حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

ماذا تبقى من الكان؟

 

مقالات ذات صلة

يسرا طارق

طعم المرارة، طبعا، فقد كنا على بعد دقيقة من نيل لقب طاردناه منذ خمسة عقود، وتمنّع علينا رغم أننا امتلكنا أجيالا من اللاعبين الكبار، الذين كانوا قادرين على الفوز وهم يواجهون منتخبات عالمية، لكنهم يتعثرون في القارة أمام منتخبات بلا تاريخ كروي يذكر. دقيقة واحدة وضربة قدم واحدة، كنا نتأرجح فيهما بين الخوف والرجاء، الثقة والقلق، الإيمان بأن الكأس مد عنقه أخيرا لنا، والشك في أن تلك اللعنة، التي ارتبطت بضربات الجزاء الحاسمة التي يحصل عليها الفريق الوطني في الأنفاس الأخيرة من المقابلة، مازالت تطاردنا. تذكرنا زياش مع بنين، وتذكرنا حكيمي مع جنوب إفريقيا، وابتهلنا لله، غير أن حكمته ومشيئته أرادتا شيئا آخر. فبما أن مدرب وفريق وجمهور السنيغال، وبنوايا مبيتة ومرسومة بدقة، أحدثوا فوضى عارمة في الملعب، وداسوا الروح الرياضية ومارسوا أبشع أنواع الابتزاز، في تلك اللحظات العصيبة، وكما في ما لا يحصى من مواقف مر بها هذا البلد، ظهر معدن المغاربة وتجلت حكمة ورزانة الشخصية المغربية. قد يخسر المغرب كأسا ومقابلة، لكنه لن يخسر أبدا صورته الحضارية كبلد متجذر في التاريخ. شكل دوما قبلة للباحثين عن أمان وسلام وتفهم. وقد شاهد العالم الجمهور السنيغالي على قلته، وهو يحاول أن يقتحم الملعب بالعنف، بينما بقي آلاف المغاربة، الذين امتلأت بهم مدرجات ملعب مولاي عبد الله، هادئين، ملتزمين ومنضبطين، وحتى حين صفر الحكم نهاية المقابلة في الظروف التي شاهدها الجميع، انصرف الجمهور إلى حال سبيله بانضباط وسلاسة، مفوتا على من هندسوا الفوضى الوصول إلى بغيتهم، المتمثلة أساسا في خلق ظروف انفلات أمني كبير يقدم صورة سيئة عن القدرات التنظيمية للمغرب وهو مقبل سنة 2030 على تنظيم كأس العالم.

كثير من المشاعر اختلجت في نفوسنا، طيلة شهر من المنافسة الشرسة، ونحن جميعا محتاجين لاستعادة الأنفاس، فقد صار «كان المغرب» من الماضي، و لا شك أن المسؤولين، وعلى كل الأصعدة، سينجزون تقويما رياضيا، وتنظيميا، واقتصاديا وإعلاميا، وحتى سياسيا لما حدث، غير أن مشاعر الفخر التي أحسسنا بها جميعا، والمغرب يبهر زواره ببنيته التحتية، وبجمال مدنه، ونظافة شوارعها، وكرم أهله وقدرتهم على تحويل حدث رياضي لاحتفال إنساني، انتصرت فيه الأخوة والصداقة والروح الرياضية، مشاعر الفخر هذه ستبقى حية بداخلنا. لقد وعدنا الأفارقة بمنافسة ستكون الأحسن في التاريخ، وكنا على قدر الرهان. بل إن البعض ذهب إلى أن المغرب نظم مسابقة ببعد وإتقان عالميين يحق للأفارقة أن يفخروا بهما. ورغم أننا تلقينا الضربات، الظاهر منها والخفي، ورغم أن ألسنة مقيتة تطاولت علينا، ورغم أن البعض جاء لترصد الهفوات والنقائص والنفخ فيها لتكبيرها، بقي ثابتا ثبات من يعرف أنه على حق. ولعل ما عشناه يثبت رهانا أساسيا على إفريقيا أن تنكب على معالجته بأسرع ما يمكن من إصرار وعزيمة: تأهيل العنصر البشري وجعله في مستوى الأحداث الكبرى التي ستنظم مستقبلا. على إفريقيا أن لا تستلذ أعطابها، وأن لا تعيد إنتاج النقائص نفسها وكأنها قدر. فالدرس المغربي في إنجاز بنيات تحتية مذهلة، بعقول وسواعد أبنائه، خير مثال على أن لا التخلف ولا الاتكال ولا الهشاشة أقدار محكوم علينا اجترارها إلى ما لا نهاية.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى