
محمد اليوبي
تراهن وزارة الاقتصاد والمالية، من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2027، على حزمة من التدابير الجبائية الرامية إلى محاصرة التهرب الضريبي، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتعزيز الامتثال للالتزامات الجبائية، عبر مراجعة عدد من المقتضيات القانونية التي تعتبرها الوزارة منافذ يستغلها بعض الملزمين للتملص من أداء الضرائب المستحقة.
وتستهدف هذه التدابير، على وجه الخصوص، ضبط التعويضات المرتبطة بالوظيفة أو العمل، ومراجعة نظام الخصم الجزافي من المنبع، وإعادة إدماج الأنشطة غير المهيكلة في الاقتصاد المنظم، فضلا عن تشديد التصريح بالأرباح الناتجة عن تفويت رؤوس الأموال المنقولة.
تشديد المراقبة على التعويضات
من بين أبرز التدابير التي يتضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، ترشيد الإعفاء من الضريبة على الدخل بالنسبة إلى التعويضات المصروفة لتغطية المصاريف المدفوعة، خلال مزاولة الوظيفة أو العمل. ويهدف هذا الإجراء إلى حصر الإعفاء في التعويضات الخاصة التي يدفعها المشغل للمأجورين مقابل النفقات الفعلية والمثبتة قانونا التي تحملوها حصريا لفائدته، سواء تعلق الأمر بمصاريف منصوص عليها في قوائم تتضمن طبيعة هذه المصاريف، أو بمصاريف تم صرفها بصورة جزافية.
ويستثني المشروع من هذا التوجه التعويضات المدفوعة بصفة دائمة في إطار المزاملة الاعتيادية للوظيفة أو العمل، والتي تعتبر مكملات للأجور وتخضع للضريبة، وفق القواعد العامة.
وتراهن وزارة الاقتصاد والمالية على هذا التدبير، من أجل الحد من ممارسات التهرب الضريبي، والتعسف في استعمال حق يخوله القانون، والتي قد تؤدي إلى الإعفاء غير المستحق لبعض المبالغ التي تصنف على أنها تعويضات، في الوقت الذي تمنح فيه في إطار الوظائف الاعتيادية التي يقوم بها الأجير، دون أن تغطي نفقات مهنية محددة تم فعلا تحملها،
ومن المرتقب أن يسري هذا التدبير ابتداء من فاتح يناير 2031، تزامنا مع تاريخ دخول الجدول النهائي للضريبة على الدخل حيز التطبيق.
وفي السياق نفسه، يقترح المشروع توضيح نطاق تعريف دخول الأجور والأجور والمداخيل المعتبرة في حكمها الخاضعة للضريبة على الدخل، لتشمل جميع التعويضات والمكافآت بغض النظر عن طبيعتها أو تكييفها، بما يضع حدا لمحاولات تغيير تسمية بعض المبالغ أو تقديمها في شكل تعويضات بهدف تفادي إخضاعها للضريبة.
رفع النسبة الجزافية لخصم المصاريف
في إجراء يستهدف الحد من التلاعب بالمصاريف المهنية المخصومة من الدخل الخاضع للضريبة، تقترح الوزارة رفع النسبة الجزافية لخصم المصاريف المرتبطة بالوظيفة أو العمل، المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب.
وتحدد النسبة المعمول بها حاليا في 35 في المائة بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يتجاوز دخلهم الإجمالي السنوي المفروضة عليه الضريبة 78 ألف درهم، بينما تحدد في 25 في المائة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يفوق دخلهم الإجمالي السنوي المفروضة عليه الضريبة 78 ألف درهم، مع سقف محدد للخصم في 35 ألف درهم.
كما يستفيد أشخاص آخرون ينتمون إلى بعض الفئات المهنية من الخصم وفق أسعار جزافية تفضيلية تصل إلى 45 في المائة، مع سقف محدد للخصم كذلك في 35 ألف درهم، غير أن المشروع ينص على أنه لا يمكن للأشخاص المذكورين الاستفادة من الجمع بين هذا الامتياز وإعفاء التعويضات المصروفة لتغطية المصاريف المدفوعة خلال مزاولة الوظيفة أو العمل، المنصوص عليها في المادة 57-1 من المدونة العامة للضرائب.
ومن أجل تخفيف العبء الجبائي عن الأجراء، يقترح مشروع قانون المالية لسنة 2027 رفع النسب الجزافية المذكورة إلى 45 في المائة بالنسبة لجميع الأجراء، مع الإبقاء على سقف محدد للخصم في 35 ألف درهم.
تشديد التصريح بالأرباح
من بين الإجراءات الأخرى التي تضمنها المشروع، مراجعة تدابير الإقرار بالأرباح الناتجة عن تفويت رؤوس الأموال المنقولة، في إطار تشديد مراقبة العمليات المالية التي ينجزها الأشخاص الذاتيون، خصوصا تلك المتعلقة بتفويت القيم المنقولة وغيرها من السندات.
وبالنظر إلى الأحكام الجبائية الجاري بها العمل، يتعين على الأشخاص الذاتيين الذين يقومون بتفويت قيم منقولة وغيرها من سندات رأسمال المال والديون غير المقيدة في الحساب لدى وسطاء ماليين معتمدين، أي غير المسعرة بالبورصة، أن يدلوا لدى إدارة الضرائب بإقرار سنوي يتضمن بيانا بجميع التفويتات المنجزة، قبل فاتح أبريل من السنة التالية للسنة التي أنجزت فيها هذه التفويتات.
وفي ما يخص كيفيات الأداء، نص قانون المالية لسنة 2026 على أنه يتعين على الأشخاص المذكورين دفع مبلغ الضريبة المستحق عن كل عملية تفويت للقيم والسندات المذكورة، خلال 30 يوما التي تلي تاريخ التفويت.
ومن أجل تبسيط وملاءمة كيفيات الإقرار وأداء هذه الضريبة، يقترح المشروع ملاءمة أجل وضع الإقرار مع أجل الأداء المنصوص عليه بموجب قانون المالية لسنة 2026، وذلك خلال الشهر الموالي للشهر الذي تم فيه التفويت.
وبموجب هذا التعديل، سيتعين على الخاضعين للضريبة المعنيين بالإدلاء بالإقرار المذكور، بالنسبة إلى كل عملية تفويت منجزة، وأداء مبلغ الضريبة المستحقة تلقائيا، إن اقتضى الحال، وذلك قبل انقضاء الأجل المذكور آنفا.
ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز تتبع العمليات المالية وتضييق هامش التأخر في التصريح والأداء، من خلال ربط الإقرار الضريبي بتاريخ إنجاز عملية التفويت، بدل انتظار نهاية السنة المالية والإدلاء بإقرار سنوي يجمع مختلف العمليات المنجزة خلالها.
إعادة إدماج الأنشطة غير المهيكلة
في سياق توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة الأنشطة الاقتصادية التي تشتغل خارج المنظومة القانونية والجبائية، يقترح مشروع قانون المالية لسنة 2027 إعادة التنصيص على التدبير الجبائي التحفيزي الرامي إلى إدماج الأشخاص الذين يمارسون أنشطة في القطاع غير المهيكل في الاقتصاد المنظم.
ويأتي هذا الإجراء امتدادا للتدابير التي سبق أن تضمنتها قوانين المالية السابقة، والتي تروم تشجيع الأشخاص الذين يزاولون أنشطة اقتصادية خارج الإطار المنظم على تسوية وضعيتهم الجبائية، من خلال تمكينهم من تدبير انتقالي يسمح لهم بالكشف عن هوياتهم للمرة الأولى لدى إدارة الضرائب، عبر التسجيل في جدول الرسم المهني، دون ترتيب أي متابعة عن السنوات السابقة.
وينص التدبير المقترح على عدم فرض الضريبة على الملزمين الذين يقومون بالكشف عن هوياتهم للمرة الأولى لدى إدارة الضرائب، إلا على أساس الدخول المكتسبة والعمليات المنجزة، ابتداء من تاريخ الكشف عن هوياتهم.
وبذلك، تسعى الوزارة إلى إزالة أحد العوائق التي تحول دون انتقال عدد من الأنشطة غير المهيكلة إلى الاقتصاد المنظم، والمتمثل في تخوف أصحابها من المطالبة بأداء الضرائب عن السنوات السابقة، أو ترتيب تبعات جبائية عن الفترة التي كانوا يزاولون فيها أنشطتهم خارج المنظومة القانونية.





