مغاربة جاوروا الموت بمعتقلات النازية سنة 1943
بشهادة سكان قرى هولندية مجاورة للمعسكرات المرعبة

يونس جنوحي
الهولنديات ناضلن من أجل إطلاق سراحهم، والألمان أنكروا أن يكونوا قد مارسوا أي تجاوزات في حقهم، بينما الأرشيف الفرنسي «قفز» على سيرتهم.
إنهم جنود مغاربة في صفوف الجيش الفرنسي، حملوا السلاح من أجل فرنسا، ووقعوا أسرى لدى الجيش النازي.
قرى هولندية، كان سكانها جيران هؤلاء الجنود المغاربة الأسرى لدى النازية، ووثقوا لمعاناتهم، ومأساتهم، بحروف اختلط فيها الدم بالدموع، ونشأت بين الفريقين مودة كبيرة، رغم السياج والأسلاك الشائكة التي ضربها الألمان بين الأسرى «الكوم» وبين الهولنديين.
مغاربة معسكرات النازية السرية في قلب قرى هولندا الهادئة
عندما بدأ المغاربة يتركون بصمتهم في نتائج الحرب العالمية الثانية، خصوصا بعد معارك ماي 1940، شرع الألمان في التصدي لمن كانوا يرون فيهم مقاتلين من شمال إفريقيا، وغير معنيين بنتائج هذه الحرب ولا تداعياتها.
جرى توقيف آلاف الجنود المغاربة خلال عمليات انتصار الألمان في الجبهات.. في كل هزيمة تضرب الجيش الفرنسي، كان هناك معتقلون وموقوفون مغاربة في مناطق طوقها الألمان وأعلنوا استيلاءهم عليها.
أصبح الألمان ما بين 1941 و1943 إلى حدود الربع الأول من سنة 1944، أمام مشكل توزيع هؤلاء الأسرى المغاربة. نتحدث عن مصير أكثر من 9000 جندي مغربي، جرى توقيفهم على مراحل، ووزعوا على عدد من مخيمات الاحتفاظ بالأسرى.
أغلب هؤلاء الأسرى وزعوا على منطقة الجنوب الغربي الهولندي، خصوصا في مناطق «بورسيل» و«فليسنگن».
هؤلاء الأسرى وزعوا على القرى، وأجبروا على العيش في مخيمات اعتقال أقيمت خصيصا لإيوائهم. وفي بعض القرى تم السماح لبعضهم بمخالطة السكان الهولنديين الأصليين، الذين وجدوا أنفسهم تحت سيطرة النازية.
أقيمت الأسلاك الشائكة لفصل مخيمات الاعتقال عن الحقول ومنازل القرويين، وأجبر الجنود المغاربة على البقاء خلف الأسلاك الشائكة، لأكثر من عامين، وفي حالات قليلة سُمح لبعضهم بالتنقل نهارا في حدود القرية، وتوعد الألمان من يخالف التعليمات بالإعدام رميا بالرصاص.
قرية «فلينسگن» شكلت نواة أقام فيها 800 جندي مغربي، تم توجيههم لممارسة أعمال الزراعة، لتأمين الخضروات لثكنة الجنود الألمان القريبة من المنطقة. وفرضت عليهم حراسة مشددة، لم تخف وطأتها إلا مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية.
من بين التجارب الإنسانية التي سجلها أهالي قرى هولندا التي كانت قريبة من مراكز الاعتقال، مبادرات لنساء قرويات، شرعن في حياكة ألبسة صوفية لتقي الأسرى المغاربة برد الشتاء. وهي مبادرة أطلقتها نساء هولنديات تحدين جنود النازية، وعندما تم اكتشاف المبادرة، عوقب أهالي القرية بتطويقهم بالأسلاك الشائكة بدورهم، ومنعهم من مغادرة قراهم صوب اتجاهات أخرى. وجمعت الملابس الصوفية التي تمت حياكتها من أجل المغاربة، في ساحة في قلب القرية، وأحرقت أمام أنظار الجميع، وتوعد الألمان كل من يساعد الأسرى المغاربة بأشد العقوبات.
ظل هؤلاء الأسرى المغاربة إلى حدود نهاية 1943 يقيمون في ظروف عصيبة، وأجبروا على عدم مغادرة المنطقة، واقتسموا مرارة التجربة مع سكان القرى، إلى درجة أن الأسلاك الشائكة التي كانت تفصل المغاربة عن سكان القرى، لم تكن تقسم الواقع الموحد الذي يعيشونه جراء عقوبات النازية على عموم المناطق التي توسع فيها الجنود الألمان.
أمعن الألمان في احتقار الأسرى المغاربة، إذ كانوا يجبرون أهالي القرى الهولندية على الاصطفاف كل مساء أمام منازلهم وحقولهم، لمشاهدة الأسرى المغاربة وهم يعودون من الحقول مساء، حيث يمارسون الأعمال الشاقة منذ الفجر إلى غروب الشمس. وبحسب الأرشيف الهولندي الذي يوثق لهذه المرحلة، فإن حالات التعاطف التي سجلها الهولنديون مع هؤلاء الجنود المغاربة الأسرى، قابلها الألمان بأشد العقوبات. ففي قرية «كوديكيرك» الهولندية، في الجنوب الغربي دائما، أقدمت سيدة مسنة على نثر الورود في طريق المجندين المغاربة العائدين من الاعمال الشاقة في الحقول، فعاقب الألمان كل أهالي القرية بفرض حظر التجوال، وتفتيش المنازل بحثا عن أي مساعدات قد يقدمها الأهالي إلى الجنود المغاربة الذين وقعوا في الأسر.
تضارب في الروايات.. هل ارتُكبت فظاعات ضد مغاربة الحرب العالمية؟
الألمان يقولون إنهم لم يمارسوا أي تعذيب في حق الجنود المغاربة الأسرى المشاركين في الجيش الفرنسي، خلال الحرب العالمية الثانية.
بينما باحثون ألمان وثقوا شهادات جنود مغاربة شاركوا في الحرب العالمية، ووقعوا في الأسر، وقالوا إنهم اعتُبروا أسرى حرب، واحتفظ بهم الألمان في معسكرات خاصة، وأطلق سراحهم قبيل نهاية الحرب العالمية.
بينما سجل الهولنديون، خصوصا المؤرخين المهتمين بتاريخ المناطق الهولندية التي بسطت فيها النازية نفوذها سنة 1943، وقوع تجاوزات خطيرة راح ضحيتها هؤلاء الأسرى المغاربة.
