حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتعليمسياسية

مذكرة مسك وتتبع غياب التلاميذ عبر منظومة «مسار» تثير الجدل 

نقابات: مراسلة الكاتب العام انتقلت من التوجيه إلى التهديد

الأخبار

بتاريخ 17 شتنبر 2026، وتحت عدد 2994/26، وجه الكاتب العام لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة الحسين قضاض، مراسلة إلى مديري ومديرات الأكاديميات الجهوية والمديرين والمديرات الإقليميين، موضوعها «تفعيل آلية مسك وتتبع غياب التلميذات والتلاميذ عبر منظومة «مسار»».

وثيقة إدارية في شكلها، لكنها في مضمونها صورة مصغرة لعقلية تسييرية باتت الوزارة تتقن إنتاجها، عقلية التهديد بدل الإقناع، والمحاسبة بدل المواكبة.

القارئ لهذه الوثيقة لن يحتاج إلى تأويل كثير ليكتشف أنها ليست مراسلة تحسيسية بقدر ما هي إنذار مقنع بصيغة إدارية، فعبارات من قبيل «أطلب منكم، بإلحاح، اتخاذ كافة التدابير اللازمة، بصفة صارمة وفورية» لا تترك مجالا للشراكة، بل تفرض علاقة تراتبية صرفة. ويأتي المقطع الختامي ليسقط كل قناع: «أهيب بكم، كل من موقعه ومسؤوليته، السهر شخصيا على التنفيذ الفوري والصارم لمضامين هذه المراسلة». هذه ليست لغة مؤسسة تربوية تخاطب أطرها، بل لغة زجرية أقرب إلى محضر تأديبي.

الأخطر أن المراسلة تعلن، بلا مواربة، عن آلية مراقبة ومحاسبة فردية دائمة: «ستخضع لتتبع مستمر على المستوى المركزي، وسيتم تقييم مستوى انخراط مختلف الأكاديميات والمديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية واتخاذ ما يلزم من تدابير لضمان التقيد التام بمقتضياته». «ما يلزم من تدابير» عبارة مطاطة تُبقي سيف العقوبة جاثما على رقاب المديرين، دون أن تُحدد ما هي هذه «التدابير» ولا حدودها.

 

 

حين تنشغل الوزارة بالتفاهات وتتناسى الجوهر

 

المفارقة الصارخة أن هذا الكم من الإلحاح والتهديد والمتابعة اليومية على المستوى المركزي يُصرف على مسألة تقنية بحتة تتعلق بتحيين خانات في منظومة معلوماتية، بينما تلتزم الوزارة الصمت التام إزاء الأزمات البنيوية الحقيقية التي يتخبط فيها مديرو ومديرات المؤسسات التعليمية يومياً. لا مراسلة ملحة ولا «سهر شخصي» ولا «تتبع مستمر على المستوى المركزي» حين يتعلق الأمر بالخصاص الحاد في الأطر التربوية والإدارية، ولا حين يضطر المدير للبحث عن مقعد إضافي لتلميذ وافد وسط أقسام مكتظة تفوق طاقتها الاستيعابية بكثير، خصوصاً في مدن كبرى، مثل الدار البيضاء وسلا حيث بلغ الاكتظاظ حداً يهدد جودة التعلم نفسها.

الوزارة، التي تحاسب على خانة فارغة في «مسار»، هي نفسها التي تتفرج على مدير يشتغل دون حراس أو أعوان، وعلى أقسام مكدّسة بالتلاميذ تفوق كل معقول، وعلى بنية تحتية متهالكة في كثير من المؤسسات. هذا هو جوهر المشكل: وزارة تتقن ضبط التفاصيل الصغرى وتُحكم قبضتها على المؤشرات الرقمية، بينما تتنصل من مسؤوليتها في معالجة الاختلالات الكبرى التي تصنع الانقطاع المدرسي أصلا، قبل أن تُلقي بكامل العبء على من هم في الميدان.

 

بيروقراطية السلطة العمودية

 

اللافت أن المراسلة نفسها تعترف، ضمنياً، بأن المشكل تقني وتنظيمي وليس «تقصيراً متعمداً»: فهي تشير إلى أن «النتائج التي أفرزتها المؤشرات اليومية المستخرجة من منظومة «مسار» من طرف المصالح المركزية المختصة بالوزارة أظهرت ضعفاً ملحوظاً في نسب مسك وتحيين معطيات تغيبات التلميذات والتلاميذ». وهي، رغم كل هذا الوعيد، لا تتحدث عن نظام حديث العهد يحتاج تدرجاً في التطبيق، بل عن منظومة «مسار» التي تشتغل بها المؤسسات التعليمية منذ سنوات، ما يجعل تبرير الضعف بصعوبات «الانطلاقة» غير ذي معنى، ويكشف أن العلة أعمق من مجرد إشكال تقني عابر: إما نقص حقيقي في الموارد البشرية المكلفة بالإدخال، أو غياب تكوين مستمر أو تراكم أعباء إدارية تجعل هذه المهمة تُرحَّل باستمرار.

بدل مساءلة هذا الواقع، تختار الوزارة الطريق الأسهل: توجيه اللوم كاملاً إلى القاعدة، وتحميلها وزر اختلالات هي في جزء كبير منها نتاج سياسة مركزية لا تُصغي ولا تواكب. هذا هو جوهر السلطة العمودية: قرار يُتخذ في المكتب المركزي، وتنفيذ يُفرض بالقوة على الميدان وتقييم يُصدر من بعيد دون أي حوار حقيقي مع من يعيشون الإكراهات اليومية.

