
د. خالد فتحي
من جديد، تسجّل الدبلوماسية المغربية نقطة تحول كبرى في ملف الصحراء، وهذه المرة من قلب شرق إفريقيا، حيث أعلنت كينيا موقفًا واضحًا لا لبس فيه، يُعدّ بمثابة تصويب حاسم للبوصلة الجيوسياسية بالقارة. فبعد عقود من الانجرار وراء أطروحات مضللة، خرجت نيروبي من المنطقة الرمادية، وقررت الوقوف بجانب الشرعية والواقعية: أغلقت كينيا، هذا البلد المحوري بشرق إفريقيا، الباب نهائيًا على أحد أكبر الأوهام السياسية التي عانت منها القارة السمراء لعقود: وهم الجمهورية الصحراوية المزعومة.
وما قامت به كينيا لا يمكن اعتباره مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل هو لحظة فارقة تعكس تحوّلًا عميقًا في إدراك الحقائق، ووعيًا متزايدًا بأن أوهام الانفصال لم تعد تنطلي على الشعوب أو الدول ذات الوزن. لقد صحّحت كينيا المسار، وفتحت صفحة جديدة تنسجم مع منطق السيادة واحترام وحدة التراب.
زيارة رئيس الوزراء الكيني للعاصمة المغربية، والاستقبال اللافت الذي حظي به من قِبَل وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، ثم تدشين السفارة الكينية رسميًا بالرباط، شكّل إعلانًا سياديًا صريحًا من نيروبي بأنها لم تعد على الحياد، وأنها اختارت موقعها بوضوح: إلى جانب المغرب ووحدته الترابية.
لسنوات، ومنذ صعود وليام روتو، ظل القرار الكيني يتشكل في صمت وهدوء خلف الكواليس، بعيدًا عن الضجيج والمواقف الاستعراضية، حتى جاء الإعلان الصريح من الرباط، ليعكس نضجًا سياسيًا واستيعابًا عميقًا للتحولات الإقليمية والدولية.
كينيا تُعلن اليوم، بصوت عالٍ، أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية هي الحل الواقعي والمستدام الوحيد لقضية الصحراء.
إنه نصر دبلوماسي يُحسب للمغرب، تحقق لا بالقوة أو الإملاء، بل بمنطق الشراكة والمصداقية، وبفضل عمل دؤوب أرسى أسسه جلالة الملك محمد السادس، وجعل من إفريقيا أولوية في السياسة الخارجية للمملكة.
كينيا، وبعد مخاض طويل، قررت أخيرًا الانحياز للشرعية، وخرجت علنًا من دائرة التضليل التي حاصرتها بها الجزائر وربيبتها البوليساريو لعقود. انتهت اللعبة، وسقط القناع: لا وجود لما يُسمّى “الجمهورية الصحراوية”، بل هناك فقط مشروع انفصالي تُغذّيه أطماع جزائرية.
هذه الخطوة الجريئة تنضم لسلسلة مواقف مماثلة اتخذتها دول إفريقية، وتُجسّد ما أشار إليه جلالة الملك، في خطاب المسيرة الخضراء، حين شدد على التمييز بين الأصدقاء الحقيقيين للمغرب، وأولئك الذين لا يزالون أسرى حسابات أكل عليها الدهر وشرب.
كينيا اليوم، وهي تنضم إلى معسكر الأصدقاء الحقيقيين، تُرسل رسالة مزدوجة: لم يعد هناك متّسع للحياد الرمادي، ولا مكان بعد اليوم للعب على الحبلين. إما الواقعية والشرعية، أو العزلة والتناقض.
هذا التحول في موقف نيروبي يُعد تطورًا مفصليًا في الخارطة الدبلوماسية الإفريقية، وصفعة قوية للطرح الانفصالي. فمن دولة كانت من أوائل الداعمين للبوليساريو وفي صلب مسارها الانفصالي، إلى دولة تتبنى المبادرة المغربية بشكل صريح وكامل. إنه انقلاب حقيقي في الموقف، وصدى قوي يتردد في أرجاء القارة.
ما أعلنت عنه نيروبي يعكس تآكل ما تبقى من دعم للبوليساريو في إفريقيا، ويُمهّد لمرحلة جديدة قد تفضي لإخراج هذا الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي.
الموقف الكيني يعزز موقع المغرب على الساحة الدولية، ويمنحه دفعة جديدة في معركة الصحراء، خاصة أن مبادرته تحظى أصلًا بدعم قوي من قوى كبرى: الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، إسبانيا، فضلًا عن دعم متنامٍ من دول عربية وإفريقية.
في قمة نيروبي عام 1983، وقف المغرب موقفًا مبدئيًا، حين فُرض إدماج الجمهورية الصحراوية الوهمية في منظمة الوحدة الإفريقية، فاختار الانسحاب حماية للشرعية. واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، تعود نيروبي نفسها لتُعيد تصويب المسار. هكذا دارت دواليب التاريخ: الدولة التي احتضنت الوهم هي نفسها التي تُسقطه اليوم، وتُعلن اصطفافها مع الواقعية المغربية.
وما دامت كينيا من الدول ذات الثقل الاستراتيجي بالقارة، فإن انحيازها للمغرب سيكون له ما بعده. سيكون نقطة تحول تُلهم دولًا أخرى لتخرج من عباءة الجزائر، وتدعم مشروع الحكم الذاتي، ما يُسرّع من إنهاء هذا النزاع المفتعل.
ومن المنتظر، بل المأمول، أن تُوظّف كينيا اليوم نفوذها الإقليمي لصالح الحق المغربي، بنفس القوة التي عارضته بها في الماضي. بل المؤكد أن حضورها المقبل إلى جانب المغرب سيكون أكثر تأثيرًا وفاعلية.
هذا التحول لا يمكن اختزاله في لحظة دبلوماسية، بل هو علامة على تبدل عميق في موازين القوى داخل إفريقيا. وإذا استمرت هذه الدينامية، فنحن على أبواب تحول استراتيجي يمهّد لحل نهائي، عادل وواقعي، للنزاع.
لحظة كينيا ليست عادية في تاريخ السياسة الإفريقية، سيما أن الأمر يتعلق بتراجع دولة مؤثرة، وإعلان أن بناء المستقبل لا يمكن أن يقوم على أوهام، بل على احترام السيادة ووحدة الشعوب.
موقف كينيا يُجسّد نضجًا سياسيًا، ويُعبر عن إدراك متزايد بأن العالم لم يعد يتسامح مع المشاريع الانفصالية، بل يبحث عن حلول عملية تُحقّق الاستقرار وتحترم الحدود.
إن تبني كينيا للمقترح المغربي، باعتباره “الحل الواقعي والمستدام”، لا يجعل منه مجرد خيار مطروح، بل يرفعه إلى مرتبة الإطار الجدي والوحيد لتسوية هذا النزاع المفتعل.
المغرب ينتصر مجددًا.. وكينيا تُصوّب البوصلة.





