
قامت وزارة الداخلية بتوجيه العمالات للتنسيق مع المجالس المنتخبة لمعالجة معضلة الكلاب الضالة، فتمت المصادقة على ميزانيات بمليارات الدراهم لتنفيذ مشاريع لإيواء الكلاب والقطط الضالة، وتوفير الطعام والخدمات البيطرية، وإجراء عمليات التعقيم للحد من التكاثر. غير أن التقاط مشاهد معزولة واستثنائية لقنص الكلاب الضالة في بعض المناطق، يجعل كل الجهود المبذولة تذهب أدراج الرياح، سيما بعد استغلال الصور والفيديوهات الصادمة للإساءة إلى صورة المغرب في الخارج، وتقديمه على أنه يخرق مبادئ حماية حقوق الحيوان.
وطبعا، لا أحد يوافق على قنص الكلاب في الشارع العام وإعدامها للحد من تكاثرها، في ظل تخصيص المجالس المنتخبة ميزانيات ضخمة من المال العام لمشاريع إيواء الكلاب الضالة، والتعثر الذي تشهده هذه المشاريع، وإهمال السلطات الوصية لعمليات التتبع الضرورية، فضلا عن التباين بين المشاريع المسطرة، التي تحيل على التعامل مع الظاهرة وفق معايير عالية، والواقع الميداني الذي يعكس تعثر إجراءات الإيواء والترقيم، وعدم القدرة على حماية سلامة المواطنين، سيما الأطفال.
لقد سُجلت حوادث هجوم للكلاب الضالة على أطفال ومسنين وسياح، أودت بحياة بعضهم، سواء بسبب داء السعار، أو نتيجة الإصابات البالغة الناجمة عن الهجوم. وما زالت قطعان هذه الكلاب تتجول بمحيط المؤسسات التعليمية، وقرب مقرات الجماعات الترابية، والمؤسسات الأمنية، والمستشفيات، والمنتجعات، والشواطئ، والكورنيشات، وهو ما يحيل على عجز واضح للمجالس المنتخبة عن تحييد خطرها، وفشلها في توفير الرعاية اللازمة لها بما يضمن حقها في الحياة، وفي الوقت نفسه حماية حق السكان في الحياة والسلامة.
وفي السياق ذاته، وجب القطع مع التدابير الترقيعية في التعامل مع ظاهرة انتشار الكلاب الضالة، كجمعها ونقلها بواسطة السيارات أو الشاحنات إلى مناطق أخرى والتخلص منها، لأن ذلك لا يعدو أن يكون تصديرا للأزمة. كما أن نقلها إلى الغابات أو المناطق النائية لا يحقق النتائج المرجوة، إذ سرعان ما تعود إلى المدن بحثا عن الطعام. لذلك، ينبغي التركيز على تنفيذ مشاريع الإيواء وفق المعايير المطلوبة، بعيدا عن التسويف والمماطلة، وبالجدية التي تفرضها خطورة الظاهرة.
وحتى نكون منصفين، فإن ما تحاول بعض الجهات الترويج له من أن المغرب يخرق حقوق الحيوانات ويتعامل معها بوحشية، لا يعكس الواقع. فالمملكة حققت تقدما مهما في الوفاء بالتزاماتها الدولية المتعلقة بحماية الحيوانات، فضلا عن الوازع الديني والأخلاقي الذي يحكم تعامل المغاربة مع الحيوانات ويحث على الرحمة بها، والحالات الشاذة والاستثنائية لا يجوز القياس عليها، كما أن ذلك لا يبرر، بأي حال من الأحوال، ارتكاب أي فعل إجرامي في حق الحيوان.
إننا في حاجة إلى مكاتب لحفظ الصحة تؤدي دورها كاملا داخل الجماعات الترابية، وإلى رؤساء مجالس يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم في حماية سلامة السكان وصحتهم، وإلى مؤسسات رقابية قوية تتبع كيفية صرف المال العام المخصص لمشاريع إيواء الحيوانات الضالة، وإلى مسؤولين يستوعبون حجم الضرر الذي يلحق بصورة المغرب عند تداول صور أو فيديوهات لقنص الكلاب الضالة، خاصة أن هناك جهات تتصيد مثل هذه الحالات الاستثنائية لتبني عليها حملات إعلامية دولية.
وفي المقابل، فإن القضاء المغربي انتصر في العديد من القضايا لحق الحيوان، وأدان المتورطين في الاعتداء عليه، كما تقوم مصالح الوقاية المدنية بتدخلات يومية لإنقاذ الحيوانات الموجودة في وضعيات صعبة، ويحرص عدد كبير من المغاربة على إطعام القطط والكلاب الضالة والتعامل معها برحمة، وهو سلوك نابع من قيم ديننا الحنيف وأخلاق مجتمعنا، قبل أن يكون التزاما بالمواثيق والاتفاقيات الدولية.





