
ونحن صغار، كان بعض المدرسين، حين يخرجون لحاجة، يكلفون تلميذاً أو تلميذة بحراسة القسم، ورصد ما سيجري فيه وتبليغ المدرس حين يعود بذلك. في غالب الأحيان، كانوا يتركون الحبل على الغارب، فتعم الفوضى ويكثر الصخب، وحين يعودون ويسألون عمن تسبب في ذلك، تقوم حرب تبليغات بين التلاميذ، الكل يتهم الكل بالتسبب في الفوضى. لا ينفلت القسم في الحالة الأولى تماماً بما أن ثمة مراقباً، تسري هنا وهناك همهمات ووشوشات وضحكات مكتومة، لكنها تبقى في حد معين بما أن المدرس ترك عيناً ترى وأذناً تسمع، كما أن الود يفسد مع فرد واحد سينظر له باقي القسم بحقد وضغينة لأنه اختير لمهمة جليلة، ثم لأنه واشٍ تسبب لبعض أقرانه في العقاب.
أما في الحالة الثانية، فإن الود يفسد بين كل أفراد القسم، وتتسمم الوشائج في ما بينهم، وتنتقل الخصومة من القسم إلى الساحة وإلى خارج المدرسة، ويلزم كثير من الوقت والتسويات ليعود القسم إلى براءته وصفائه.
لم تعلمنا المدرسة أن نعترف حين نخطئ، ولم تقل لنا إن في ذلك فضيلة مثلى، وأن اعترافنا لا ينتقص منا، بل على العكس من هذا، فهو يرفعنا في أعين الآخرين، ويظهر لهم أننا أهل لتحمل مسؤولية الخطأ كما في الصواب. لم يكن بعض المدرسين يفطنون إلى أنهم -وبحركات لا مبالية أو غير محسوبة- يصنعون وشاة ومتنصلين من المسؤولية، بل يصنعون من هو قادر على فعل شيء ونسبه للآخرين بكل صفاقة وخسة.
إنها ثقافة الخوف والتخويف التي تعاونت المدرسة والأسرة والشارع على إنبات جذور لها بداخل كل واحد منا، ثقافة العبد الخائف والمرتعد الذي يخاف العقاب، ويكون مستعداً ليكذب وليلفق ولينكر لتجنبه. لا يكبر الإنسان في أعين الآخرين حين ينجز عملا كبيراً واستثنائياً فحسب، إنه يكبر أيضاً حين يعترف بضعفه وهشاشته كإنسان، خصوصاً حين يكون تسبب في ضرر بالغ للآخرين.
حين أنشأت الدولة هيئة الإنصاف والمصالحة، وأظهرت شجاعة في الاعتراف بالجرائم التي ارتكبت في حق المناضلين المعارضين، وسارعت لتعويضهم -ولو أن لا شيء في الدنيا يعوض زمناً سرق، وسكينة مزقت وعائلات شتتت- لم يبادر بعض ممن قادتهم «تفاهة الشر»، كما عرفتها حنا أرندت، إلى أن يستغلوا السياق لإراحة ضمائرهم، وغسل ما لحق بهم من عار ولو بإخراجه للنور وتطهيره بأشعتها.
لا تحتاج المجتمعات، في كثير من مفاصل تطورها، إلا للقدرة على قول الحقيقة كما هي كاملة وعارية، قولها بعدل وشجاعة وبدون تحايل، فهي الضمانة الوحيدة على أن ما وقع لن يتكرر…
(يتبع)




