
يونس جنوحي
كانت منطقة سد «بين الويدان» تعيش تأهبا كبيرا في ربيع سنة 1953. انتهت رسميا أشغال البناء الذي انطلق منذ 1948، وتحقق الحلم الفرنسي ببناء سد كان الغرض الأساسي منه توليد الطاقة الكهربائية، وإمداد آلاف الهكتارات المزروعة في سهول أزيلال، وصولا إلى الضواحي التي تتركز فيها ضيعات المعمرين الفرنسيين.
كان هناك مصورون فرنسيون وثقوا حدث التدشين، بحضور المقيم العام الفرنسي وقتها، الجنرال غيوم.. لكن المصور الأمريكي «توماس ماكافوي»، تميز عن الجميع، ليس لأنه أمريكي الجنسية وسط حشد من المعمرين والزوار الفرنسيين، ولكن لأنه كان صاحب «توقيع» فريد على الصور التي التقطها خلال مساره في التصوير الاحترافي.
في «بين الويدان»، تسلل «ماكافوي» عن الحشد، وشرع «يصطاد» الصور للحضور الفرنسيين، ومئات المغاربة البسطاء من السكان المحليين الذين تم حشدهم للاحتفاء بتدشين السد الأول من نوعه في المغرب.
كان «توماس ماكافوي» يمثل مجلة «Life» الشهيرة، وهي صفة اعتبارية كانت لوحدها كافية لكي يضعه المقيم العام، والحاكم العسكري، وكافة المسؤولين الإداريين في مكانة اعتبارية خاصة، ويفتحوا أمامه الباب على مصراعيه.. إذ إن عدسته كانت بالنسبة إليهم فرصة للترويج للمغرب الفرنسي أمام الجمهور العالمي، نظرا لأن المجلة كانت الأوسع انتشارا في أوروبا والولايات المتحدة خلال ذلك الوقت.
المغرب الذي زاره «توماس ماكافوي» سنة 1953 كان يعيش تجاذبا، ظهر جليا في الصور التي التقطها خلال تلك الرحلة. فرنسا من ناحية، وحلفاؤها على رأسهم الباشا الكلاوي، ومن ناحية أخرى، الوطنيون والتفافهم حول السلطان سيدي محمد بن يوسف.
وكأي مصور طموح، كان «ماكافوي» يسعى إلى التقاط صور للسلطان. لكن أقداره كانت تحمل له فرصة أخرى مع القصر الملكي سنة 1956.
التقط «ماكافوي» صورا متعددة لأحد الاستقبالات الرسمية التي حضرها الباشا الكلاوي، إلى جانب شخصيات عسكرية ومدنية فرنسية، في سياق الإعداد للائحة الأعيان والقواد الشهيرة التي طالبت بنفي السلطان سيدي محمد بن يوسف، وهو ما تم فعلا يوم 20 غشت 1953.
نشرت «لايف» صورة من الصور التي التقطها «توماس ماكافوي» للباشا الكلاوي، ولأن «ماكافوي» «كان يتقن الكتابة بالصورة» كما وصفه أحد زملائه القدامى، أرفقتها بمقال عن الباشا الكلاوي. كان مصدر معلومات محرر الفقرة عن الباشا، هو ماكافوي نفسه. إذ خلال زيارته إلى المغرب لم يكن يحتاج إلى محرر صحافي، فقد كان يزود المحررين دائما بتفاصيل لإغناء المقالات والعناوين المرافقة للصور، خصوصا عندما تصبح موضوع غلاف للمجلة الشهيرة.
وقد حكى أحد أقدم المحررين الذين رافقوا «ماكافوي» خلال فترة عمله لصالح مجلة «لايف» في مقال كتبه سنة 1958: «حكى لي أكثر من جنرال أمريكي، ممن خدموا في قواعد الولايات المتحدة في شمال إفريقيا، عن شخصية الباشا الكلاوي، لكن ما سمعته من «توماس ماكافوي» كان مختلفا تماما عن كل ما سمعته من الآخرين.
الجنرالات كانوا منبهرين بالأجواء الشرقية التي استقبلهم بها الباشا في إقامته الفاخرة في مراكش، لكن ماكافوي كان مهتما بالحياة اليومية لهذا الرجل خارج قصره. لقد استطاع اقتناص صور أظهرت قلق الرجل وعدم انسجامه، خصوصا عندما كان يرافق المسؤولين الفرنسيين».
بدا واضحا أن «ماكافوي» اهتم بحياة الباشا في الشارع المغربي، حيث كان يحضر الاستقبالات الرسمية التي يدعوه الفرنسيون إليها. ورغم أنه التقط له بعض الصور في هذه الأجواء، إلا أنه لم يوثق للحياة داخل قصره في مراكش، وانشغل عنه برصد الحياة اليومية للمغاربة سنة 1953، وأيضا لحياة الجنود الأمريكيين في القواعد العسكرية.
نشرت «لايف» صورة من الصور التي التقطها «توماس ماكافوي» للباشا الكلاوي، ولأن «ماكافوي» «كان يتقن الكتابة بالصورة» كما وصفه أحد زملائه القدامى، أرفقتها بمقال عن الباشا الكلاوي. كان مصدر معلومات محرر الفقرة عن الباشا هو ماكافوي نفسه.





