حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقارير

أزمة خانقة تهز مراكز النداء بالمغرب

قيود فرنسا والذكاء الاصطناعي يهددان آلاف الوظائف

النعمان اليعلاوي

 

يواجه قطاع مراكز النداء وخدمات العلاقة مع الزبناء  واحدة من أصعب مراحله، بعدما وجد نفسه في مواجهة مزدوجة تجمع بين تشدد تنظيمي غير مسبوق في السوق الفرنسية، التي تعد السوق الرئيسية لجزء كبير من نشاط القطاع، والتحول التكنولوجي المتسارع الذي يقوده الذكاء الاصطناعي.

وتزامن دخول قواعد جديدة في فرنسا حيز التنفيذ، في 11 غشت الماضي، مع بداية ظهور تداعياتها على شركات مغربية تنشط في مجال التسويق الهاتفي، في وقت يتجه فيه القطاع عالميا نحو تقليص الاعتماد على المكالمات التقليدية وتعويض جزء من المهام البشرية بأدوات رقمية أكثر تطورا.

وبموجب القواعد الجديدة، أصبح الاتصال الهاتفي بالمستهلكين لأغراض تجارية ممنوعا في فرنسا ما لم يكن المستهلك قد منح موافقته المسبقة والصريحة، مع استثناءات محدودة، من بينها بعض الاتصالات المرتبطة بعقد قائم. كما ألغيت آلية «Bloctel» التي كانت تتيح للمستهلكين التسجيل في قائمة لرفض المكالمات التجارية.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية كبيرة بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى الاعتماد القوي لمراكز العلاقة مع الزبناء على السوق الفرنسية. وتحدثت تقديرات رسمية ومهنية عن تعرض عشرات الآلاف من مناصب الشغل للخطر، في حين أشارت معطيات حديثة إلى بدء تسجيل فقدان وظائف وإغلاق بعض الوحدات العاملة أساسا في التسويق الهاتفي الموجه إلى فرنسا.

 

السوق الفرنسية تضيق الخناق

لم يعد الأمر بالنسبة إلى مراكز النداء مجرد تعديل في قواعد العمل داخل سوق خارجية، وإنما تحول إلى اختبار حقيقي لنموذج اقتصادي قائم منذ سنوات على تقديم خدمات عن بعد لزبناء وشركات فرنسية.

فمنذ 11 غشت، أصبح مبدأ «الموافقة أولا» هو القاعدة في عمليات التسويق الهاتفي في فرنسا، وهو ما يحد بشكل مباشر من قدرة الشركات على إجراء مكالمات تجارية عشوائية أو استهداف مستهلكين لم يسبق لهم التعبير عن رغبتهم في تلقي هذا النوع من الاتصالات. وتؤكد السلطات الفرنسية أن الموافقة يجب أن تكون حرة ومحددة وواضحة وقابلة للسحب، ولا تتجاوز صلاحيتها سنة واحدة.

وبالنسبة إلى مراكز النداء المغربية، يعني هذا التحول تقلص جزء من السوق التي اعتمدت عليها لسنوات، خصوصا الوحدات التي يرتبط نشاطها بصورة شبه كاملة بحملات البيع والاستقطاب الهاتفي.

وتبدو الشركات الصغيرة والمتوسطة الأكثر عرضة للضغط، بالنظر إلى محدودية إمكانياتها المالية والبشرية وقدرتها الضعيفة على تنويع الخدمات والأسواق. فالشركة التي تعتمد على عقد واحد أو عدد محدود من العقود الموجهة إلى السوق الفرنسية يمكن أن تجد نفسها أمام تراجع سريع في رقم معاملاتها بمجرد انخفاض حجم الحملات الهاتفية.

وتؤكد معطيات منشورة حديثا أن هذا السيناريو بدأ يتحول إلى واقع بالنسبة إلى بعض الفاعلين، مع تسجيل حالات إغلاق وفقدان وظائف، فيما قدرت نقابة مهنية عدد الوظائف التي فقدت بالفعل في الفترة الأولى بنحو عشرة آلاف وظيفة. وفي المقابل، تمكنت شركات أكبر وأكثر تنوعا من إعادة توزيع جزء من العاملين المتأثرين على أنشطة أخرى.

ولا يتعلق الخطر بالسوق الفرنسية وحدها، بل بطريقة بناء نموذج الأعمال نفسه. فقد استفادت شركات عديدة من توفر المغرب على يد عاملة تتقن اللغات وتكلفة تشغيل تنافسية، لكن الاعتماد المفرط على عنصر الكلفة والسوق الفرنسية يجعل النموذج أكثر هشاشة عندما تتغير القواعد أو تتراجع حاجيات الزبناء.

وتتضاعف المخاوف عندما يتعلق الأمر بالوظائف التي ترتبط مباشرة بالتسويق الهاتفي، إذ إن انخفاض الطلب لا يحتاج بالضرورة إلى سنوات حتى يظهر أثره على التشغيل، بل يمكن أن ينعكس بسرعة على ساعات العمل وحجم الفرق والحاجة إلى الموظفين.

 

الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط

إذا كانت القواعد الفرنسية تمثل ضغطا تنظيميا خارجيا، فإن الذكاء الاصطناعي يفرض على القطاع تحديا مختلفا من الداخل، بعدما أصبحت التكنولوجيا قادرة على أداء عدد متزايد من المهام التي ظلت لسنوات حكرا على العاملين في مراكز النداء.

فالرد على الاستفسارات البسيطة، وتوجيه المكالمات، ومعالجة الطلبات المتكررة، وتقديم المعلومات الأولية، أصبحت جميعها مجالات يمكن للأنظمة الذكية التعامل معها بسرعة وعلى مدار الساعة، وهو ما يدفع الشركات إلى إعادة النظر في طبيعة الوظائف التي تحتاج إليها مستقبلا.

ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء مراكز النداء، وإنما يشير إلى تحول تدريجي في طبيعة العمل داخلها. فكلما أصبحت المهام الروتينية قابلة للأتمتة، ارتفعت الحاجة إلى موظفين قادرين على معالجة الملفات الأكثر تعقيدا، والتعامل مع الحالات الحساسة، وحل المشكلات، وفهم حاجيات الزبون، والإشراف على الأنظمة الرقمية.

وبذلك، ينتقل التحدي من توفير عدد كبير من الموظفين إلى توفير موظفين يمتلكون مهارات أعلى. ولن تكون القدرة على التحدث بلغة أجنبية أو الالتزام بسيناريو مكالمة تقليدي كافية وحدها لضمان الاستمرار في سوق العمل.

ومن المنتظر أن يفرض هذا التحول إعادة تأهيل واسعة للموارد البشرية، عبر تكوين العاملين في تحليل البيانات، والتواصل المتقدم، وحل المشكلات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ومراقبة جودة الخدمات الرقمية.

وهنا يبرز خطر اجتماعي آخر، يتمثل في احتمال اتساع الفجوة بين الموظفين القادرين على مواكبة التحول التكنولوجي وبين فئات أخرى قد تجد نفسها خارج سوق الشغل إذا ظلت وظائفها مرتبطة بمهام قابلة للأتمتة.

ويطرح ذلك مسؤولية مشتركة على الشركات والقطاع العمومي، لأن الانتقال نحو نموذج جديد لا يمكن أن يقوم فقط على تقليص الوظائف، وإنما يفترض الاستثمار في إعادة تكوين العاملين وتأهيلهم للانتقال إلى وظائف ذات قيمة مضافة أعلى.

 

من «مركز اتصال» إلى خدمات رقمية

تبدو إعادة هيكلة القطاع أمرا صعب التجنب، خصوصا أن الاعتماد على التسويق الهاتفي التقليدي لم يعد يوفر الضمانات نفسها التي كان يوفرها في السابق.

ويفرض ذلك على الشركات المغربية تسريع عملية تنويع خدماتها، عبر تطوير أنشطة خدمة الزبناء، والدعم التقني، ومعالجة المكالمات الواردة، وخدمات ما بعد البيع، ومعالجة البيانات، والدعم الرقمي، وغيرها من الأنشطة التي تقل حساسيتها تجاه القيود المفروضة على التسويق الهاتفي.

وتملك الشركات الكبرى هامشا أكبر للتحرك في هذا الاتجاه، بالنظر إلى تنوع عقودها وقدرتها على الاستثمار في التكنولوجيا وإعادة توزيع مواردها البشرية. غير أن التحدي الأصعب يبقى بالنسبة إلى الشركات الصغيرة التي لا تتوفر على إمكانيات مالية كافية لتحمل فترة انتقالية طويلة.

كما يبرز تنويع الأسواق كخيار آخر، إذ إن استمرار الاعتماد المفرط على فرنسا يجعل الشركات المغربية شديدة الحساسية لأي تغيير تنظيمي أو اقتصادي يطرأ في هذا البلد. ويصبح البحث عن أسواق جديدة في أوروبا وخارجها وسيلة لتقليص المخاطر وعدم ربط مستقبل الشركة بسوق واحدة.

لكن نجاح هذا التحول يتطلب أيضا إعادة التفكير في موقع المغرب داخل صناعة التعهيد العالمية. فالميزة التنافسية لم تعد مرتبطة فقط بتكلفة اليد العاملة، وإنما أصبحت تشمل جودة الخدمات، والبنية الرقمية، وتوفر الكفاءات، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، وتقديم خدمات متخصصة ذات قيمة مضافة.

وتأتي هذه التحولات في وقت يساهم فيه قطاع التعهيد ومراكز العلاقة مع الزبناء في الاقتصاد المغربي ويوفر فرص شغل مهمة، ما يجعل أي اضطراب كبير فيه ذا انعكاسات تتجاوز الشركات المعنية إلى سوق العمل، خصوصا بالنسبة إلى الشباب.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى