
خلال الأسبوع الأول، بعد تعيين أول حكومة تترأسها امرأة في تاريخ المغرب، بدأت المعارضة في جلد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري وتوجيه انتقادات لاذعة إليها، قبل استكمال تنصيبها الدستوري بحصولها على الثقة البرلمانية، بل وصل الأمر إلى ترويج مغالطات، كما ورد على لسان وزير الاقتصاد والمالية، فوزي لقجع، أثناء تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان.
ليس من الإنصاف أن نحاسب الحكومة قبل أن تنطلق ولايتها فعليا، كما ليس من المقبول أن تتحول حداثة عهدها بالتدبير الحكومي إلى مظلة تحميها من المساءلة أو تمنحها شيكاً على بياض لتدبير الشأن العام. وبين هذين الاعتبارين، تبرز الحاجة إلى منح الحكومة مهلة أولية لا تتجاوز 100 يوم، تكون بمثابة فترة اختبار حقيقية لمدى قدرتها على تحويل الوعود التي قدمتها للمواطنين إلى إجراءات ملموسة، بعيداً عن لغة الشعارات والالتزامات الفضفاضة التي اعتاد المغاربة سماعها مع كل تنصيب حكومي جديد.
لقد رفعت الحكومة السقف عاليا، بتقديم التزامات في برنامجها الحكومي، وشرعت في تحويل بعض الوعود إلى إجراءات عملية في مشروع قانون المالية، وعلى رأسها حماية القدرة الشرائية للمواطنين، من قبيل مراجعة الضريبة على الدخل، بإعفاء 87 في المائة من الأجراء والموظفين، الذين تقل أجورهم عن 10 آلاف درهم، من أداء الضريبة على الدخل، ووضع تدابير تروم إعادة أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية إلى مستويات معقولة، والرفع من الحد الأدنى للمعاش.
إن حكومة المنصوري مطالبة اليوم بأن تستفيد من هامش الثقة الذي يتيحه لها انطلاق ولايتها، لا أن تستثمره في تأجيل الأسئلة الصعبة أو التهرب من تقديم الأجوبة، فالذين تابعوا الوعود المعلنة، خلال تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، سئموا من الخطابات التي ظلت ترددها الحكومات المتعاقبة على مسامعهم، وينتظرون مؤشرات واضحة على أن مرحلة جديدة بدأت، وأن ما تم تقديمه من التزامات لن ينتهي به المطاف حبيس الوثائق الرسمية ومحاضر الجلسات البرلمانية.
إن منح الحكومة 100 يوم لا يعني تعليق المحاسبة الدستورية أو السياسية، ولا يقتضي غض الطرف عن القرارات التي قد تكون لها آثار فورية على مصالح المواطنين، لأن المقصود هو التمييز بين محاسبة حكومة في بداية ولايتها على حصيلة لم يتسع الوقت بعد لقياسها، ومساءلتها عن صدقية اختياراتها الأولى، وعن مدى وضوح برنامجها التنفيذي وعن قدرتها على وضع جدول زمني محدد لتنزيل تعهداتها. فهناك فرق بين منح الوقت اللازم للعمل ومنح الوقت اللازم لتبرير التأخر.
خلال هذه المدة، سيكون على الحكومة أن تقدم ما يكفي من المؤشرات لإقناع الرأي العام بأن وعودها ليست مجرد صياغات سياسية للاستهلاك، وأن مشروع قانون المالية ليس مجرد مناسبة سنوية لإعادة ترتيب الأرقام، بل أداة لتنفيذ برنامج حكومي قابل للقياس والتقييم، كما أن البرلمان، بأغلبيته ومعارضته، مطالب بالقيام بدوره الرقابي، من خلال فحص الاعتمادات المقترحة، ومساءلة أعضاء الحكومة ومراقبة مدى التقدم في تنفيذ الالتزامات المعلنة.
محاربة الفساد، التي حضرت ضمن أولى أولويات البرنامج الحكومي، يجب أن تكون ، بدورها، من أولى محطات الاختبار في المائة يوم الأولى من عمر الحكومة، خصوصا أن هذا الموضوع أثار الكثير من الجدل، بل إن فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس النواب استبق الحكومة بإحالة مقترحات قوانين تهدف إلى تجريم الإثراء غير المشروع ومحاربة تضارب المصالح، وبذلك يكون قد وضع الحكومة في موقف حرج.
لذلك فالمطلوب من الحكومة ليس، فقط، إعلان النوايا بشأن تجريم الإثراء غير المشروع ومكافحة تضارب المصالح، وإنما، أيضا، توضيح المسار التشريعي والمؤسساتي لتنزيل هذه الالتزامات، وتحديد الآجال والإجراءات التي ستجعلها قابلة للتنفيذ.





