
الدستور يحسم في مبدأ المواطنة
من الناحية الدستورية، لا توجد إشكالية في الاعتراف بحقوق مغاربة العالم. فالفصل 17 من دستور 2011 ينص صراحة على تمتع المغاربة المقيمين في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات. كما ينص على اتخاذ التدابير المناسبة لتيسير مشاركتهم في الانتخابات. وقد أعادت المحكمة الدستورية التأكيد، في قرار منشور سنة 2026، على أن المقتضيات المتعلقة بمغاربة العالم تستهدف ضمان فعالية ممارسة حقهم في التصويت والترشيح.
لكن الإشكال، منذ سنوات، ظل مرتبطا بكيفية تنزيل هذا الحق على أرض الواقع، خصوصا ما يتعلق بالمشاركة الانتخابية المباشرة والتمثيلية داخل البرلمان.
فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سبق أن سجل أن الفصل 17 لا ينص صراحة على إحداث دوائر انتخابية خارج حدود الوطن، مشيرا إلى وجود صعوبات تنظيمية ولوجستيكية وقانونية مرتبطة بهذه المسألة. كما اعتبر أن تمثيل مغاربة العالم داخل المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة يمكن أن يوفر لهم قناة مؤسساتية للتعبير عن آرائهم والمساهمة في النقاش العمومي.
من «الجالية» إلى «المواطن»
المفارقة أن النقاش حول مغاربة العالم ظل لفترة طويلة محكوما بمنطق اقتصادي بالدرجة الأولى. فكلما جرى الحديث عن الجالية، حضرت أرقام التحويلات والاستثمارات ومدى مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن مغاربة العالم يريدون أن يكونوا أكثر من ذلك. فالمواطنة لا تتوقف عند إرسال الأموال، أو الحفاظ على الروابط العائلية والثقافية، وإنما تشمل أيضا الحق في المشاركة في النقاش السياسي وفي التأثير في السياسات التي تمس مستقبل البلاد.
وهذا التحول ليس مجرد شعار. فقد أصدر مجلس الجالية المغربية بالخارج منذ سنوات دراسة كاملة حول «المشاركة والتمثيلية السياسية لمغاربة العالم»، تناولت المشاركة الانتخابية والتمثيلية السياسية وإشكالات تدبير الهجرة المغربية في ضوء دستور 2011.
وفي 2025، نظم المجلس أيضا لقاء حول «العمل السياسي والتنوع والقضايا الاجتماعية»، شارك فيه منتخبون وسياسيون من أصول مغربية في أوروبا، من بينهم عمد ومسؤولون محليون وبرلمانيون، وهو ما يعكس وجود تجربة سياسية مغربية في بلدان الإقامة يمكن أن تشكل رصيدا إضافيا للنقاش الوطني.
الانتخابات.. الحلقة الأكثر تعقيدا
تظل الانتخابات الحلقة الأكثر حساسية في علاقة مغاربة الخارج بالسياسة المغربية. فالمبدأ الدستوري واضح، لكن آليات المشاركة المباشرة ظلت موضع نقاش منذ إقرار دستور 2011.
وفي انتخابات 2026، عادت القضية إلى برامج الأحزاب السياسية. وتظهر قراءة البرامج المعلنة إلى غاية 8 شتنبر أن مواقف الأحزاب ليست متطابقة. فبعضها ركز على البعد الاقتصادي وتعبئة الكفاءات والاستثمار، بينما جعلت أحزاب أخرى المشاركة السياسية والتمثيلية محورا واضحا في مقترحاتها.
حزب الاستقلال، مثلا، ربط قضية مغاربة العالم في برنامجه بالاستثمار والتمثيلية، مقترحا دعم حضورهم داخل هيئات الحكامة الاقتصادية الجهوية. أما حزب العدالة والتنمية فأدرج المشاركة السياسية والمؤسساتية لمغاربة العالم ضمن برنامجه، مع الدعوة إلى توسيع مساهمتهم داخل المؤسسات الاستشارية.
في المقابل، ذهب حزب التقدم والاشتراكية إلى طرح أكثر تفصيلا، إذ دعا إلى توفير الشروط التشريعية والتنظيمية واللوجستيكية لتمثيلية برلمانية مباشرة لمغاربة العالم، من خلال تقطيع انتخابي وتصويت في بلدان الإقامة. أما تحالف اليسار، فقد اقترح بدوره إحداث دوائر انتخابية في الخارج وتمثيلية برلمانية مباشرة، مع الدعوة إلى تطوير طريقة اشتغال مجلس الجالية المغربية بالخارج.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فقد ركز في برنامجه الانتخابي أساسا على البعد الاقتصادي، خصوصا تعبئة الكفاءات والمواهب المغربية بالخارج في مجالات الابتكار والاستثمار والتنمية ونقل المعرفة، دون تقديم تصور مماثل في ما يتعلق بالمشاركة السياسية المباشرة.
تجربة الأحزاب والاختبار الحقيقي
المشكلة لا تكمن فقط في غياب الأفكار، وإنما في المسافة بين البرامج الانتخابية والتنفيذ. فموضوع مشاركة مغاربة العالم حاضر منذ سنوات في النقاش الحزبي، لكنه لم يتحول بعد إلى نموذج مؤسساتي مستقر يحسم أسئلة التصويت والتمثيلية والدوائر الانتخابية وآليات الترشح.
ولهذا فإن الانتخابات الحالية تطرح سؤالا مختلفا: هل ستظل قضية مغاربة العالم بندا ضمن البرامج الانتخابية، أم تتحول إلى سياسة عمومية واضحة ومحددة الآليات والآجال؟
فالجيل الجديد من مغاربة العالم تغير كثيرا. هناك شباب ولدوا وترعرعوا في أوروبا وأمريكا وكندا وغيرها، ويمارسون السياسة في بلدان الإقامة، ويصل بعضهم إلى مواقع انتخابية ومسؤوليات عمومية. وفي المقابل، يظل جزء منهم مرتبطا بقوة بالمغرب ويريد أن تكون له مساحة للمساهمة في مستقبله.
كفاءات سياسية خارج الحدود
وجود منتخبين ومسؤولين من أصول مغربية في عدد من الدول الأوروبية يفتح نقاشا آخر حول إمكانية الاستفادة من هذه التجارب داخل المغرب. فالمغربي الذي يمارس السياسة في مجلس بلدي أو برلمان أجنبي يكتسب خبرة في التدبير المحلي، والحوار المؤسساتي، وصناعة السياسات العمومية، والتواصل مع المواطنين.
ومن هنا، فإن المشاركة السياسية لمغاربة العالم يمكن النظر إليها أيضا باعتبارها قناة لنقل التجارب والخبرات، وليس فقط وسيلة لإضافة أصوات إلى العملية الانتخابية.
ومجلس الجالية المغربية بالخارج نفسه يعرف رسميا باعتباره مؤسسة استشارية مكلفة بمتابعة وتقييم السياسات العمومية تجاه المواطنين المغاربة المهاجرين، والمساهمة في تكثيف مشاركتهم في التنمية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمملكة.
نحو علاقة سياسية جديدة
المطلوب في نهاية المطاف هو الانتقال من علاقة موسمية إلى علاقة مؤسساتية. فمغربي العالم لا يعود مواطنا مغربيا فقط عندما يدخل التراب الوطني في يوليوز أو غشت، ولا تصبح مواطنته مرتبطة بحجم الأموال التي يحولها إلى أسرته.
إن التحدي الحقيقي أمام السياسة المغربية هو بناء صيغة تجعل المواطنة قابلة للممارسة، وتفتح أمام مغاربة العالم قنوات واضحة للمشاركة والتشاور والتمثيلية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من خبراتهم وتجاربهم في بلدان الإقامة.
وبينما تتجه البلاد نحو انتخابات 23 شتنبر2026، يبدو أن ملف مغاربة العالم لم يعد يحتمل أن يبقى مجرد عنوان موسمي في البرامج الانتخابية. فالفصل 17 منح الأساس الدستوري، والأحزاب تقدم تصورات مختلفة، والجالية نفسها راكمت انتظارات وتجارب. وما تبقى هو تحويل هذا الرصيد إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية واضحة، تجعل من مغاربة العالم جزءا حاضرا في القرار الوطني، لا مجرد مواطنين يعيشون خارج الحدود.
