
قدم المركز الإسلامي لتنمية التجارة (CIDC)، بداية الأسبوع الماضي بالرباط، تقريره المعنون بـ«التجارة والاستثمار في قطاع الحلال بدول منظمة التعاون الإسلامي 2025»، وهو وثيقة مرجعية تحلل واقع التجارة والاستثمارات في الاقتصاد الحلال داخل منظمة التعاون الإسلامي. هذا التقرير، الذي تم الكشف عنه أمام نخبة من الفاعلين العموميين والخواص، يسلط الضوء على ديناميات قطاع يشهد توسعا متسارعا، مع تحديد موقع المغرب داخل هذا النظام العالمي.
لمياء جباري
بحسب التوقعات، من المرتقب أن يبلغ حجم السوق العالمي للحلال 3,1 تريليونات دولار بحلول سنة 2027. وترى لطيفة البوعبدلاوي، المديرة العامة للمركز الإسلامي لتنمية التجارة، أن «المؤشرات تؤكد أن اقتصاد الحلال لم يعد سوقا هامشيا، بل أصبح رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية في بلداننا الأعضاء».
واعتبر رفيع الدين شيكوه، ممثل مؤسسة DinarStandard، أن هذه الصناعة تمثل «فرصة فريدة للحكومات وصناع القرار الاقتصادي»، خاصة في ظل سياق عالمي يتسم بالاضطرابات.
تموقع متوسط للمملكة
أشار تقرير المركز الإسلامي لتنمية التجارة إلى أن «المغرب يحتل المرتبة التاسعة بين دول منظمة التعاون الإسلامي، وهو أداء مشرف، لكنه يعكس تموقعا متوسطا». وبينما يتألق المغرب في السياحة الحلال باحتلاله المرتبة الرابعة عالميا، تظل نتائجه أكثر تواضعا في قطاعات أخرى.
وفي الصناعات الغذائية، التي تشكل ركيزة الاقتصاد الحلال بأكثر من 1200 مليار دولار من النفقات السنوية، يحتل المغرب المرتبة 13، وهو الترتيب نفسه في قطاع الأدوية. أما في مستحضرات التجميل، فيرتقي إلى المرتبة التاسعة، بينما يحتل المرتبة 11 في مجال «الموضة المحتشمة».
ويؤكد التقرير أن «المغرب حاضر في مختلف القطاعات، لكنه لم يصل بعد إلى موقع الريادة في أي منها»، مشيرا إلى اقتصاد في طور الهيكلة، يتوفر على مؤهلات صناعية، لكنه لا يزال يعاني من التشتت.
تأخر على مستوى الاستثمارات
على مستوى الاستثمارات، لا يزال المغرب متأخرا مقارنة بدول مثل إندونيسيا أو الإمارات العربية المتحدة. ففي سنة 2023، تم تسجيل ثلاث صفقات كبرى فقط في القطاعات المرتبطة بالحلال، مقابل نحو خمس عشرة صفقة في إندونيسيا.
ومع ذلك، يعكس استثمار يفوق 70 مليون دولار في المختبر الصيدلاني «لابروفان»، قدرة المغرب على جذب رؤوس الأموال. وتذكر لطيفة البوعبدلاوي أن «نفقات المستهلكين المسلمين، المقدرة بـ2,4 تريليون دولار، مرشحة للارتفاع إلى 3,1 تريليونات دولار بحلول 2027»، مع تسجيل نمو سنوي يبلغ 7,3 في المائة.
غير أن مفارقة لافتة تظل قائمة، حيث إن دول منظمة التعاون الإسلامي، رغم تصديرها لمنتجات الحلال بقيمة 344 مليار دولار، تبقى مستوردة صافية بعجز تجاري بلغ 59 مليار دولار سنة 2022.
وتؤكد المعطيات الإحصائية أن «المغرب، شأنه شأن عدد من الدول الأعضاء، لا يزال يعتمد بشكل كبير على موردين من خارج المنظمة، خاصة في ما يتعلق باللحوم والحبوب».
المغرب مطالب بتجاوز عدة تحديات
لمواجهة التحديات، تبرز الرقمنة وتوحيد المعايير كرافعتين أساسيتين. ويُقدَّم مفهوم «التكنولوجيا التجارية «(tradetech)، الذي يجمع بين التكنولوجيا والتجارة، كضرورة لتعزيز التنافسية. ويؤكد رفيع الدين شيكوه أن «استخدام تقنية البلوك تشين لضمان تتبع المنتجات الحلال، والذكاء الاصطناعي في الخدمات اللوجستية، لم يعد خيارا، بل ضرورة».
وفي قطاعي الأدوية ومستحضرات التجميل، يتوفر المغرب على مؤهلات مهمة، لكنه لا يزال مطالبا بتجاوز عدة تحديات. إذ يقدر حجم سوق الأدوية الحلال عالميا بـ75 مليار دولار، فيما تستفيد مستحضرات التجميل من صورة المنتجات الطبيعية المغربية.
غير أن اعتماد شهادات الحلال للأدوية، وتطوير تحويل صناعي واسع النطاق، يتطلبان استثمارات أكبر في البحث والتطوير.
وفي ختام التقرير، يدعو المركز الإسلامي لتنمية التجارة إلى تعبئة أكبر من قبل الدول والقطاع الخاص، لاقتناص حصة أكبر من هذا النمو.
وتوضح لطيفة البوعبدلاوي أن «الهدف يتمثل في اعتماد استراتيجيات وطنية شاملة، تشمل توحيد الأطر القانونية، وتحسين معطيات السوق، وتعزيز القدرات». وبدون هذا التوجه، قد تظل الدول الأعضاء مجرد مستهلكين في سوق تحدد معاييره من قبل أطراف أخرى.
التأخر في إدراك أهمية سوق «الحلال»
أكد عبد الرحيم الطيبي، مدير المعهد المغربي للتقييس (IMANOR)، خلال مداخلته في الدورة السادسة لمنتدى الحلال المغرب (FOHAM 2024)، أن المغرب وإفريقيا عموما يمتلكان «إمكانات حقيقية» لاقتناص حصص مهمة من السوق العالمية للحلال، والتأثير في قواعد تنظيم هذا النشاط التجاري.
وأوضح الطيبي أن هذا السوق العالمي، الذي تقدر قيمته بأكثر من 2000 مليار دولار، وفق عدة دراسات، يواصل نموه وتطوره ليشمل مجموعة متنوعة من القطاعات، تقودها أساسا منتجات الصناعات الغذائية ومستحضرات التجميل.
وفي المقابل، شدد على التحديات التي تعيق هذا التطور، وعلى رأسها التأخر في إدراك أهمية هذا السوق، ومحدودية الموارد المعبأة لمواكبة متطلبات المطابقة لمعايير الحلال، فضلا عن تعدد المعايير والعلامات المرتبطة بالحلال المطلوبة لدخول مختلف الأسواق، في ظل غياب نظام دولي موحد للاعتراف المتبادل.
وذكّر الطيبي بأن المغرب قطع أشواطا مهمة في توفير الأدوات الأساسية الكفيلة بتحفيز ودعم صادراته نحو أسواق الحلال، مشيرا إلى أنه تم منذ نحو عقد من الزمن، إعداد معايير مغربية منسجمة مع معايير معهد المواصفات والمقاييس للدول الإسلامية (SMIIC) ومع أبرز المعايير الدولية المعترف بها في مجال الحلال، ووُضعت رهن إشارة الفاعلين الاقتصاديين المعنيين.
المنتجات «الحلال» تحترم معايير النظافة الدولية
أبرز حسن السنتيسي، رئيس الجمعية المغربية للمصدرين (ASMEX)، أن سوق الحلال تجاوز حدود المجتمعات الإسلامية، حيث بات عدد متزايد من المستهلكين يعتبرون المنتجات الحلال أكثر جودة وصحة، خاصة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وأضاف أن «العلامات التجارية العالمية باتت تدرك الأهمية الحاسمة لشهادة الحلال في كسب ثقة المستهلكين»، مشيرا إلى أن دولا غير مسلمة، مثل البرازيل، أصبحت فاعلا رئيسيا في تصدير منتجات الحلال، بما يعكس اتساع هذا السوق الواعد وتنوعه.
وأوضح السنتيسي أن شهادة الحلال لا تضمن فقط الامتثال الديني للمنتجات، بل توفر أيضا مستوى عاليا من التتبع واحترام معايير النظافة الدولية، مما يعزز تنافسية المقاولات في الأسواق المحلية والدولية.
ومن جانبه، سلط محمد زردون، المدير الجهوي للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) بجهة الدار البيضاء- سطات، الضوء على الدور المحوري الذي يضطلع به المكتب داخل منظومة الحلال بالمغرب، مبرزا أن تدخله يتركز أساسا على توضيح مساطر المراقبة عند الاستيراد، من خلال تحديد الأسس القانونية والمتطلبات الخاصة بالحصول على شهادة الحلال.
وأكد أن المكتب، باعتباره فاعلا رئيسيا، يسهر على ضمان احترام المنتجات الخاضعة لهذه الشهادة للمعايير المحددة بدقة، بما يضمن مطابقة الواردات ويسهل ولوج المنتجات الحلال المغربية إلى الأسواق الوطنية والدولية.





