
بعد توقف اضطراري غامض في مطار غواتيمالا، استأنفت الطائرة الرحلة صوب السلفادور، حيث هبطت بنا في مطار سان سلفادور، بعد أن عشنا حالة من الرعب منذ الإقلاع من ميامي. تنفس رفيقاي الصعداء بعد أن وضعنا أقدامنا في مدرج المطار.
من بين حوالي ثلاثين وفدا مراقبا من دول العالم، كان وفدنا إلى جانب وفد مصري الممثلين الوحيدين للعرب في هذا الاستحقاق السياسي.
كنا، كما أسلفت الذكر، في مهمة مراقبة الانتخابات في السلفادور، وغالبا ما يتم إيفاد مراقبين لبلد ما عندما تكون هناك مخاوف بشأن حرية ونزاهة الاستحقاقات الانتخابية، ولكي تكون أداة كشف فاعلة ورادعة لكل ما يتربص بالنزاهة، تحتاج المراقبة الانتخابية إلى ملاءمتها مع نمط النظام الانتخابي الشفاف.
عند نزولنا من الطائرة، أدركنا مدى خطورة الوضع الأمني في البلاد، إذ لاحظنا تطبيق إجراءات وقائية في كل مكان، علما أن كل وفد من وفود المراقبين الدوليين أحيط بفرقة أمنية مؤلفة من حارس رياضي وثلاثة جنود مدججين بالسلاح.
بعد إتمام الإجراءات الإدارية في المطار، كان علينا قطع مسافة عشرة كيلومترات تقريبا، تحت حراسة مشددة، للوصول إلى مركز المدينة، وهي مسافة غالبا ما يتم قطعها في عشر دقائق كأبعد تقدير.. لكننا سنقطعها في خمسين دقيقة نظرا للإجراءات الأمنية الصارمة التي شهدتها المدينة.
وفي سياق الاحترازات الأمنية الصارمة، وضعت سيارة كل وفد من المراقبين بين سيارة قيادة وسيارة مرافقة، توقفها عند اقترابها من أي مركبة تسير في أي اتجاه على الطريق من المطار إلى مركز المدينة. ولا تعاود السيارة سيرها إلا بعد فحص دقيق للمركبة التي تصادفها، ما جعل الاستنفار الأمني أمرا مقلقا.
على عكس جميع وفود المراقبين الأخرى، خصص للوفد المغربي مرافقة، وهي عضو في الانتخابات. كانت شابة جميلة في الرابعة والعشرين من عمرها تقريبا، طالبة طب في جامعة بالعاصمة وملكة جمال السلفادور. أثار هذا الامتياز، حتما، غيرة العديد من أعضاء الوفود الحاضرة، الذين اعتبروه معاملة تفضيلية خاصة بالمغاربة، لكن هذا الامتياز لم يمنع من إخضاعنا للرقابة الدقيقة على غرار باقي الوافدين، فعند وصولنا إلى الفندق الذي كنا سنقيم فيه، خضعنا لاستجواب دقيق، رغم وضعيتنا الاعتبارية كمراقبين دوليين.
تم تصنيفنا ضيوفا رسميين لدى حكومة السلفادور، لكن الاستبيان الذي تم استنطاقنا في شأنه كان يضم معلومات حول حالتنا الاجتماعية، وديانتنا، وتوجهاتنا السياسية، ونزعاتنا الأيديولوجية ومضامين سجلنا العدلي، وما إلى ذلك من معلومات. وطلب منا، كذلك، التوقيع على إقرار يعفي الفندق وسلطات الدولة من أي مسؤولية في حال وقوع أي حوادث (سرقة ممتلكات أو اعتداءات).
هكذا تحولنا من مراقِبين إلى مراقَبين، وعلى الرغم من استيفائنا لجميع هذه الشروط وخضوعنا لهذه الإجراءات المستفزة أحيانا، منعنا من مغادرة محيط الفندق دون موافقة الأجهزة الأمنية ودون مرافقة منها. ونتيجة لذلك اضطررنا لقضاء معظم وقتنا داخل الفندق، ولم نغادره إلا لتلبية الدعوات أو للقيام بزيارات قصيرة في المدينة، ودائما تحت حراسة مشددة.
كان الوفد المغربي الوحيد الذي دعته سفارة الولايات المتحدة لحضور جلسات إحاطة يقودها متخصصون أمنيون، نظرا لأن السلفادور كانت آنذاك مسرح عمليات للمقاتلين الماركسيين اللينينيين.
وبصفته شخصا ملما بشؤون بلدنا، نسجنا خيوط التواصل مع السفير الأمريكي، الذي كشف لنا عن علاقته بالمغرب، وهو الذي عاش لأكثر من خمس سنوات ضابطا في القاعدة الأمريكية السابقة في القنيطرة.
استمتع السفير الأمريكي بالتحدث معنا باللهجة المغربية (الدارجة). وبدعوة منه حضرنا حفل استقبال في مقر الإقامة الدبلوماسية المخصصة له، كانت الموسيقى العربية حاضرة من خلال روائع فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، وحظينا، أيضا، بفرصة الاستماع إلى قصائد عربية آسرة، ألقتها زوجة السفير، وهي امرأة سمراء البشرة وواسعة الاطلاع.




