حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

اقتصادالرئيسيةخاصسياسية

لماذا يعجز الاقتصاد المغربي عن تحويل النمو إلى وظائف؟

نمو اقتصادي لا يكفي لخلق فرص الشغل رغم ارتفاع الناتج الداخلي

يواصل الاقتصاد المغربي تسجيل معدلات نمو، غير أن هذا النمو لا ينعكس بالوتيرة نفسها على سوق الشغل. فكلما ارتفع الناتج الداخلي الحقيقي، لا ترتفع العمالة بالقدر ذاته، بل إن الفجوة بين النمو والتشغيل اتسعت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.

مقالات ذات صلة

وتبرز هذه المفارقة من خلال تطور مرونة التشغيل تجاه النمو، وهو المؤشر الذي يقيس مدى استجابة التشغيل لتغير الناتج الداخلي الحقيقي.

وتكشف قراءة هذه العلاقة خلال الفترة الممتدة من 2007 إلى 2025 عن تراجع تدريجي في قدرة النمو الاقتصادي على خلق فرص الشغل. ولتفادي تأثير التراجع الاستثنائي الذي شهده الاقتصاد سنة 2020، والانتعاش القوي الذي أعقبه في 2021، تم استبعاد هذين العامين من الحسابات. ويحد هذا الاستبعاد من تأثير الصدمة المرتبطة بالجائحة على النتائج، من دون أن يلغي بالضرورة التداعيات التي يمكن أن تكون قد خلفتها على السنوات اللاحقة.

 

الأخبار

 

على امتداد الفترة المدروسة، ارتفع الناتج الداخلي الحقيقي بشكل تراكمي بنسبة 84.7 في المائة، مقابل زيادة لم تتجاوز 11.5 في المائة في التشغيل.

ونتيجة لذلك، بلغت مرونة التشغيل تجاه النمو 0.18. وتعني هذه النسبة أن كل ارتفاع بنسبة 1 في المائة في الناتج الداخلي الحقيقي ترافق، في المتوسط، مع ارتفاع لا يتجاوز 0.18 في المائة في حجم التشغيل. وهي نسبة تكشف عن محدودية قدرة النمو على توليد فرص شغل جديدة.

غير أن متوسط الفترة يخفي تحولا أكثر أهمية. فمرونة التشغيل لم تبق مستقرة، بل تراجعت بشكل تدريجي، إلى أن بلغت مستويات ضعيفة جدا خلال السنوات الأخيرة. فبين 2007 و2012، ارتفع الناتج الداخلي الحقيقي بنسبة 27.8 في المائة، فيما ارتفع التشغيل بنسبة 5.9 في المائة، لتبلغ المرونة 0.23.

وخلال الفترة الممتدة بين 2013 و2019، ارتفع الناتج الداخلي الحقيقي بنسبة24.8  في المائة، مقابل زيادة في التشغيل بلغت 4.4 في المائة، لتنخفض المرونة إلى 0.19. أما خلال الفترة الممتدة بين2022  و2025، فقد اتسعت الفجوة بشكل أكبر. ففي الوقت الذي ارتفع فيه الناتج الداخلي الحقيقي بنسبة15.7  في المائة، لم يزد التشغيل سوى بنسبة 0.9  في المائة، لتنخفض المرونة إلى 0.06. وتعني هذه الأرقام أن النمو أصبح، خلال المرحلة الأخيرة، أقل قدرة على توليد وظائف جديدة مقارنة بالمراحل السابقة.

 

0.06.. ماذا يكشف هذا الرقم؟

قد يبدو انخفاض المرونة إلى 0.06 مجرد مؤشر تقني، لكنه يلخص تحولا مهما في العلاقة بين النمو والتشغيل. فخلال الفترة الأخيرة، لم يعد ارتفاع الناتج يرافقه ارتفاع مماثل في عدد المشتغلين. ومع أن الاقتصاد واصل تحقيق النمو، فإن الزيادة الصافية في التشغيل ظلت محدودة.

ولا يعني ذلك أن التشغيل تراجع بشكل متواصل بين 2022 و2025. فقد انخفض عدد فرص الشغل خلال عامي 2022 و2023، قبل أن يعود إلى الارتفاع خلال 2024 و2025.

غير أن الوظائف التي تم إحداثها خلال السنتين الأخيرتين لم تكن كافية، على مدى السنوات الأربع مجتمعة، لإحداث زيادة كبيرة في عدد الأشخاص المشتغلين. كما أن هذه الفترة تظل قصيرة نسبيا للجزم بأن انخفاض مرونة التشغيل يعكس اتجاها هيكليا دائما. لكنها، في المقابل، تقدم مؤشرا واضحا على أن النمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة ترافق مع عدد محدود من فرص الشغل الإضافية.

 

حين يرتفع الناتج دون أن ترتفع العمالة

تطرح هذه المفارقة سؤالا أساسيا: لماذا أصبح النمو الاقتصادي أقل قدرة على خلق الوظائف؟ جزء من الإجابة يرتبط بطبيعة النمو نفسه. فارتفاع الناتج لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في التشغيل، خصوصا عندما يأتي جزء من النمو من استثمارات وقطاعات تعتمد بدرجة أكبر على رأس المال والتكنولوجيا ورفع الإنتاجية. فالمقاولة التي تستثمر في المعدات والتكنولوجيا يمكن أن ترفع إنتاجها بشكل كبير، من دون أن تضطر إلى زيادة عدد العاملين بالوتيرة نفسها. كما أن المشاريع الكبرى في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية قد تحقق قيمة مضافة مرتفعة، لكنها لا تحتاج بالضرورة إلى أعداد ضخمة من اليد العاملة بشكل مباشر. وهكذا، يمكن للاقتصاد أن ينتج أكثر، ويصدر أكثر، ويرفع إنتاجيته، بينما يبقى أثر هذه الدينامية على حجم التشغيل محدودا.

 

الفلاحة تفقد جزءا من قدرتها على خلق الوظائف

تزداد صعوبة المعادلة مع التحولات التي يشهدها القطاع الفلاحي، الذي ظل لسنوات أحد أهم خزانات التشغيل، خصوصا في الوسط القروي. فالجفاف وتوالي السنوات ذات التساقطات الضعيفة أثرا بشكل مباشر على النشاط الفلاحي وعلى فرص الشغل المرتبطة به. وتظهر معطيات سنة 2025 هذه الضغوط بوضوح، إذ فقد قطاع الفلاحة والغابة والصيد 41 ألف منصب شغل.

في المقابل، تمكن قطاع الخدمات من خلق123  ألف منصب، والبناء والأشغال العمومية64  ألفا، والصناعة 46 ألفا. وتعكس هذه الأرقام تحولا تدريجيا في بنية التشغيل، غير أن انتقال اليد العاملة من الفلاحة إلى قطاعات أخرى لا يتم دائما بالسرعة الكافية. وبالتالي، فإن فقدان الوظائف في قطاع كثيف التشغيل، خصوصا في العالم القروي، يفرض على القطاعات الأخرى تعويض هذا النقص. وهي مهمة تصبح أكثر صعوبة عندما تكون القطاعات الصاعدة نفسها أكثر اعتمادا على رأس المال والتكنولوجيا.

 

القطاع الخاص أمام اختبار التوسع

لا يمكن فصل ضعف خلق الوظائف عن قدرة المقاولات الخاصة على النمو. فخلق مقاولات جديدة لا يكفي وحده لتوسيع قاعدة التشغيل، إذا ظلت نسبة كبيرة منها محدودة الحجم وغير قادرة على الانتقال إلى مستويات أعلى من الاستثمار والإنتاج والتوظيف.

ويشير البنك الدولي إلى أن مجموعة من العوامل، من بينها محدودية المنافسة وبعض العراقيل التي تواجه توسع الشركات، تحد من قدرة القطاع الخاص على رفع الإنتاجية وخلق مزيد من الوظائف.

ومن هنا، فإن الرهان لا يتعلق فقط بزيادة عدد المقاولات، وإنما بتمكين الشركات القادرة على النمو من التوسع والاستثمار والتصدير وخلق وظائف جديدة.

 

الشباب والنساء في قلب المعادلة

وتظهر محدودية قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف بشكل أوضح عند النظر إلى بعض الفئات، وعلى رأسها الشباب والنساء وحاملو الشهادات. فخلال سنة 2025، بلغ معدل البطالة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة37.2  في المائة، فيما بلغ 20.5 في المائة لدى النساء19.1  في المائة لدى حاملي الشهادات.

وتكشف هذه المستويات أن سوق الشغل لا تواجه فقط مشكلة في عدد الوظائف، وإنما أيضا في قدرتها على إدماج فئات واسعة من السكان في النشاط الاقتصادي. كما أن ضعف مشاركة النساء في سوق العمل يعني أن جزءا مهما من الإمكانات البشرية المتاحة لا يتحول إلى مساهمة اقتصادية فعلية.

 

الاستثمار لا يساوي بالضرورة وظائف

خلال السنوات الأخيرة، عزز المغرب استثماراته في البنية التحتية والصناعة والطاقة واللوجستيك وغيرها من القطاعات، وهو ما ساهم في رفع القدرات الإنتاجية وتحسين تنافسية الاقتصاد.

لكن حجم الاستثمار لا يمكن أن يقاس فقط بعدد الوظائف المباشرة التي يحدثها. فكلما ارتفعت كثافة رأس المال والتكنولوجيا في المشروع، أصبحت قدرته على خلق وظائف مباشرة أقل مقارنة بحجم الاستثمار.

لذلك، فإن التحدي لا يكمن فقط في استقطاب استثمارات جديدة، وإنما في تعظيم أثرها على الاقتصاد المحلي وسلاسل القيمة والتشغيل.

 

من سؤال النمو إلى سؤال الوظائف

تكشف أرقام الفترة الممتدة بين 2007 و2025 عن تحول يستحق المتابعة. فقد ارتفع الناتج الداخلي الحقيقي بنسبة84.7  في المائة، في حين لم يزد التشغيل سوى بنسبة 11.5 في المائة.

والأهم أن مرونة التشغيل تجاه النمو انتقلت من0.23  خلال الفترة 2007-2012 إلى 0.19 بين 2013 و2019، قبل أن تنخفض إلى 0.06 خلال 2022-2025.

ولا تكفي هذه الأرقام وحدها لإثبات تحول هيكلي نهائي، خصوصا أن المرحلة الأخيرة قصيرة نسبيا. لكنها تضع إشكالية التشغيل في صلب النقاش حول النمو الاقتصادي المغربي. فالمشكلة لم تعد فقط في تحقيق النمو، وإنما في نوعية هذا النمو وقدرته على خلق فرص شغل. فالرهان خلال المرحلة المقبلة سيكون على بناء اقتصاد قادر على الجمع بين رفع الإنتاجية والتنافسية والاستثمار من جهة، وتوسيع قاعدة التشغيل من جهة أخرى. إذ إن النمو الذي لا يواكبه خلق كاف لفرص الشغل، يظل عاجزا عن معالجة أحد أبرز الاختلالات التي تواجه سوق العمل المغربية.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى