
بقلم: خالص جلبي
بهذه الكلمات الكل باطل وقبض الريح في سفر الجامعة داوود من العهد القديم نقلت لنا أيضا رؤى كئيبة عن العبثية والملل في هذا الوجود، في حين الذي ينقلنا القرآن إلى وسط مشرق رائع عن داوود الذي ينسجم مع الكون في صلاة مشتركة (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب) سورة ص ـ الآيات 18ـ 20، في حين الذي يرى القرآن الحياة هي الجدة، والجدة تعني كل يوم شيئا جديدا (كل يوم هو في شأن)، وبذا تمتزج جدلية الحياة بين الثابت والمتغير، بين الجامد والمتحرك، بين القديم والجديد.
كذلك نقلت لنا أبيات رباعيات الخيام طرفا من العبثية والملل وعدم الفهم والحيرة ـ والتعاسة بالوقت نفسه ـ لفهم هذا الوجود:
أحسن في نفسي دبيب الفناء ولم أصب في العيش إلا الشقاء
يا حسرتا إن حان حيني ولـم يتـــــــح لفكري حل لغز القضاء
تـــــــــروح أيامي ولا تغتدي كما تهب الريــــــــــح في الفدفد
وما طويت النفس هما علــى يومين: أمــــس المنقضي والغد
غدا بظـهر الغيب واليوم لــي وكـــــــم يخيب الظن في المقبل
ولســــــت بالغافل حتـــى أرى جمــــــــــــــال دنياي ولا اجتلي
سمعت في حلمي صوتا أصاب ما فتـــــــــق النوم كمام الشباب
أفق فإن النــــــوم صنو الردى واشـــرب فمثواك فراش التراب
سأنتحي الموت حثيث الورود وينمحي اسمي من سجل الوجود
هات اسقنيها يا مني خاطري فغاية الأيام طـــــــــــــول الهجود.
وهذا فالكل ينهل من نفس المعين ويعب عن نفس الخواء.
إلا أن النظرة العلمية القديمة (المادية العلمية) هي في طور الانقلاب اليوم بشكل ثوري.
إن هذا التوجه العلمي الذي بدأ في أوروبا، قبل ثلاثة قرون، أتى أكله في كل ميدان في الوقت الحاضر في صور ليست وردية في كل ميدان. ولكن كيف ترى النظرة المادية القديمة الوجود؟
الكون مادة، والعقل إفراز ثانوي للدماغ، ولا حكمة وراء الطبيعة، وكل شيء يمكن تفسيره بلغة المادة؛ فلا غرابة إذن من هذه النتيجة؛ إن لا خالق في الكون، والكون يخضع للمصادفة و(الضرورة!) والاندثار والفناء يلف الوجود الإنساني؛ فلا عقل، ولا إرادة حرة. لا حياة أخروية ولا برمجة في الكون ولا غاية؛ بل يخضع الكل للعبثية، بل حتى الجمال هو غير موضوعي، بل نحن اخترعناه!
لا غرابة إذن عندما درسنا الطب في الفيزيولوجيا لنقرأ نصف الآية (وجعلنا من الماء كل شيء حي)، بدون أن نصل إلى نهاية الآية الذي هو بيت القصيد كما يقال (أفلا يؤمنون).
الإسلام أراد (العلم النافع)، أي هو ذلك العلم الذي له غاية ونهاية وخلق (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، ومن هنا نفهم عمق الحديث (لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم الذي لا ازداد فيه علما يقربني من الله تعالى). الإسلام يريد العلم الغائي الذي يقرب إلى الله تعالى. يريد من الطبيب أن يخشع قلبه مع نبض الشرايين، وضخ الدم وإفراز الهورمون، وتفاعل المعدن، وترابط الجزيئات.
يريده أن يتأمل ويتأثر بين إفراز الكبد الأصفر، ودم الشريان الأحمر الزاهي الناصع الفاقع. بين عمل الجهاز العصبي، وتوتر العضلات، وتماسك الأربطة. بين تسبيح الخلايا، ودمدمة النورونات، وتألق العصبونات وضخ القلب، وزخم الأفكار من الدماغ.
هنا جندت نفسي لهذه الرسالة منذ قرابة نصف قرن، لاكتشاف هذا الفضاء المعرفي الرحب، وهذه العلاقات المقدسة الناشئة، بل وهذا المنجم ذي الخامات المجهولة حتى الآن، في معرفة طبيعة مبتكرة لترابطات غير مسبوقة، لصياغة عجينة جديدة، ورحيق عذب نغذي به شبابنا لاقتحام تيارات المعاصرة، وولوج عواصف الحداثة، حتى يبدأ الضغط الدموي للجسم الإسلامي بالارتفاع من وضع الصدمة، وحتى يمكن جس نبض الحياة وهو يضرب في عروقه، ونرى تورد الوجنات يعلن العافية الطيبة، والفعالية تدب في الجسد الذي عانى من مرض القرون.
إن العلم الجديد منذ مطلع القرن العشرين مر بسلسلة من الثورات والتحولات المثيرة، بحيث تغيرت صورة العالم القديم والفكر القديم، وحالة العلم اليوم ليست سرعة، بل تسارع؛ فهناك تدفق مخيف لكم المعلومات، بحيث إن هناك انقلابا نوعيا مع كل تراكم كمي، على الشكل الذي شرحه العلامة ابن خلدون قديما (أن التراكمات الكمية تقود في النهاية إلى تغير نوعي)، وهو انتباه رائع دشنه في القرن الثامن الهجري، عندما كانت الحضارة الإسلامية تدخل طور النوم واللا فعالية.
لقد تمت اختراقات رائعة ومذهلة لفضاءات جديدة قام بها العقل الإنساني، بعد أن بدأت الحضارة الإنسانية تدخل طورا جديدا؛ فلم تعد أوروبية أو صينية، وهذا كان تدشينا هائلا وصلت إلى أعتابه البشرية، وهي تؤمن اليوم أن السلاح النووي المشؤوم الذي توصلت إليه أمريكا في ما سبق في مختبر (لوس ألموس) لم يكن أمريكيا محليا، بل كان نتاجا عالميا بالدرجة الأولى، حيث عمل في المختبر تيللر الهنغاري، وفيرمي الإيطالي، وكيستايكوفسكي الأوكراني، وأوبنهايمر الأمريكي، وفوكس الألماني إلخ…
لكن العلم منذ أن كتب راسل كلماته التي أوردها سابقا في عام 1902، مر بسلسلة مثيرة من الإنعطافات النوعية، حيث وجهت ضربات مزلزلة إلى النظرية المادية القديمة، وكانت الأولى إلى المعقل الرئيسي حقل الفيزياء على أيدي مجموعة من رواد القرن العشرين، مثل أينشتاين ونيلز بور وهايزنبيرغ وأوتو هان وكارل فريديك فون فايتسكر وهانس بيته وأوبنهايمر وهنريكو فيرمي ولورانس وإدوارد تيللر وعشرات سواهم، حيث تم وللمرة الأولى في تاريخ الجنس البشري الدخول إلى فهم أعمق للذرة، وبالتالي المادة والوجود المادي.
نافذة:
العلم الجديد منذ مطلع القرن العشرين مر بسلسلة من الثورات والتحولات المثيرة بحيث تغيرت صورة العالم القديم والفكر القديم وحالة العلم اليوم ليست سرعة بل تسارع





