
في حلقة جديدة من زاوية «مانسيناكش» نحن إلى تذكر واستحضار نجوم في عوالم السياسة والرياضة والفن والثقافة والإعلام، وننفض طبقات الغبار العالقة بالذاكرة، لنستحضر أسماء ظلت لسنوات تحت الأضواء، مصرة على البقاء في دائرة النجومية في تحد صارخ لزحف الزمن، رافضة الاصطفاف في طابور «كان» وأخواتها.
سيرة الفنان امحمد التيوسي تنقلنا من جبال الأطلس المتوسط إلى الجامعة الفرنسية قبل أن تجرفه الأنغام في رحلة اغتراب مليئة بالأحداث والوقائع.
ما أصول الفنان التيوسي؟
ولدت في قرية صغيرة حيث يوجد الولي الصالح مولاي بوعزة. أصبحت اليوم جماعة حضرية تابعة لإقليم خنيفرة وتبعد عنها بحوالي 74 كيلو مترا.. أي أنني ولد في بيت قبالة الضريح، وبين الجبال والتضاريس الوعرة في الأطلس المتوسط. هذه الجماعة معروفة بموسمها السنوي الذي يعتبر من أقدم مواسم المملكة، وغالبا ما ينظم في عطلة فصل الربيع نهاية شهر مارس وبداية شهر أبريل، حيث كنا نقف، ونحن أطفال، على مجموعة من الطقوس.
أصول والدي من قبيلة بني خيران، واحدة من أعرق القبائل المغربية، تمتد جذورها في التاريخ. عرفت هذه القبيلة بحبها لحياة البدو، وتربية المواشي والكرم. توجد بني خيران بدائرة واد زم، وحين نقول بني خيران نستحضر قبيلة مجاورة اسمها السماعلة. أما والدتي فتنحدر من قبيلة امزاب وتحديدا مركز «فيني» المعروف الآن بثلاثاء لولاد.
كيف عاش امحمد التيوسي طفولته في المغرب العميق؟
كنا ندرس في المدرسة الابتدائية لمركز مولاي بوعزة، وكنا نلعب على غرار باقي الأطفال ونصعد الجبال والتلال التي أنعم الله بها على منطقتنا، وننتظر الموسم السنوي لمولاي بوعزة لنعيش لحظات جميلة حيث يتحول المركز إلى قبلة لآلاف الزوار، وهو ما ينعش السكان من الناحية الاقتصادية. بالنسبة لي، ومثل باقي رفاقي، كنت مضطرا لمغادرة القرية الجميلة بعد حصولي على الشهادة الابتدائية، نظرا لغياب مؤسسة ثانوية في مولاي بوعزة، كان لابد من الانتقال إلى ثانوية في خنيفرة.
من مولاي بوعزة إلى خنيفرة، حيث ستتابع دراستك الثانوية، كيف عشت هذا التحول؟
قضيت موسما دراسيا في دار الطالب لخنيفرة، وكنت أتابع دراستي في ثانوية أبو القاسم الزياني، وهي من أكبر وأعرق المؤسسات التعليمية بالمغرب. يعود تأسيسها إلى 1952، وأصبحت، بعد الاستقلال، تحمل اسم أبو القاسم الزياني وهو للتذكير سفير ومبعوث السلطان محمد بن عبد الله وصاحب مؤلف كبير. ولأنني كنت بعيدا عن مسقط رأسي ومنزل أسرتي، انتقلت إلى داخلية هذه الثانوية، وكنت أغادرها غبر القفز من فوق الجدار لأتعرف على المدينة وألتقي ببعض الأصدقاء، وفي نهاية الأسبوع كنت أمارس هواياتي، التي ضمنها العزف ولعب الكرة.
هل تعرفت على محمد رويشة خلال مقامك الدراسي في خنيفرة؟
نعم تعرفت على محمد رويشة قبل شهرته، لكنه كان فنانا يثير إعجابي، كنت أراه وهو يركب دراجته النارية البسيطة، وكنت أستمع لأغانيه وأنا في غرفتي بداخلية الثانوية، فأستمتع بأغانيه الأمازيغية والعربية، بل وكنت أقلده بين زملائي.
ومن الأغاني التي كانت لها مكانة في قلبي وأنا شاب يافع، أغنية «ليام كلها دازت أحلام»، هي واحدة من أشهر القطع الغنائية الخالدة للفنان الراحل محمد رويشة، وتصنف على أنها أيقونة من أيقونات الفن الأمازيغي وموسيقى التراث الشعبي المعتمد على آلة «الوتار». حين كنت أعود في العطل إلى مولاي بوعزة كنت أقضي أوقات فراغي في العزف على آلة وترية صنعتها من إناء مستعمل.
ما مدى تأثير الظاهرة الغيوانية في مشوارك الفني، أو بتعبير أصح في بداياتك الفنية؟
يمكنني أن أجزم بأن «الشوكة دكَات فيا» مع ظهور وانتشار المد الغيواني، أي ظاهرة المجموعات، حيث انتقلنا من الغناء الفردي إلى الغناء الجماعي، خاصة مع ناس الغيوان وجيل جيلالة، وسيما مع لمشاهب، حيث كنت معجبا أيما إعجاب بالعازف الشريف لمراني، الذي كان يروض الموندولين، إضافة إلى محمد باطما وحمادي وسعيدة والسوسدي، وطبعا الشريف الذي التقيته في فرنسا وكنت معجبا به، خاصة وأنه صمم آلة موسيقية مخالفة، نسبيا، لآلة الموندولين، تتوفر على تسع «وترات». لقي عزفه إقبالا كبيرا من طرف الجماهير في فترة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وتأثر به العديد من الفنانين من بينهم أنا، وكان له إسهام خاص في اللون الخاص لفرقة لمشاهب، وطنيا وعربيا ودوليا، علما أن الشريف لمراني من أصول جزائرية ووالده كان فنانا أيضا.
من هنا نبتت في ذهنك فكرة تكوين فرقة غنائية، أليس كذلك؟
فعلا، في تلك الفترة انتشرت المجموعات الغنائية التي انصهرت في الظاهرة الغيوانية، فأسست، مع بعض الأصدقاء الذين يعشقون الفن والطرب بصفة خاصة، مجموعة غنائية أطلقنا عليها اسم «مجموعة الخالدين»، وكنت أنا العازف على «غيتارة» عادية. نشطنا عدة حفلات في ثانوية أبي القاسم الزياني وفي مدينة خنيفرة ومولاي بوعزة، سيما في الأعياد والمناسبات الوطنية. كنا نصعد إلى الجبل في مولاي بوعزة لنغني وسط الطبيعة، لأنني كنت مهووسا بالغناءـ حتى وأنا أسير في الأزقة أغني حتى اعتقد البعض بأنني مجنون بالنغم.