 

 

أين المدير من كل هذا؟

مديرات ومديرو المؤسسات التعليمية، في هذه الأسابيع الأولى من الموسم الدراسي، غارقون في ملفات أكثر خطورة بكثير من ملء استمارة رقمية: توفير مقاعد للتلاميذ الوافدين، ومواجهة اكتظاظ خانق يهدد بتفريغ العملية التعليمية من مضمونها، وتدبير خصاص مزمن في الأطر وتسوية أوضاع إدارية معقدة لتلاميذ جدد. مطالبتهم، في هذا الظرف بالذات، بتقرير أسبوعي عن «وضعية الإنجاز والتدابير المتخذة» تحت طائلة التقييم والمحاسبة، ليس تدبيراً إدارياً رشيداً، بل هو تعبير فج عن انفصال تام بين من يكتب المذكرات في مكاتب مكيّفة بالرباط، ومن يواجه يومياً واقعاً مدرسياً مأزوماً على الأرض.

الإدارة التربوية الناجعة لا تُبنى بالوعيد ولا بمنطق التخويف، بل بالإنصات ومعالجة الأسباب الجذرية. ومنظومة «مسار»، مهما بلغت أهميتها في رصد الانقطاع المدرسي، لن تتحسن نسب مسكها بمراسلة تُشعر المسؤولين الميدانيين بأنهم متهمون قبل أن يُسألوا عن أسباب تعثرهم — تعثر تصنعه، في جزء كبير منه، وزارة تُحسن توزيع اللوم أكثر مما تُحسن الإصغاء.

 

نقابات التعليم تتهم قضاض بنهج أسلوب التهديد

 

من بين النقط، التي أثارت غضب نقابات شغيلة التعليم، كون المذكرة المذكورة حملتهم المسؤولية الكاملة في مراقبة وضبط الغياب مع التهديد بأن أي تأخر أو امتناع عن تفعيل هذه الآلية ستتم مواجهته بالصرامة والتتبع المركزي الدقيق، في إشارة إلى إمكانية تفعيل إجراءات إدارية، سيما عندما أشارت المذكرة الوزارية المعنية، إلى أنه: «ليس هناك من مبرر أو سبب، كيفما كان نوعه يجعل الأستاذات والأساتذة ومديري ومديرات المؤسسات التعليمية والأطر الإدارية الأخرى المعنية، يتأخرون أو يمتنعون عن المسك اليومي لمعطيات الغياب بمنظومة «مسار»، الأمر الذي يحول دون التدخل المبكر لمعالجة حالات الغياب المتكررة باعتبارها مقدمة للانقطاع عن الدراسة، ناهيك عن المخاطر الجسيمة التي قد يتعرض لها التلاميذ بسببها».

واعتبرت المذكرة الوزارية أن المسك اليومي والمنتظم للغياب دون تماطل أو تأخر لا يشكل مجرد إجراء تقني أو عملية إدارية محضة فقط، بل يعد أداة أساسية لتمكين إدارة المؤسسة من الاضطلاع بمهامها الأساسية المتمثلة في ضمان حسن سير الدراسة والنظام داخل المؤسسة، حيث إن مقتضيات المرسوم 376.02.2 أناطت بإدارة المؤسسات التعليمية مسؤولية السهر على حسن سير الدراسة والنظام بالمؤسسة وتدبير شؤون المتعلمات والمتعلمات وتتبع أوضاعهم التربوية والإدارية.

في السياق ذاته راسلت التنظيمات النقابية لشغيلة التعليم، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، حيث عبرت عن رفضها التام لتحويل مسؤولية تربوية ومؤسساتية لا خلاف حول ضرورتها، تتعلق بالانضباط والمواظبة وتتبع المتعلمين، على مدخل جديد للمراقبة والضغط وتحميل أطر الإدارة التربوية تبعات اختلالات «لا تتحكم فيها».

ورفضت النقابات التعليمية تحويل منظومة «مسار» إلى أداة للمراقبة والضغط، مثلما جاء في الرسالة الموجهة من طرف الجامعة الوطنية للتعليم، العضو بنقابة الاتحاد المغربي للشغل، إلى الوزير محمد سعيد برادة، والتي طالبت من خلالها بضرورة عدم اختزال ظاهرة الغياب والانقطاع المدرسي في خانة داخل منظومة «مسار»، حيث لا تمكن معالجة اختلالات بنيوية معقدة بمجرد إلزام الأساتذة بالمسك الفوري لهذه المعطيات، مجملة بعض الاختلالات في الاكتظاظ المهول داخل الأقسام، الخصاص في الموارد البشرية، وكذا في تعدد المهام المسندة إلى الأساتذة والأستاذات، فضلا عن المشاكل المرتبطة بالولوج إلى منظومة «مسار» نتيجة الأعطاب التقنية المتكررة، ناهيك عن ضعف أو انعدام التجهيزات والربط بالشبكة بعدد من المؤسسات التعليمية، خاصة بالمجال القروي.

وفي وقت طالبت نقابة (إ م ش) الوزارة الوصية بالانتقال من منطق التعليمات والمراقبة والضغط إلى منطق التخطيط والتوفير والمواكبة والمسؤولية المشتركة، ووقف أي تحميل تعسفي للمسؤولية للأطر الإدارية والتربوية عن الاختلالات التقنية والتنظيمية، استغربت من تحويل الاختلالات التنظيمية والتقنية المشار إليها، إلى مسؤولية فردية يتحملها الأستاذ أو المتصرف التربوي، إذ اقترحت توفير مجموعة من الشروط قبل ترتيب المسؤوليات، والتي من ضمنها نظام معلوماتي مستقر وفعال، وتوفير تكوين ومواكبة مستمرة، وتحديد دقيق للمهام والمسؤوليات مع تخفيف الأعباء الإدارية عن رئيسات ورؤساء المؤسسات التعليمية.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى