
طنجة: محمد أبطاش
مع حلول كل صيف، وفي الوقت الذي تنشغل فيه مدينة طنجة باستقبال أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج وانتعاش سوق العقار، تنطلق، في المقابل، سباقات من نوع آخر بعيدا عن الأضواء، تتمثل في تسريع عمليات ردم وطمر مجاري الأودية وتحويلها إلى تجزئات ومشاريع سكنية، قبل حلول موسم الأمطار الذي يكشف في كل مرة حجم الاختلالات التي رافقت إنجاز هذه المشاريع.
وكشفت معطيات حصلت عليها «الأخبار» أن منطقة العوامة وعددا من الأحياء المحيطة بها تعرف، خلال الفترة الصيفية، حركة مكثفة لشاحنات تقوم بإفراغ أطنان من الأتربة والردوم داخل مجاري أودية أو بمحاذاتها، في مشاهد تتكرر أمام أنظار مختلف المتدخلين، قبل أن تتحول هذه الفضاءات، في ظرف وجيز، إلى أوراش للبناء، أو تجزئات عقارية تعرض للبيع.
وحسب المصادر، فإن اختيار فصل الصيف لتنفيذ هذه الأشغال ليس اعتباطيا، بل يرتبط بكون مجاري الأودية تكون جافة، ما يسهل طمرها وإخفاء معالمها الطبيعية، فضلا عن استغلال ارتفاع الطلب على السكن بالتزامن مع عودة أفراد الجالية المغربية، الذين يقبل كثير منهم على اقتناء شقق أو بقع أرضية، دون الإلمام بتاريخ العقار، أو بطبيعة المجال الذي شيدت فوقه المشاريع.
وتضيف أن المفارقة تظهر مع أولى التساقطات المطرية، حين يفاجأ عدد من الملاك الجدد، سواء من أفراد الجالية أو المواطنين الباحثين عن سكن، بتسرب المياه إلى منازلهم، أو بمحاصرة أحيائهم نتيجة عودة السيول إلى مساراتها الطبيعية، بعدما جرى تضييقها أو طمرها بالكامل خلال مراحل التهيئة والبناء.
وتشير بعض المصادر العارفة بخبايا القطاع إلى أنه وإن بدت الأودية جافة معظم أشهر السنة، تظل جزءا من شبكة طبيعية لتصريف مياه الأمطار، وأن أي تدخل يغير مجراها أو يقلص قدرتها الاستيعابية يضاعف مخاطر الفيضانات داخل الأحياء السكنية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تعرفها المملكة، وما يصاحبها من تساقطات قوية ومركزة في فترات وجيزة.
وتثير هذه الممارسات، بحسب المصادر نفسها، جدلا حول طبيعة التراخيص التي تستند إليها عمليات الردم، ومدى احترامها للدراسات التقنية والبيئية، في وقت تتعالى فيه الدعوات إلى فتح تحقيقات ميدانية للكشف عن الجهات التي سمحت بتحويل مجاري أودية إلى أوعية عقارية، رغم ما يشكله ذلك من تهديد مباشر للسلامة العامة.
ويعيد هذا الواقع إلى الأذهان فواجع سابقة شهدتها طنجة، عندما ساهم البناء فوق مجاري المياه في مضاعفة آثار الفيضانات، وفي مقدمتها المأساة التي أودت بحياة 29 شخصا داخل وحدة صناعية أقيمت فوق مجرى واد بمنطقة السواني، وهي الحادثة التي أعادت حينها النقاش حول مدى احترام وثائق التعمير للمعايير المرتبطة بالمخاطر الطبيعية.





