقلية بأن هذا هو المكان الذي ينبغي أن أكون فيه… إنه تحالف وتواطؤ بين فردين وحديث متواصل حساس كأحد الفنون الجميلة».
أدونيس وخالدة.. بين الشعر والنقد
ارتبط اسم الشاعر أدونيس باسم زوجته الناقدة خالدة سعيد، كأشهر زوجين عربيين ينتميان إلى المجال الأدبي، فهو بحق يعد اقترانا مثاليا بين الشعر والنقد. لكن هذه العلاقة الوطيدة بين الشاعر والناقدة، فقلما نجد لها أصداء إلا في بعض الحوارات النادرة. فحينما سُئلت خالدة سعيد عن نظرتها النقدية إلى شعر زوجها وكتاباتها، وعن مدى شعورها بالإحراج في ذلك، تقول: «حين أكتب لا أخاطب صاحب النص، ولا أتوجه إليه، تدور العملية بيني وبين النص.
الكتابة عن نص نوع من التملك والتبني. ولا معنى لكتابتي النقدية إذا خنتُ نص المبدع؛ أي خنت نصي النقدي الخاص. نصي هو خصوصيتي وكلمة الشرف الموجهة لنفسي وللقارئ في وقت واحد. نصي هو كلمة الذات الكاتبة وكلمة الشراكة بيني وبين الكاتب والقارئ. فأنا- أيضا- قارئة مثله، والذي يقرأ النقد لا يفعل ذلك ليتسلى أو يطرب؛ يقرأ من منطلق المعرفة والتجاوب والمساءلة والإضاءة، وحتى الهيام. ثم إننا (أنا وأي ناقد) لا نكتب لقارئ جاهل، بل لقارئ عارف، ما يحمل الناقد المسؤولية عن المعرفة التي يقدمها.
وهذا النوع من الغش، (أعني المحاباة أو التحامل) يخون الأطراف الثلاثة: القارئ، والكاتب، والشاعر، أو- على الأقل- الشعر. ثم، إذا كان أدونيس سيتدخل أو يبدي أي ملاحظة على نقدي لفلان أو فلان، معنى ذلك أنني أفقد صدقيتي، بل أفقد صوتي ورؤيتي واستقلاليتي ومبرر كتابتي، ويكون الأفضل أن أكتب الدراسات النظرية حول الشعر، ولا محل، هنا، للكلام على أمر بديهي، هو عزة نفس أدونيس وترفعه. فنحن، هنا، في ميدان المعرفة والإبداع، واحترام هذا الإبداع وصاحبه، وصيانة صدقية العلاقة بين الناقد والمبدع، هما من الأولويات. وبالمناسبة، أدونيس كتب عن شعراء، مثل يوسف الخال وأنسي الحاج وجورج شحادة والسياب وغيرهم، ولم يسأله أحد إن كنت أتدخل في ما يكتب.
هذا السؤال الاتهامي يتضمن حكما مسبقا بخضوع المرأة (حتى على المستوى الأدبي) للزوج، كما أنه حكم مسبق على الزوج بأنه لا يحتمل حتى الحرية الفكرية لزوجته. ولست أول من طرح علي هذا السؤال. إنه سؤال مرفوض قطعا، ويمس روعة العلاقة الإبداعية وتبادل الإضاءة بين الناقد والنص، كما يمس شخصية الناقد». وتضيف مبرزة دورها كقارئة أولى لأعماله، وهل لها أحيانا بعض المآخذ: «أما عن المآخذ النقدية، فربما أبديت ملاحظة كما يبديها أي صديق مخلص. ولكنني لا أمارس دوري كناقدة إلا كتابة، كما أمارسه مع أي نص آخر؛ فكتابتي تحليلية وليست انتقادية. أنا لا أُعلّم أحدا».