بين «تحويلات الجالية» وسؤال المواطنة والشراكة
النعمان اليعلاوي
لم يعد مغاربة العالم مجرد رقم يحضر في التقارير الاقتصادية المرتبطة بالتحويلات المالية، ولا مجرد جالية تستعد المملكة لاستقبالها خلال فصل الصيف. فمع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، بدأت قضية المغاربة المقيمين بالخارج تظهر بشكل واضح في البرامج الانتخابية للأحزاب، لكن طريقة تناولها تكشف اختلافا في الأولويات، إذ ثمة أحزاب تركز على الاستثمار والكفاءات والتحويلات، وأخرى تضع المشاركة السياسية والتمثيلية في صدارة مقترحاتها، فيما تكتفي برامج أخرى بالإشارة إلى الجالية ضمن محاور أوسع.
إشراك الجالية في صناعة القرار
يأتي النقاش، المصاحب للحملات للانتخابية للأحزاب، حول الجالية المغربية بالخارج، في سياق دستوري يمنح مغاربة العالم حقوق المواطنة كاملة، إذ ينص الفصل 17 من الدستور على تمتع المغاربة المقيمين في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح، مع التنصيص على اتخاذ التدابير اللازمة لتيسير هذه المشاركة. من هنا يبدو أن السؤال، الذي تطرحه البرامج الانتخابية، لا يتعلق، فقط، بما ستقدمه الدولة للجالية، وإنما، أيضا، بكيفية إشراك ملايين المغاربة المقيمين بالخارج في صناعة القرار الوطني.
وتكشف قراءة عدد من البرامج المعلنة، خلال الاستحقاقات الحالية، أن التجمع الوطني للأحرار اختار التركيز بشكل أساسي على البعد الاقتصادي، من خلال تعبئة كفاءات ومواهب مغاربة العالم في مجالات الابتكار والاستثمار والتنمية، إلى جانب نقل المعارف والخبرات. وبحسب عرض البرنامج، الذي أوردته «يا بلادي»، فإن المقاربة تركز على تحويل الطاقات والكفاءات الموجودة بالخارج إلى رافعة للاقتصاد الوطني، دون تقديم مقترحات مفصلة بشأن المشاركة السياسية للجالية.
أما لدى حزب الأصالة والمعاصرة فحضرت قضية مغاربة العالم ضمن مقاربة مرتبطة أساسا بميثاق إدماج الشباب والحركية المهنية. ويقترح الحزب إحداث فرص للتنقل المهني القانوني، ومواكبة حالات من التنقل المهني على مدى خمس سنوات، من خلال ما يسميه «جواز التنقل المهني». وهنا تظهر الجالية، بشكل غير مباشر، ضمن تصور أوسع للهجرة والحركية واكتساب الكفاءات، أكثر من ظهورها بوصفها ملفا مستقلا بكل تفاصيله.
في المقابل اختار حزب الاستقلال تخصيص محور واضح لمغاربة العالم من خلال «الميثاق الوطني لمغاربة العالم». ويجمع المقترح بين الجانبين الاقتصادي والمؤسساتي، عبر الحديث عن الجالية باعتبارها رصيدا يمكن توظيفه في التنمية، مع مقترحات تخص التحويلات المالية والاستثمار.
ومن بين الأفكار الواردة إنشاء شباك موحد للاستثمار بآجال محددة، وتشجيع توجيه ادخار مغاربة العالم نحو استثمارات منتجة في مختلف الجهات. ويربط الحزب التمثيلية السياسية بالبعد الاقتصادي من خلال مقترح تعزيز حضور مغاربة العالم في هيئات الحكامة الاقتصادية الجهوية.
قضية المشاركة السياسية تحضر، بشكل أكثر وضوحا، في برنامج حزب العدالة والتنمية، الذي يربط ملف مغاربة العالم بالمشاركة السياسية والمؤسساتية، ويدعو إلى توسيع مساهمتهم داخل المؤسسات الاستشارية، إلى جانب الحفاظ على الهوية الوطنية. وهي مقاربة تجعل الجالية جزءا من النقاش المؤسساتي وليس فقط من السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية الموجهة إليها.
أما حزب التقدم والاشتراكية فيضع المسألة ضمن مراجعة أوسع لطريقة التعامل مع مغاربة العالم، مع إقرار البرنامج بأن التنزيل الكامل للمقتضيات الدستورية المتعلقة بمشاركتهم في الانتخابات التشريعية لم يتحقق بالشكل المطلوب، بحسب ما نقلته «يا بلادي». وتدعو مقترحات الحزب إلى تعزيز المشاركة الفعلية لمغاربة العالم في الانتخابات، بما يجعل القضية مرتبطة مباشرة بمبدأ المواطنة السياسية.
من جهته يذهب تحالف اليسار أبعد في هذا الاتجاه، إذ خصص حيزا واضحا لمغاربة العالم ضمن برنامجه، مقترحا تمثيلية برلمانية مباشرة وإحداث دوائر انتخابية في الخارج، إلى جانب تفعيل مجلس الجالية المغربية بالخارج عبر صيغة منتخبة أو تمثيلية شفافة، وتعزيز الخدمات القنصلية وحماية الاستثمارات. ويضع التحالف هذا التصور ضمن الانتقال من مقاربة تنظر إلى الجالية باعتبارها مصدرا للتحويلات إلى مقاربة تقوم على المواطنة الكاملة.
وتظهر القضية، أيضا، في برنامج الاتحاد الدستوري، الذي يدرج مغاربة العالم ضمن محور «الثقافة، الرياضة، مغاربة العالم والإشعاع الدولي»، مع التأكيد على تثمين كفاءات مغاربة العالم وتقوية الارتباط بهم وتعزيز الدبلوماسية والشراكات الدولية.
بين الحقوق والواجبات
ضمن المقاربات الحزبية لقضية الجالية، يبدو أن البرامج الانتخابية الحالية تلتقي في الاعتراف بأهمية مغاربة العالم، لكنها تختلف في الإجابة عن سؤال: ما الذي نريده من الجالية وما الذي ينبغي أن تحصل عليه في المقابل؟ فهناك من يراها خزانا للكفاءات ورأس المال والخبرة، وهناك من يركز على حقوقها السياسية وتمثيليتها، فيما تجمع بعض التصورات بين الاستثمار والمواطنة والخدمات.
ولعل التحول الأبرز في الخطاب الانتخابي يتمثل في الانتقال التدريجي من الحديث عن مغاربة العالم بلغة التحويلات والادخار فقط، إلى لغة «الكفاءات» و«الشراكة» و«المواطنة». غير أن الفرق يبقى قائما بين إعلان المبدأ وتحديد آليات التنفيذ. فالجالية لا تحتاج، فقط، إلى وعود عامة، وإنما، كذلك، إلى معرفة كيف ستتم معالجة ملفات الاستثمار، والخدمات القنصلية، ونقل الأموال، والحماية الاجتماعية، وتعليم الأبناء، والحفاظ على الهوية والمشاركة السياسية.
مغاربة العالم.. من تحويلات مالية موسمية إلى قوة مواطنة
شراكة دائمة تقوم على الثقة والاستثمار وتبادل الخبرات
النعمان اليعلاوي
لم تعد علاقة مغاربة العالم بوطنهم تختزل في مشهد صيفي مألوف، حين تعبر آلاف السيارات الحدود محملة بالأمتعة والهدايا، أو في أرقام التحويلات المالية التي تساهم سنويا في دعم الاقتصاد الوطني. فخلف ملايين المغاربة المنتشرين في مختلف القارات توجد كفاءات وتجارب وشبكات مهنية واقتصادية يمكن أن تشكل رافعة إضافية للتنمية، وارتباطهم بالمغرب يتجاوز البعد العائلي ليشمل المواطنة والمشاركة في الحياة العامة.
الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تعيد هذا النقاش إلى الواجهة، خصوصا في ظل الحاجة إلى التفكير في كيفية تحويل العلاقة مع مغاربة العالم من موسمية إلى شراكة دائمة، تقوم على المواطنة والثقة والاستثمار وتبادل الخبرات.
حقوق الجالية بين الدستور وواقع الممارسة
يمنح الدستور المغربي لمغاربة العالم أساسا واضحا للمشاركة في الحياة الوطنية. فالفصل 17 ينص على تمتع المغاربة المقيمين في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات، وينص على إمكانية تقديم الترشيحات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية المحلية والجهوية والوطنية، مع إحالة شروط وكيفيات ممارسة هذه الحقوق إلى القانون.
غير أن النقاش لا يتعلق، فقط، بالنص الدستوري، بل بكيفية ترجمة مبدأ المواطنة الكاملة إلى ممارسة مؤسساتية وسياسية واقتصادية أكثر حضورا.
في هذا السياق، يرى منصف الطوب، المختص في قضايا مغاربة العالم، أن مغاربة العالم «جزء أساسي من مستقبل المغرب»، مؤكدا أن التعامل معهم لا ينبغي أن يظل محصورا في كونهم مصدرا للتحويلات المالية أو زوارا يعودون إلى الوطن خلال العطل.
ويعتبر الطوب أن أفراد الجالية «مواطنون فاعلون كاملو الحقوق»، مشيرا إلى أن الفصل 17 من الدستور أقر لهم حقوق المواطنة، بما فيها التصويت والترشح. ويضيف الطوب أن المطلوب اليوم هو الانتقال من الاعتراف بالمبدأ إلى «مشاركة سياسية واقتصادية ومؤسساتية حقيقية»، تجعل من مغاربة العالم شركاء في صناعة المستقبل، وليس فقط مستفيدين من السياسات العمومية الموجهة إليهم.
وبالنسبة إلى الطوب، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه خلال المرحلة المقبلة هو: كيف يمكن تحويل ملايين المغاربة المنتشرين عبر العالم إلى قوة إضافية للتنمية الوطنية؟ ويقترح في هذا السياق ثلاثة مسارات مترابطة، هي «المواطنة، الاستثمار والسياحة».
فالعديد من مغاربة العالم يتوفرون على كفاءات وتجارب مهنية وشبكات اقتصادية في بلدان الإقامة، وهي موارد يمكن أن تتحول إلى فرص استثمار وشراكات جديدة. لكن ذلك، بحسب الطوب، يتطلب سياسة عمومية تجعل من المغربي المقيم بالخارج شريكا في الاستثمار والتنمية، من خلال تبسيط المساطر الإدارية، وتجاوز التعقيدات التي يمكن أن تواجه الراغبين في الاستثمار أو العودة النهائية إلى المغرب، وتوفير المواكبة الضرورية لهم.
وتبرز السياحة باعتبارها أحد المجالات التي يمكن أن يؤدي فيها مغاربة العالم دورا يتجاوز الاستهلاك السياحي المباشر. فالمغربي المقيم في أوروبا أو أمريكا أو إفريقيا أو غيرها يمكن أن يتحول إلى حلقة وصل بين المغرب والأسواق الخارجية، وإلى سفير للوجهة المغربية، ليس فقط من خلال الزيارة، ولكن أيضا عبر التعريف بالمؤهلات الثقافية والطبيعية والسياحية للمملكة، وربط الفاعلين الاقتصاديين المغاربة بشبكات دولية.
ويشير الطوب إلى أن المغرب يتوفر على تنوع كبير في مؤهلاته السياحية، من المدن العتيقة إلى الشواطئ والجبال والصحراء، مرورا بالسياحة الثقافية والقروية والبيئية. غير أن التحدي، في نظره، يتمثل في الانتقال من تعداد المؤهلات إلى بناء سياسات تجعل السياحة قطاعا منتجا لفرص الشغل والاستثمار، وتضمن استفادة مختلف الجهات والمناطق من عائدات هذه الدينامية.
لا يقتصر الأمر على الاستثمارات الكبرى، إذ يشدد الطوب على ضرورة فتح المجال أمام مغاربة العالم، سيما الشباب والكفاءات ورجال الأعمال، للاستثمار في مشاريع سياحية محلية، مع تشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة وربط الاستثمار السياحي بالتنمية المحلية وخلق فرص الشغل.
تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بمغاربة العالم
سياسيا يرى الباحث أن المرحلة المقبلة تستدعي تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بمغاربة العالم، وتطوير الآليات التي تمكنهم من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية الوطنية، وتعزيز حضور قضاياهم داخل المؤسسات المنتخبة. ويأتي هذا النقاش في وقت سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن تناول مسألة التمثيلية السياسية لمغاربة العالم، مؤكدا أهمية توسيع مشاركتهم في الديمقراطية التمثيلية والتشاركية، مع الإشارة إلى وجود إكراهات تنظيمية وقانونية مرتبطة بالممارسة الانتخابية من خارج التراب الوطني.
في سنة 2026 شهد الإطار الانتخابي، أيضا، تعديلات استهدفت، ضمن أمور أخرى، تيسير ممارسة المغاربة المقيمين بالخارج لحقهم في التصويت وتعزيز مشاركتهم في الانتخابات، بحسب ما ورد في قرار للمحكمة الدستورية منشور في الجريدة الرسمية.
وبلغة أكثر قربا من الجالية، يوجه الطوب رسالة مفادها أن المغرب «ليس فقط البلد الذي ولدتم فيه أو تنحدرون منه، بل وطنكم وفضاء يمكن أن تستثمروا فيه خبراتكم وطموحاتكم». وفي المقابل فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى داخل المغرب هي أن العلاقة مع الجالية مطالبة بالخروج من الطابع الموسمي، نحو شراكة مستمرة تقوم على المواطنة والثقة والاستثمار والتنمية.
ويقدم الطوب هذا التصور، أيضا، من موقعه فاعلا في المجال السياحي ومرشحا عن حزب الاستقلال بدائرة تطوان، بعدما سبق له أن كان برلمانيا عن الدائرة نفسها خلال الولاية السابقة عن الحزب ذاته. ويقول الطوب إن حزبه يؤمن بأن مغاربة العالم يمكن أن يشكلوا قوة اقتصادية وسياحية وسياسية للمغرب، معتبرا أن الاستثمار في هذه الطاقات هو، في نهاية المطاف، استثمار في مستقبل البلاد.
وبينما تتجدد الانتخابات كل بضع سنوات، يبقى السؤال الأعمق المرتبط بمغاربة العالم أكبر من موعد انتخابي محدد: كيف يمكن بناء علاقة مؤسساتية تجعل المغربي المقيم خارج الوطن حاضرا في النقاش الوطني وفي الاستثمار والتنمية، لا باعتباره رقما في تحويلات مالية أو زائرا موسميا، وإنما باعتباره مواطنا يحمل معه إلى المغرب خبرة وتجربة وشبكات وعلاقات وطموحات يمكن أن تجد مكانها في مشروع وطني مشترك.
عتيق السعيد :مشاركة المغاربة المقيمين بالخارج في الاستحقاقات تكريس فعلي لمبادئ التعددية
حاوره: النعمان اليعلاوي
ما أهم ما جاءت به المنظومة الانتخابية الجديدة في مشاركة المغاربة المقيمين بالخارج في الاستحقاقات الانتخابية؟
تأتي المقتضيات المرتبطة بالمنظومة الانتخابية تنفيذا لمضامين الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش المجيد، الذي أكد على ضرورة توفير منظومة عامة مؤطرة لانتخابات مجلس النواب، حيث وجه جلالة الملك محمد السادس توجيهاته السامية من أجل الإعداد الجيد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، باعتبارها رافعة أساسية لتجديد النخب السياسية وتعزيز فعالية المؤسسات التمثيلية، بما يضفي دينامية على الممارسة الديمقراطية ويكرس عمليا قيم التعددية السياسية والتنافس الحر والمسؤول في تدبير الشأن العام. هكذا قدمت المنظومة الانتخابية مجموعة من المقتضيات الجديدة الرامية إلى تعزيز تمثيلية المغاربة المقيمين بالخارج داخل مجلس النواب، بما يعكس إرادة متواصلة لتجويد الفعل الديمقراطي الرشيد قوامها انفتاح مجتمعي قائم على المقاربة التشاركية في تطوير المنظومة الانتخابية بما يعزز التمثيلية الديمقراطية القائمة على تكريس مبادئ النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص وملاءمة التشريع الانتخابي مع متطلبات الحكامة الديمقراطية.
فهذه المقتضيات ستساهم في تيسير آليات المشاركة السياسية لهذه الفئة للمشاركة الفاعلة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فضلا عن تأطيرها الصريح بإطار قانوني يضمن فرصا أكثر عدالة وإنصافا سيعزز حظوظها في بلوغ تمثيلية برلمانية أكثر توازنا وتنوعا تعكس التعددية المجتمعية وتستجيب لمتطلبات الديمقراطية التمثيلية. وبالتالي فالمقتضيات الجديدة ستعمل على تعزيز شمولية القرار الحزبي المتعلق بتمكين المغاربة المقيمين بالخارج من المشاركة والتمثيلية السياسية، بحيث لن يكون هذا التوجه رهينا بالإرادة التقديرية لكل حزب على حدة أو خاضعا لاعتبارات ظرفية وتنظيمية مختلفة، إذ بات مؤطرا بمقتضيات قانونية واضحة ودقيقة وآليات تحفيزية شاملة، سواء مالية أو من خلال إجراءات مسطرية تحفز الأحزاب السياسية وتدعمها وتحثها على الانخراط في هذا المسار ضمانا لتوسيع فرص هذه الفئات في الولوج إلى المؤسسات التمثيلية على أسس أكثر انتظاما وديمومة.
هذا ولابد أن نستحضر دور الأحزاب السياسية المزدوج في تفعيل المقتضيات التي جاءت بها المنظومة الانتخابية، أولا باعتبارها فاعلا أساسيا في بلورة التصورات وتقديم المقترحات السياسية الكفيلة بتطوير المنظومة الانتخابية وتجويد إطارها التشريعي، تضطلع بتفعيل مضامينها عبر ضمان الانتقال بها من مستوى النص القانوني إلى التطبيق العملي على أرض الواقع، إيمانا منها بحتمية تجديد هياكلها وتطوير مؤسساتها وتحديث قوائمها ولوائحها الانتخابية بما يتيح فرصا أكبر للمشاركة والتمثيل الانتخابي، وبالتالي يضمن تشجيع انخراط المغاربة المقيمين بالخارج في التدبير السياسي، فمشاركة هاته الفئة حق دستوري، واجب وطني وممارسة للمواطنة الفاعلة لان إشراك هذه الفئة في الحياة الانتخابية يعكس تنوع المجتمع المغربي ويفتح المجال أمام تعدد الآراء والاختيارات والمساهمات في الحياة العامة.
ماذا بخصوص مستجدات المنظومة القانونية الانتخابية في ما يتعلق بتصويت مغاربة الخارج؟
بداية لابد من التأكيد على أنه سعياً إلى تبسيط إجراءات التصويت بالوكالة لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج، أطلقت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، بتنسيق مع وزارة الداخلية، منصة «E-Procuration»، التي تتيح إنجاز الوكالة الخاصة بالتصويت إلكترونياً والتي يمكن الولوج إليها عبر موقعي «listeselectorales.ma». بوابة رسمية تمكن المواطنات والمواطنين المغاربة من التحقق من تسجيلهم في اللوائح الانتخابية العامة والاستفادة من مختلف الخدمات المرتبطة بها، وتتيح للناخبات والناخبين المغاربة، المقيمين خارج تراب المملكة، كذلك، إنجاز وكالة التصويت إلى جانب فضاءات مخصصة للمعلومات والإحصائيات. وتمكن هذه المنصة المواطنين المعنيين من إدخال بياناتهم التعريفية، بما في ذلك الاسم الشخصي والعائلي، ورقم البطاقة الوطنية للتعريف، ورقم التسجيل في اللوائح الانتخابية، والدائرة الانتخابية أو الجماعة المسجلين بها، إضافة إلى العنوان المصرح به عند التسجيل. وتتيح البوابة، أيضا، إدراج المعطيات الخاصة بالوكيل واستكمال إجراءات المصادقة على الوكالة إلكترونيا.
وبعد المصادقة على الوكالة، يتعين على صاحبها تحميل نسخة منها وإرسالها إلى الوكيل، حتى يتسنى له الإدلاء بها عند الاقتضاء يوم الاقتراع، مع التأكيد على أنه لا يجوز تعيين الناخب نفسه وكيلا من طرف أكثر من مغربي مقيم بالخارج. أما بخصوص كيفية ممارسة الوكيل حق التصويت، فإنه يصوت أولا باسمه الشخصي، ثم باسم موكله في حال كان ينتمي إلى مكتب التصويت نفسه، بعد الإدلاء بالوكالة وبطاقته الوطنية. أما إذا لم يكن الوكيل منتميا إلى مكتب التصويت الذي ينتمي إليه الموكل، فيمكن للأخير التصويت باسم موكله وفق المسطرة المحددة، مع الإدلاء بالوثائق المطلوبة، وفي مقدمتها الوكالة وبطاقته الوطنية.
بناء على ما تقدم، فإن توظيف التحول الرقمي في مختلف مراحل العملية الانتخابية، سواء من خلال رقمنة إجراءات التسجيل في اللوائح الانتخابية أو إيداع الترشيحات عبر المنصات الإلكترونية المخصصة وغيرها، من شأنه توسيع نطاق الولوج إلى المعلومة ومواكبة الآجال المحددة، وبالتالي تعزيز فعالية الانخراط بالطريقة التي تيسر على هذه الفئات التفاعل مع متطلبات المرحلة والمشاركة بشكل أكثر فاعلية.
يندرج إدماج المغاربة المقيمين بالخارج ضمن الفئات المستهدفة بالدعم والتحفيز الانتخابي في إطار تعزيز تمثيليتهم داخل مجلس النواب، بما يضمن الدفاع عن قضايا الجالية وحقوقها. وهذا التوجه يساهم في تيسير مختلف قنوات الاستثمار واستقطاب الكفاءات الوطنية بالخارج للمشاركة عن كثب في مختلف الأوراش والمشاريع التنموية التي يقودها جلالة الملك. وعليه فإن مشاركتهم تتيح الانخراط وتثمين خبراتهم، وفتح آفاق جلب المشاريع التنموية، إضافة إلى أن حضورهم سيساهم في تعزيز آليات الدبلوماسية البرلمانية وتقوية إشعاعها.
ما رهانات الأحزاب السياسية في تمكين مغاربة الخارج من التدبير السياسي؟
تؤكد الخطابات والرسائل الملكية السامية على أهمية الأحزاب السياسية الوطنية ودورها الأساسي في التوعية والتأطير وإعداد نخبة مؤهلة لتدبير الشأن العام ومواجهة التحديات المصيرية المرتبطة بالتنمية الشاملة في إطار المنهج الحضاري للديمقراطية الحقة. ودعت الخطابات والرسائل الملكية السامية، كذلك، إلى فضاء سياسي جدید مفتوح أمام نخب سياسية متجاوبة مع عصرھا تحدد بأغلبية متماسكة ومعارضة بناءة، تتنافسان وتتناوبان، بحسب نتائج الاقتراع، على حسن تدبير الشأن العام، وبالتالي فالرهان الحالي يفرض على الأحزاب السياسية تمكين هاته الفئة فعليا. فإذا كان المجتمع يشهد تطورا مستمرا على مستوى القوانين والمؤسسات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، فإن ذلك يقتضي من الأحزاب السياسية تطوير رؤاها وتعزيز قدرتها على استشراف المستقبل، بما يستلزم فهما عميقا لمختلف التغيرات والتحولات المؤثرة في مستقبل الأجيال بمختلف فئاتها. وفي هذا السياق تبرز أهمية الرجوع إلى تقرير النموذج التنموي الجديد الذي قدم تشخيصا دقيقا للواقع وشكل مرآة عاكسةً لمختلف التحديات والرهانات، حيث دعا إلى تعزيز اندماج هاته الفئة من خلال مضاعفة فرص وقنوات المشاركة ورفع مختلف الحواجز التي تعترضها بغية تمكينها من سبل المشاركة السياسية الفاعلة.
لا بد أن تستحضر الأحزاب السياسية الحاجة الملحة لتلبية المطلبين المزدوجين لهاته الفئات، وهما الاندماج والمشاركة، بحيث يمثل الاندماج مرحلة أولى، تليه المشاركة في مرحلة ثانية، وهما مرحلتان جوهريتان بالنسبة لهذه الفئات، وبالتالي لا يمكن الفصل بينهما أو الاستغناء عن أي منهما، ضمانا لمشاركة واسعة ذات تأثير في الممارسة والعمل السياسي، تترجم إلى وسائل ملموسة وتدابير فعالة تعيد لكل هاته الفئات إيمانها بأهميتها ودورها في صنع القرارات السياسية، بما يضمن تحويلها من موقع التلقي إلى موقع المشارك في تدبير الشأن المحلي.
أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش، محلل سياسي