الأرشيف الفرنسي العسكري سجل حالات اختفاء جنود مغاربة، دون أي عناء للنبش في مصيرهم، واعتبروا وكأنهم أرقام خسارة في معركة من معارك الحرب الطاحنة التي غيرت ملامح أوروبا.
تحكي مؤرخة هولندية اسمها «فرانسينا تانهوف» عن أرشيف الرواية الشفهية لبعض سكان قرى هولندا، التي كانت قريبة من معسكرات النازية التي كان الجنود المغاربة محتجزين داخلها، وذكرت أن بعض الأهالي أبانوا عن تضامن كبير مع الأسرى المغاربة، وكانوا شهودا على معاناتهم، حتى أن بعض الشابات الهولنديات كن على استعداد للزواج بأسرى مغاربة، مقابل نيلهم حريتهم.. وهو ما لم يكن ممكنا طبعا، إذ
إن النازيين ظلوا مطبقين بكل ثقلهم على ملف هؤلاء الأسرى المغاربة، ولم يسجل انفراج يهم وضعهم، إلا بعد أن تداعت النازية وألحقت بها الهزائم في الأشهر الأخيرة للحرب.
الألمان يقولون إن الجنود المغاربة لم يسجنوا فوق التراب الألماني ولا في المعسكرات، وإن أغلبهم أطلق سراحهم فور استنطاقهم واتضاح أنهم ليسوا معنيين بالحرب، وإنما مشاركون فيها في إطار تطعيم فرنسا لجيشها بمجندين من شمال إفريقيا.. ولكي تعطي النازية مصداقية لروايتها، فقد قدمت حالات جنود مغاربة طلب منهم الألمان العودة من حيث أتوا، ونقل رسالة إلى الجيش الفرنسي وإلى زملائهم المغاربة، مفادها ألا يحملوا السلاح في وجه الجيش النازي مجددا.
بينما شهادات أخرى، توثق لفظاعات إنسانية، ضحاياها جنود مغاربة من «الكوم» وجدوا أنفسهم في قلب العاصفة.
معسكر «زيلاند».. الشاهد الهولندي على مأساة «الكوم»
لم توجه ألمانيا النازية كل الأسرى المغاربة صوب معسكر واحد، لكن أكثر الجبهات التي استغلها الألمان للإبقاء على الأسرى المغاربة «الكوم»، كانت في هولندا. وبالضبط في منطقة «Zeeland»، جنوب غرب هولندا.
حتى أن سكان هذه المنطقة الذين عاشوا فترة الحرب العالمية الثانية يتذكرون تفاصيل الحرب ومشاهد اقتياد الأسرى المغاربة نحو مخيم اعتقال تم إنشاؤه خصيصا لاحتواء آلاف الجنود المغاربة الموقوفين، على خلفية معارك صيف 1943.
مواطنة هولندية، من جيل الحرب العالمية الثانية، واسمها «مارگا فان ديك»، كانت قد وثقت لتجربتها مع المعتقلين المغاربة، وذكرت اسم جندي مغربي كان سكان قريتها الهولنديين ينادونه بـ«نيمبو»، بعد أن تعذر عليهم نطق اسمه المغربي الأصلي..
تقول هذه المواطنة الهولندية إن الجنود المغاربة أجبروا على العمل في الحقول، وكانوا محظوظين لأنهم لم يُسجنوا وفق ظروف النازية القاسية، وتم توجيههم نحو الأشغال الفلاحية، وهو ما كانوا بارعين فيه بشهادة هذه السيدة دائما.
تصف «مارگا» الجنود المغاربة بالقول إنهم كانوا تعساء، «تسيطر الكآبة على ملامحهم طيلة اليوم والليلة»، ورغم محاولات بعض السكان التخفيف عنهم بدعوتهم إلى تناول الطعام في أوقات الاستراحة من العمل في الحقول، إلا أن أغلبهم ظلوا انطوائيين طيلة مدة اعتقالهم، والتي اقتربت من السنتين.
هؤلاء الأسرى شاركوا أيضا في مشروع ألمانيا النازية القاضي ببناء جدار عازل يقسم أوروبا، وهو المعروف باسم مشروع «جدار الأطلسي»، وأجبروا على العمل ساعات متواصلة، في ظروف قاسية للغاية، واستمر عملهم لأكثر من سنة، لم يستفيدوا خلالها من أي يوم راحة.
الهولنديون ذكروا أيضا أن بعض الذين ماتوا خلال مرحلة الأشغال، جرى التخلص من جثامينهم بكل قسوة، دون أي طقوس دفن، وأقبروا مباشرة عبر الإلقاء بجثامينهم في أساس الجدار.
ورغم ثناء الهولنديين على قوة المغاربة الجسمانية، إلا أن الألمان النازيين تعاملوا معهم بقسوة شديدة، واستنزفوهم في أشغال شاقة طيلة مدة احتجازهم.
وحتى عندما تم الإعلان عن بداية هزائم النازية، وتخفيف حدة الحراسة المضروبة على الأسرى المغاربة، شرع بعضهم في المغادرة بهدوء، بل إن «مارگا» تقول إنها تستحضر مشاهد من طفولتها لجنود مغاربة من الأسرى كانوا يودعون الأهالي ويطرقون أبواب منازل سكان القرية الصغيرة وتوديع سكانها، بل إن بعضهم ظلوا يتبادلون الرسائل لسنوات مع العائلات. وبفضل تلك الرسائل علم الهولنديون أن الكوم المغاربة عاشوا لفترة في فرنسا، بعد نهاية الحرب العالمية، ومنهم من رحل إلى المغرب بشكل نهائي.
شهادة الهولندية «مارگا فان ديك» تبقى واحدة من الوثائق التاريخية النادرة التي تسجل وتوثق لقصة الأسرى المغاربة في معتقلات النازية، ولو أنها ليست أسوأها، إذ إن بعض القصص تحمل من التفاصيل الأليمة ما يصعب فعلا تصديقه.
عشرات آلاف المغاربة سجلهم الأرشيف وفُقدوا في الميدان
في خريف العام 1940 توصل قسم الشؤون العسكرية في مقر الإقامة العامة الفرنسية بالرباط ببرقية مقتضبة، مكتوبة بلغة جافة تخبر بتحويل فرقة عسكرية بأكملها، مكونة من المغاربة، إلى مخيم من مخيمات الاعتقال.
البرقية كانت تحمل العنوان الآتي: «بشأن ملف الجنود الموقوفين من طرف النازية».
كان الجو العام في الرباط، لا يعكس الترقب الذي اعتمل في نفوس الذين وقعوا أسرى لدى الألمان. خصوصا وأن الموقوفين لم يكن بينهم فرنسيون، وجرى الحديث في أوساط المعارضة الفرنسية وقتها عن «تقديم جنود شمال إفريقيا» أكباش فداء في الخطوط الأمامية.
لكن ما وقع حينها، بشهادة كبار العسكريين الفرنسيين، أن الفرقة المكونة في أغلبها من المجندين المغاربة، أبانت فعلا عن استماتة كبرى في الخط الأمامي لصد تقدم النازية، لكن كمينا محكما طوقها، وسهل على الألمان اعتقال أفرادها.
الوثيقة الفرنسية لم تذكر عدد الموقوفين المغاربة، لكن بعض المصادر من الأرشيف الهولندي والألماني والفرنسي تحدثت عن توقيف أعداد كبيرة من الجنود المغاربة، تفوق أعداد الموقوفين منهم خلال الحرب العالمية الأولى.
يكفي أن نعلم أن المغاربة المفقودين خلال الحرب العالمية الأولى بلغ الآلاف. قُتل 9000 مغربي في الحرب العالمية الأولى بداية 1918، لم تحسم فرنسا في موضوع جثامينهم، وسجلت أغلبهم في عداد المفقودين، ولم تتسلم رفاتهم، وإنما دفنوا في مقابر جماعية في الجبهة. بينما أصيب 17 ألف مغربي بجروح.
المصادر الفرنسية تؤكد أن أعداد المجندين المغاربة في الجيش الفرنسي، خلال الحرب العالمية الثانية، يفوق أعداد الذين تم تجنيدهم في الحرب العالمية الأولى.. وهو ما رفع أعداد المفقودين.
المصادر الألمانية تناولت موضوع هؤلاء المغاربة، خصوصا ما سجله المؤرخون الألمان «غرهرد هوب» و«بيتر فين»، و«رينيه فلدنغل»، في مرجع «العرب وألمانية النازية». إذ ذكر هؤلاء المؤرخون، اعتمادا على الأرشيف العسكري للحرب العالمية الثانية، ما ترجمه إلى العربية الباحث محمد جديد:
«وكانت الفرق الثماني التي يتألف منها فيلق الحملة الفرنسية تتضمن 64000 من المغاربة أهل البلد، وكانوا يخدمون في فرقتي مشاة، وفرقتين ميكانيكيتين ولواء فرسان، وفي أربع مجموعات من الكوم كل مجموعة منهم بحجم الكتيبة. وتتألف من ثلاثة طوابير. وبالقياس إلى المحاربين في كتائب المناوشات كانت العودة إلى الحرب تتيح لهم الفرصة لتخليص أنفسهم من الخطيئة ومحو ما لحق ﺑﻬم من الإذلال في عام 1940، أما بالقياس إلى زملائهم من الكوميين فقد كانت هذه العودة تتيح لهم فرصة استعراض مهاراﺗﻬم على مسرح عالمي في حرب جبلية. وبينما كانت الجهود والتضحيات المبذولة من قبل كتائب المناوشات، خلال العامين ونصف العام من الحرب، تضاهي بلا ريب، سجل أسلافهم في الحرب العالمية الأولى، كان يلقي بظلاله عليها في إنجاز الكوم الذين استأثروا بالاهتمام والإعجاب والتقدير، من قبل العدو والصديق على السواء. على أن تعرض الكوم المغاربة، خلال العامين السابقين، لأشد البرامج التي يمكن تنفيذها عمليا في التدريب صرامة، مكنتهم من الظهور في دجنبر 1942 في طليعة جبهة الجيش الفرنسي الذي تجدد شبابه، وراء البحار وكانوا من أولى الوحدات التي تقرر إرسالها إلى تونس، حيث أبلوا بلاء حسنا في القتال ضد القوات المسلحة الألمانية النظامية على الرغم من معداﺗﻬم ذات الطراز القديم. ولقي أداؤهم في أثناء معركة بيرزت أبريل 1943 ثناء عظيما من قبل القيادة العليا للحلفاء التي باتت تنظر إلى الكوميين على أنهم قوات جبلية متمرسة ومقاتلون كبارا».
«كوميون» تجمدوا في صقيع معتقلات أوروبا الشرقية
سماها الألمان حرب الأعوام الثلاثة، في حين أن أيامها السوداء كانت أطول بالنسبة إلى الذين عاشوا فظاعاتها، وبينهم مغاربة بطبيعة الحال.
«العرب وألمانيا النازية»، المرجع الألماني الذي حرك المياه الراكدة لموضوع ضحايا الحرب العالمية الثانية غير الحاملين للجنسيات الأوروبية، وثق لبعض خسارات الحرب:
«حصدت رحلة الأعوام الثلاثة هذه أرواح الألوف من الكوميين، على طول الطريق الدامي من تونس، عبر صقلية إلى كورسيكا، وإلبا، وإيطاليا، وفرنسا وألمانيا، وأخيرا إلى النمسا. وبعد أن خلف الكوم أثرهم الفريد في العديد من ميادين المعارك، سيما إيطاليا، حيث واجهوا بنجاح بعض وحدات القوات المسلحة الألمانية الأكثر شهرة، ودفعوا ثمن شهرﺗﻬم غاليا، إذ قتل أو أصيب إصابة بالغة أكثر من 7500 من الكوميين المغاربة خلال حملات 1943 و1945، ودمرت بعض الوحدات تدميرا كاملا، وأرغمت على العودة إلى المغرب لإعادة بناء قواتها بمجندين جدد».
هناك شريحة أسوأ حظا، اعتقلها الألمان في سياق نفس الحرب التي وثق لها الأرشيف الألماني.. لكن هؤلاء المغاربة، بما أنهم بقوا على قيد الحياة، جرى توزيعهم على خريطة مخيمات النازية في أوروبا الشرقية وحدها وبلغ عددهم 4500 جندي. وأسوأ المعتقلين حظا، وُجهوا إلى مخيمات يحرسها جنود أوروبا الشرقية الموالون لألمانيا، وذاقوا فظاعات برد 1943 وقساوة التعامل. في حين أن بعض «المحظوظين» المغاربة جرى الاحتفاظ بهم في مخيمات أقل سوءا، بل وتم تسريح بعضهم مقابل ألا يعودوا إلى القتال ضد الجيش الألماني.
أما الذين ذاقوا ويلات معتقلات أوروبا الشرقية، فقد مات بعضهم دون أن يحظوا بأي فرصة للعودة والحديث عما عاشوه من فظاعات.. فيما شكل الناجون الذين أفرج عنهم نهاية 1944، عبئا على الإدارة الفرنسية.
كان الألمان قد أخطروا فرنسا أنهم يحتفظون بأسرى حرب من الجيش الفرنسي، من قوات «الكوم»، لكن بدا واضحا أن فرنسا لم تتعامل مع ملفهم بجدية، كما أنها لم تول أهمية لحالتهم الإنسانية، علما أنهم كانوا يقاتلون من أجل فرنسا، إلا أن المسؤولين العسكريين الفرنسيين كانوا مشغولين أكثر بملفات الجنود الفرنسيين الذين راحوا ضحية الحرب.
عندما ظهر أن هؤلاء الأسرى المغاربة بقوا على قيد الحياة طيلة فترة أسرهم، شكل ملفهم عبئا حقيقيا على المؤسسة العسكرية الفرنسية، وأدمج أغلبهم مع «الكوم»، الذين تم تكريمهم بعد حسم الحرب لصالح الحلفاء. لكن شريحة عريضة منهم، ودعوا الحياة العسكرية بمجرد مغادرة معتقلات النازية، وعادوا إلى المغرب وفضلوا طي الصفحة. وبعض هؤلاء شكلوا هدفا لباحثين فرنسيين متخصصين في التوثيق لمرحلة الحرب العالمية الثانية، وسجلوا معهم شهادات عن نجاتهم.
ناجٍ من الحرب: «كنا مكبلين مع موتانا بالسلاسل»
في سنة 1963، أصدرت الباحثة الأمريكية من أصول هولندية «د. كاثرين هازالد» – توفيت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1981- بحثا قيما عنوانه: «جنود شمال إفريقيا في جبهات الحرب». وتناولت شهادة ناج مغربي تمكنت من محاورته خلال إعداد أطروحتها في التاريخ المعاصر، ونقلت عنه ما يلي:
«لقد اعتقلونا لشهرين، دون أن نرى ضوء النهار. كانوا يتحدثون معنا بالألمانية ويضربوننا بالعصي، ويتولى ألماني معهم الحديث إلينا باللغة العربية، ويسألنا لماذا نقاتل مع فرنسا واسم قائدنا، وكم لدينا من العتاد في القاعدة. وهذه أسئلة كلها لم نكن نملك لها جوابا.
في بداية الشهر الثالث لاعتقالنا، قالوا لنا إننا في منطقة هولندية، تحيط بها الغابات من كل جانب. البرد كان قارسا للغاية، وكانوا يصبون علينا الماء البارد صباحا، ويوجهوننا نحو قاعات مغلقة، ونمكث فيها أحيانا طوال النهار، ولا نغادرها إلا في المساء. وأحيانا أخرى كانوا يستنطقوننا ويطلبون منا أن نريهم على الخريطة أماكن وجود القواعد الفرنسية، لكننا لم نكن نعلم أي شيء.
ذات يوم أحضروا لنا طاولات، وشرعوا يعلموننا كيفية كتابة الحروف اللاتينية، وطلبوا منا أن نكتب رسائل، ثم جمعوا الأوراق ولم يطلبوا منا أي شيء مجددا.
بسبب ظروف الاعتقال والإهانة، توفي بعض رفاقنا، وظلت جثامينهم مكبلة معنا بالسلاسل. ورغم صراخنا وتوسلنا لكي يفكوا وثاق الموتى، فقد تركوهم معنا لأيام، قبل أن يأتوا ذات ليلة ويفكوا وثاق ثلاثة إخوة لنا ماتوا بسبب البرد، وينقلوا جثثهم الزرقاء إلى الخارج. دفنوهم، رغم أننا طلبنا منهم أن يتركوا لنا المجال لتغسيلهم ودفنهم وفق الطريقة الإسلامية.
في إحدى الليالي، ومع وفاة خمسة رفاق آخرين لنا، اشتبهوا في أن يكون هناك مرض معد قد بدأ ينتشر في صفوفنا، فقاموا برشنا بشكل جماعي بالمبيدات، وجراء ذلك توفي اثنان منا اختناقا.
عندما أفرجوا عنا، كنا نعاني هزالا شديدا، ونقلونا عبر الشاحنات إلى منطقة لا نعرف اسمها، وأطلقوا سراحنا لكي نجد أنفسنا في قرى فرنسية، ومن هناك تسلمنا المسؤولون وغادرنا نحو بلادنا».
هذه الشهادة، رغم أنها تفتقر إلى الدقة في المعطيات ولم تحدد تواريخ أحداثها ومراحلها بشكل مضبوط، إلا أنها تعري واقعا اعترف به النازيون أنفسهم في أرشيفهم العسكري. إذ إن وثيقة ألمانية اعتبرت المجندين المغاربة محظوظين، لأنهم لم يكونوا موضوع مذكرات أمر بتنفيذ إعدامات جماعية، مثل ما حدث لبعض الجنود الفرنسيين. الألمان اعتبروا أن المجندين المغاربة ليسوا معنيين مباشرين بالحرب، رغم أنهم مشاركون فيها، ولم تنفذ في حقهم عقوبات عسكرية. هذا «الامتياز» الذي تحدثت عنه وثائق النازية، يعتبر فعلا استثناء، بحكم أن الأحكام التي أصدرها النازيون ضد أسرى الحرب، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت قاسية فعلا.
وثق الألمان لشهادات أخرى، تصف أجواء اعتقال هؤلاء الجنود المغاربة على يد الجيش النازي، منها ما نقله الباحث الألماني «غرهرد غوب»، نقلها من أرشيف الوثائق العسكرية الألمانية، لجندي مغربي سجله الألمان باسم «بوعبيدي»، وجاء فيها: ««أقدم أحد ضباطنا، وهو رائد يدعى بواترو، على الانتحار عندما كنا في بلجيكا، وكان الألمان قد طوقونا، وكانوا متنكرين في صورة شجيرات عندما رآهم بواترو تناول مسدسه وأطلق النار على نفسه، ثم حاول كل منا أن يدافع عن نفسه ويقاتل، واختار بعضهم الهرب. وواصلنا السير في طريقنا عبر بلجيكا، ولست على يقين من المكان الذي كنا فيه عند هذه النقطة، وفي الليل كان هناك ألعاب نارية ودخان، ثم شرعت طائرات كثيرة في القصف، وكان الألمان يقصفون ويدمرون الطرق والجسور والخطوط الحديدية والأنفاق، وكانوا يدمرون كل
شيء، لكيلا يكون الفرنسيون قادرين على التحرك، وأخذ الجند الفرنسيون في خلع حللهم العسكرية، وهربوا.
ووصلنا إلى سانت إتيان، على بعد 700 كيلومتر من باريس، وكان الألمان قد دخلوا باريس. وكان هناك جنرال واحد، وهو آمر الفرقة الثالثة والأربعين، وكانت ذراعاه وساقاه مكسورة. وأمر ضباطه بأن يلقوا أسلحتهم ويستسلموا، ولكن كان معه ثلاثة من الضباط المغاربة، الذين قالوا للجنرال إنهم ليسوا مستعدين للاستسلام، وإن هذا لن يثنيهم عن القتال حتى الموت (..) إن الألمان كانوا يعاملوننا برفق أكثر مما يعاملون به الفرنسيين.
ويظهر جليا بطبيعة الحال الاختلاف الكبير بين الروايتين.. فهل زور الألمان شهادات المجندين المغاربة؟
أطلق عشرات العمليات وجيشه قتل الآلاف في الدار البيضاء والشاوية وسطات:
الجنرال “داماد”.. جلاد قاد إبادة على نصف المغرب
“ محمد ولد الحاج حمو كان هو حاكم الدار البيضاء، وكان حاضرا، بصفته ممثلا لسلطة الدولة، لكي يواجه المد العسكري الفرنسي، لكنه في الحقيقة لم يكن يملك إلا أن ينصاع للواقع الذي فُرض عليه، خصوصا وأن رجال الجنرال داماد قد تقدموا كثيرا في المنطقة. وينقل المراسل الصحفي “رانكين” الذي نقل مجريات حملة الجنرال ضد المغاربة، أن أحد رجال محمد ولد الحاج حمو خاطبه وهو ينظر إلى الصف الأمامي للمعدات العسكرية الفرنسية: “هل سمعت هذه الأصوات يا سيدي. إن هؤلاء النصارى يضحكون علينا لأنهم انتصروا”.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++
رجل الدم الذي اكتسح القرى بالرصاص
لم تكن ملامحه بالقسوة التي تؤهله ليكون رجل المرحلة، لكنه كان كذلك على أرض الواقع المغربي سنة 1908. حيث قاد هذا الجنرال أعنف العمليات العسكرية التي تم شنها ضد المغرب على الإطلاق.
كانت البداية عندما تم تعيينه في المغرب، ولم يكن هو نفسه يعرف شيئا عن المهمة التي يتم إعداده لها. كان مساره العسكري في فرنسا معروفا، كواحد من الذين صرفت عليهم الوزارة أموالا لتكوينهم عسكريا لسنوات. فقد كان يستحق لقب ابن المؤسسة العسكرية عن جدارة، إذ أنه أمضى سنوات مهمة من حياته داخل الثكنات العسكرية في فرنسا، وساهم في تكوين أطر عسكرية استعملت في الجزائر. وبعد السمعة التي راكمها كخبير عسكري في القتال فوق أقسى الجبهات وأوعر التضاريس، لم يكن يتوقع أن تجربته المغربية ستكون مختلفة تماما، وأنه سيكون أمام رصيد ضخم من عمليات القتل التي سترتكبها قواته العسكرية في المغرب.
أما تجربته في المغرب، فقد بدأت مباشرة بعد أن تم ترشيحه في الدوائر العليا في باريس، ليتم إخباره كتابيا، ثم من طرف رؤساءه شفهيا، أنه اختير لكي يقود حملة كبيرة في المغرب لإخضاعه عسكريا سنة 1908 دائما.
وهكذا بمجرد نزوله في المغرب، كانت البرقيات القادمة من باريس تؤكد على ضرورة تخصيص استقبال رسمي كبير للجنرال تمهيدا لبداية اشتغاله على المهمة التي أوكلت إليه، والتي كانت سرية لا يعلم تفاصيلها إلا الجنرال. في وقت كان فيه الملحقون العسكريون في المغرب يعرفون الخطوط العريضة فقط للمرحلة التي تنوي فرنسا تدشينها في المغرب.
جاء الجنرال “داماد” إلى الدار البيضاء. وقد واكبت التايمز وصوله عندما كتبت في أحد مقالاتها أجواء الاستقبال الذي خصص له، وهذا جزء منه: “الدار البيضاء خرجت لكي ترى الوجه الجديد للعسكري الذي أشاع الفرنسيون أنه سيحمل مرحلة جديدة للعلاقات مع المغرب. الجهات الرسمية في المغرب تتعامل معه بتوجس، وخلال الأيام الأولى لوصوله إلى المغرب، لم يتم الإعلان عن أي لقاء بينه وبين المسؤولين المغاربة. في الوقت الذي أعلنت فيه الإدارات الفرنسية بداية الاحتفالات بوصوله بين أفراد الجالية الفرنسية. الدار البيضاء في طور البناء، ويراهن الجنرال في كلمة افتتاحية ألقاها بحضور عدد من الفرنسيين في عشاء أقيم على شرفه في الدار البيضاء قال فيها إنه ينوي أن يجعل الدار البيضاء مكانا أفضل لعيش الفرنسيين وازدهار استثماراتهم، وأنه ينوي متابعة تمديد القوات الفرنسية في المغرب لضمان حرية أكبر للرعايا الفرنسيين أثناء تنقلاتهم.
كان حشد من سكان الدار البيضاء يقفون قرب الميناء، على بعد أمتار فقط من أماكن الاحتفالات التي خصصت لاستقبال الجنرال، وهم يتابعون باستسلام وصول العسكري المكلف رسميا بتحويل مدينتهم إلى مستوطنة جديدة للفرنسيين”.
كانت اللغة التي كتبت بها التايمز مواكبتها الأولى لوصول الجنرال الفرنسي إلى المغرب “حذرة” جدا، خصوصا وأن العلاقات الفرنسية مع الدول الأخرى لم تكن على ما يرام.
سيقول الجنرال داماد كلمته، بعد أسابيع فقط على وصوله إلى المغرب، سيبدأ من الدار البيضاء، ومنها سينشر قواته جنوبا، وغربا، وستعرف مناطق الشاوية ونواحي سطات، مجموعة من الاشتباكات مع الفرنسيين، سيتكبد خلالها المغرب خسائر كبيرة في الأرواح.
مراسل عسكري دوّن مراحل عمليات الإبادة التي جعلت المغاربة يوشكون على الانقراض
اسمه المراسل الحربي “رانكين”. كان يتحدث الفرنسية والإنجليزية بطلاقة. له خبرة كبيرة في تغطية الحروب، وشارك في تغطية عدد من المعارك، إعلاميا لصالح صحيفة “التايمز” الشهيرة، في دول شمال افريقيا والشرق الأوسط.
لكن رانكين قرر أن يكتب، فترة بعد الحرب التي تزعمها الجنرال داماد، كتابا عن مسيرة هذا الجنرال و”إنجازاته ” العسكرية في المغرب.
يقول هذا الصحفي إنه كان مندهشا لحجم خسائر المعارك التي ترأسها هذا الجنرال واستعان في تنفيذها بعدد من العسكريين الفرنسيين. كانت مهمتهم واضحة، وهي إخضاع المغرب عسكريا لصالح فرنسا، قبل توقيع معاهدة الحماية. وهي المعركة التي استمرت حتى بعد 1912 وامتدت إلى ثلاثينات القرن الماضي.
لكن البداية كما خطط لها هذا الجنرال، كانت عنيفة بشكل جعل المراسل “رانكين” يقرر بعد نهاية تجربته في المغرب، أن يكتب عنها كتابا بعنوان “مع الجنرال داماد في المغرب”، كانت بمثابة تقارير ومذكرات عن تلك الحرب السرية التي شنتها فرنسا ضد المغرب جغرافيا وعسكريا. إذ كانت تعمل على رسم خارطة للمغرب مع العمل على وضع قواعدها في مختلف المناطق ليسهل عليها السيطرة لاحقا على الأوضاع.
كان الجنرال حاضرا بقوة في الأحداث، وهو ما جعله يصبح، في الخفاء بحكم سرية مهمته، الرجل الأكثر تداولا في الجلسات المغلقة لممثلي السلطة الفرنسية سواء في باريس أو في الرباط، لأنهم كانوا يدركون أهمية ما كان يقوم به.
يقول رانكين إن المواجهات التي جمعت رجال الجنرال مع “الثوار” المغاربة، كانت عنيفة بشكل لا يصدق، وأن بعض الأجانب الذين رافقوا الفرق العسكرية الفرنسية، اندهشوا لهول الفظاعات التي ارتكبت في قرى صغيرة، كان رجالها يحملون البنادق في وجه المدفعيات، أو عمليات المباغتة الليلية التي لجأ إليها الجنرال كخطة للقضاء على أكبر قدر من “الثوار” وفق تكتيك عسكري متقن، لم يكن المغاربة يعرفون عنه أي شيء.
جرت أحداث كثيرة بعد ذلك، لكن اسم الجنرال “داماد” كان يرن في الآذان، رغم قدوم أسماء أخرى مع مرحلة ليوطي إلى الإقامة العامة. فهؤلاء كلهم، لم يكونوا يستطيعون أبدا إنكار الدور الذي لعبه الجنرال داماد، رغم أن مهامه انتهت في المغرب، بمجرد انتهاء المرحلة التمهيدية التي كان يمثلها.
وبحسب الشهادة التي تضمها هذه المذكرات والتقارير، فإن الدولة الفرنسية قد وضعت رهن إشارة الجنرال مجموعة من أحداث الإمكانيات العسكرية، وهو ما كان يعني وقتها أن فرنسا كانت “تستثمر” عسكريا في المغرب، للتمهيد لمرحلة مقبلة، وكان الجنرال يتوفر على الضوء الأخضر لمباشرة كل عمليات العنف، حسب ما يراه مناسبا، لأن فرنسا ببساطة لم تكن مكترثة لسوء العلاقات مع المغرب ولا مع أي دولة أخرى، بقدر ما كانت تركز على ضرورة إحكام قبضتها على المغرب.
المثير في هذه التجربة، أنها تذكر عمليات الاجتياح التي قام بها الجنرال ولا تنكر عمليات المقاومة التي واجهتها قواته، لكن بالمقابل، تغفل ما سجله التاريخ الرسمي المغربي من عمليات مقاومة أخرى، بالإضافة إلى أن الكتاب بدأ وانتهى سنة 1908، وهو ما يجعله مجرد قطعة من الصورة العامة للأحداث، فما وقع بعد مرحلة هذا الجنرال الذي نحن بصدده، لا يعني أن فرنسا استمرت في حصد الانتصارات، بل واجهت صعوبات كبيرة لإحكام قبضتها على المغرب، واضطرت في كثير من الأحيان، حتى بعد سنة 1912، إلى العودة إلى مرحلة ما قبل الجنرال داماد.
++++++++++++++++++++++++++++++++
لقطات دموية من أعنف إنزال عسكري في المغرب
ليس الجنرال “داماد” هو أول من قام بأعمال عنيفة ضد المغرب باعتباره منفذا لتعليمات عسكرية كان الهدف منها إخضاع المغاربة وإجبار السلطات على قبول الوجود الفرنسي. فقد سبقه إلى هذه العمليات ملحقون عسكريون آخرون، كانت فرنسا ترمي من خلال توظيفهم إلى تعزيز وجودها معنويا في المغرب وبث الخطاب التهديدي الذي سبق معاهدة الحماية.
يقول المراسل الحربي “رانكين” الذي عمل لصالح جريدة التايمز سنة 1908، والذي غطى أغلب العمليات العسكرية التي قامت بها فرنسا ضد المغرب في تلك الفترة، إن الفرنسي داماد كان واحدا من اهم الذين قادوا عمليات عسكرية خصوصا في منطقة الشاوية، وأيضا في نواحي الدار البيضاء ومحيطها.
أغلب المغاربة الذين قاتلوا لصالح فرنسا في الحرب العالمية الأولى وحتى الثانية، كانوا يتذكرون سطوة الجيش الفرنسي وعنف العمليات التي قادها في المغرب قبل فرض الحماية سنة 1912، وكانوا أيضا يقدّرون عنف المعارك، سواء التي عايشوها في المغرب، أو تلك التي كانت فرنسا تنتظر منهم أن يقوموا بها لأجلها، خصوصا في الحرب العالمية الثانية.
كان أغلب الذين قاتلوا لأجل فرنسا في الحرب، أطفالا عندما شن الجيش الفرنسي هجوماته على منطقة سطات وأعلن سيطرته عليها، ونفس الأمر ينطبق على منطقة بونوالة وغيرها من المداشر التي باغتها الجيش الفرنسي، وأخضع رجال القبائل الذين خرجوا لمواجهته.
لم يكن اسم الجنرال داماد، يُنطق منفصلا عن اسم مدينة الدار البيضاء، حتى أن هذا الصحفي الحربي الذي كتب سيرته ومغامراته في المغرب، خصص حيزا مهما في مقالاته للحديث عن مدينة الدار البيضاء التي كان يفضلها هذا الجنرال على غيرها، خصوصا وأنه عاش فترة مبكرة في الرباط، قبل أن يصبح متجولا في نواحي الدار البيضاء ومستقرا بها للتخطيط لعملياته العسكرية.
لنبدأ باسم مهم كان قد احتك بالجنرال داماد. يتعلق الأمر بحاكم منطقة الدار البيضاء. يقول المراسل رانكين إنه كان على اتصال مباشر بالسكان المحليين، وكان يقوم بتغطياته الصحفية لصالح جريدة التايمز البريطانية انطلاقا من الصفوف الأمامية للجانب المغربي، وليس من الجانب العسكري الفرنسي كما قد يتخيل الذين لم يطلعوا على كتابه بخصوص الجنرال. فقد كان هطا المراسل يجمع بالإضافة إلى علاقته الوطيدة بالمسؤولين العسكريين الفرنسيين، علاقات متينة مع ممثلي السلطة في المغرب.
محمد ولد الحاج حمو كان هو حاكم الدار البيضاء، وكان حاضرا، بصفته ممثلا لسلطة الدولة، لكي يواجه المد العسكري الفرنسي، لكنه في الحقيقة لم يكن يملك إلا أن ينصاع للواقع الذي فُرض عليه، خصوصا وأن رجال الجنرال داماد قد تقدموا كثيرا في المنطقة. وينقل المراسل أن أحد رجال محمد ولد الحاج حمو خاطبه وهو ينظر إلى الصف الأمامي للمعدات العسكرية الفرنسية: “هل سمعت هذه الأصوات يا سيدي. إن هؤلاء النصارى يضحكون علينا لأنهم انتصروا”. يواصل رانكين القول إن المجزرة التي ارتُكبت في حق القرويين في منطقة نفوذ ولد الحاج حمو، بدأت في ذلك الوقت عندما كان رجال القبيلة يراقبون الفرنسيين، لتباغتهم قوات الجنرال وتحول المكان إلى ساحة من الجثث المترامية لتعود القوات بعد ذلك إلى الدار البيضاء، للتخطيط مجددا لمواجهة القبائل التي أعلنت العصيان في وجه الجيش الفرنسي. ولم تكن تلك إلا البداية. فعلى بعد كيلومترات قليلة من المكان، نشبت مواجهات أخرى بين قبائل مجاورة، والقوات الفرنسية، سقط خلالها بعض الجنود الفرنسيين، لكن غنيمة الجنرال داماد كانت كبيرة فقد كان مؤسفا أن يموت عدد كبير من المغاربة في مواجهة الجيش الفرنسي مستعملين بنادق تقليدية ومحلية الصنع، في الوقت الذي استعمل فيه الجنرال داماد مدافع ورشاشات فرنسية.
هذا الإنزال الذي تحدث عنه المراسل الحربي رانكين، كان بداية العنف على قرى منطقة الدار البيضاء، ولم تكن قد مضت إلا فترة قصيرة، على القصف الشهير الذي تعرضت له مدينة الدار البيضاء، لذلك كانت أصوات المعدات الحربية التي تملها فرنسا، تعيد إلى الأذهان وقائع ذلك القصف الذي نسف الدار البيضاء، وأسقط القرويين الذين كانوا يمثلون قوة ممانعة كبيرة للوجود الفرنسي في المغرب.
مذبحة يناير قبل مائة سنة.. عندما كان القتلى أكثر من عدد المعطوبين
أرسل الجنرال داماد رجاله إلى منطقة فضالة. يقول المراسل الحربي رانكين، إن هذه القوات أرسلت في منتصف الليل وكان الهدف من هذه العملية العسكرية هو القضاء على بعض المقاتلين المغاربة، بعد أن توصل الجنرال بإرسالية مفادها أنهم قد استقروا في نواحي فضالة إعدادا لرد على العمليات التي كانت قوات الجنرال تقوم بها في المنطقة.
وسرد هذا المراسل الحربي بعض المعلومات التي حصل عليها من موظفي الجنرال داماد، والتي تعتبر رسمية، مفادها أن الجنرال خصص أزيد من 10 جندي في منطقة الشاوية وحدها. كان هذا في يناير سنة 1908. وفي أبريل من نفس السنة رفع العدد إلى 14 ألف جندي. وأشار التقرير الذي نشره رانكين إلى أن الجنرال داماد كان يتوفر أيضا على الخيول، ووزعها على قواتها لتسهيل التنقلات في مناطق المواجهات، دون إغفال تخصيص لأعداد كبيرة من المسدسات التي كانت حديثة الصنع، بالإضافة إلى ذخيرة مهمة وأخرى احتياطية، استعملت كلها في المواجهات مع المغاربة، لإخضاع المغرب قبل 1912.
لكن أكثر الإشارات إثارة، تلك التي تتعلق بفرقة “صيادي افريقيا” والتي قال إنها كانت تتكون من أمهر القناصين في الجيش الفرنسي، وكانت مهمتهم هي القضاء على المقاتلين المختبئين قبل مباغتتهم للقوات الفرنسية.
تفصل هذا المراسل الخبير بالحروب والمعدات العسكرية، في أصناف القوات التي كانت تحت تصرف هذا الجنرال سنة 1908. وقال إن صنفا خاصا من العسكريين الفرنسيين اشتغلوا لعامين متواصلين في عمليات لم تتوقف لإخضاع عدد من المناطق، وكانوا يشاركون منفصلين، بزي يميزهم عن باقي عناصر الجيش الفرنسي، وبدا أن التدريب الذي خضعوا له في فرنسا، جعلهم يشتغلون وفق تكتيك عسكري مختلف تماما عن تحركات الجيش العادي.
بالإضافة إلى الاستعانة ببعض المجندين من افريقيا، والذين استعملوا في مناطق معينة وتم إبقاؤهم فيها، لكن الواضح أن وجودهم اقتصر على مرحلة معينة في ذلك الوقت الذي سبق معاهدة الحماية، ليتم التركيز على القوات الفرنسية التي قادها الجنرال داماد. ويقول رانكين إن هؤلاء الجنود المنحدرين من السنغال، كانوا السبب المباشر لمشاركة السينغاليين في ما بعد في بعض الحروب الأخرى إلى جانب الفرنسيين، وأن وجودهم في سنة 1908 بالدار البيضاء خلق فضولا كبيرا وتساؤلات عن طريقة استقدامهم وتدريبهم واستعمالهم في المغرب، في وقت كان فيه الجنود الفرنسيون في البلاد يقدر بعشرات الآلاف.
120 جزائريا “متطوعا” حاربوا في صفوف قوات الجنرال داماد
ربما يكون الأمر يحمل كثيرا من الحساسيات. لكن تقرير المراسل الحربي رانكين يعترف بأن فرنسا وظفت 120 مواطنا جزائريا، أطلقت عليهم اسم “الكوم” وقال إنهم متطوعون في الجيش الفرنسي تمت الاستعانة بهم داخل الجيش، ليس فقط لتسهيل التواصل مع المغاربة ولكن أيضا للقتال، فقد كانوا مزودين بالبنادق والأسلحة، ولعبوا أدوارا في عمليات الاقتحام وحتى في الاعتقالات التي طالت المتمردين، حيث كانوا يتولون الترجمة لصالح الفرنسيين بفضل إتقانهم للغتين العربية والفرنسية.
120 فردا يبقى رقما صغيرا مقارنة مع عدد الجنود الفرنسيين الذين اشتغلوا في عمليات الإبادة في حق عدد من المداشر والقبائل المغربية، لكن توزيعهم كان محكما حتى يتم استعمالهم في التواصل بحكم التقارب بين المغرب والجزائر وحديثهم نفس اللغة وانتمائهم لنفس الثقافة.
كان هؤلاء الجزائريون مستهدفين من طرف “الثوار” لكنهم في المقابل كانوا محميين جيدا من طرف قوات الجيش الفرنسي لضمان استعمالهم جيدا. كان يطلق عليهم لقب “المرتزقة” لأنهم كانوا يشتغلون في صفوف الجيش الفرنسي لأنه يدفع لهم أجرة شهرية وامتيازات مالية وعائلية في حال عودتهم سالمين إلى الجزائر، أو إلى فرنسا. لكن في سنة 1908، كانت فرنسا قد وعدتهم بجوائز مالية عن كل العمليات التي ساهموا فيها، وفي الحالات التي نجحوا فيها في استنطاق المعتقلين لمعرفة معلومات إضافية عن مناطق احتماء “الثوار” من الهجومات التي شنها الجيش الفرنسي.
هذه العمليات جعلت المغرب يعرف تغيرات كبيرة في السلطة، منذ أبريل. ويقول المراسل العسكري إن منطقة “الزيايدة” التي كانت تابعة لواحد من أهم رجال المخزن وزعيم قبيلة واسعة الانتشار عدديا، أصبحت تابعة لسيدي بن سليمان، في حين أن “المذاكرة” و”مزاب” أصبحوا تابعين لقصبة بن أحمد، بينما “المزامزة” أصبحوا تابعين لمنطقة سطات بالإضافة إلى قصبة بلعياشي.
كانت هذه القرى، تجمع عددا مهما من الرجال الذين كانوا في مواجهة الفرنسي، وقد تم الانتقام منهم بطريقة دموية، حتى أن فرنسا اتهمت تاريخيا بالمبالغة في استعمال قواتها في عدد من المناطق. وهذا الأمر تزكيه تقارير المراسل العسكري، حيث ذكر أن عددا كبيرا من الجنود كانوا ينتشرون في مناطق لم يكن بها مقاتلون مغاربة، وهذا الأمر يعني أن الغرض من العرض العسكري هو بث الرعب في نفوس البقية، وتكريس صورة عن عنف الضربات العسكرية الفرنسية، في وقت كانت فيه القوات الفرنسية على أرض الواقع، تشهد مواجهات عنيفة في المناطق التي كانت قادرة على مواجهة الفرنسي عدديا على الأقل، ما دامت البنادق المغربية بدائية ومحلية الصنع، ولا يمكن مقارنتها بأحدث الأسلحة التي كان الجيش الفرنسي يتوفر عليها.
هؤلاء الجزائريون، على قلتهم، الذين قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي، كانت فرنسا من خلالهم، تنوي إقامة شرخ كبير بين المغاربة والجزائريين. خصوصا في المنطقة الشرقية. ففي ذلك الوقت لم يكن أي وجود لأرضية معاهدة الحماية، ولم يكن هناك أي حديث عن التقسيم بين فرنسا وإسبانيا. لذلك كانت السياسة العسكرية الفرنسية ترمي إلى رسم حدود مستعمراتها المستقبلية بكثير من الحذر.
في شهر فبراير 1908، بالضبط يوم 18، اندلعت معارك طاحنة بين فرنسا والقبائل التي مانعت التوغل العسكري في المغرب.
كان هناك كولونيل فرنسي اسمه “الكولونيل توبان”، وكان يتحرك مغادرا منطقة بوزنيقة يوم 17 فبراير، بينما تحرك “الكولونيل برولارد” من منطقة برشيد، والخطة التي وضعها الجنرال، كانت هي أن يتحرك هؤلاء إلى منطقة الأطلس، تمهيدا لهجومات، لم يتوقع أن يواجهها المغاربة بكثير من الشراسة.
قامت فرنسا بعمليات عنيفة ومباغتات في منتصف الليل لعدد من المناطق، لكنها، عكس المتوقع، وجدت المقاتلين المغاربة بالمرصاد، وسقط قتلى كثر من الجانبين، وهو ما جعل الجنرال يغضب ليكون الرد الفرنسي لاحقا، أعنف من سابقه. وهكذا كتب الجنرال اسمه في صفحات التاريخ بكثير من الدماء.
معارك كُتبت بالدماء وهكذا تم اقتحام قرى الأطلس بوابل من الرصاص
كان نادرا أن تحظى عمليات “اجتياح” مشابهة بدعم لتغطيتها إعلاميا وكتابة التقارير عنها، خصوصا وأن المسؤول عن هذه المواكبة لم يكن تابعا لجهاز عسكري داخلي، وإنما كانت وظيفته نقل ما يقع إلى الرأي العام عن طريق الصحافة.
يقول المراسل العسكري “رانكين” إن القوات الفرنسية كانت تلتقي ببعضها في اتجاه الجنوب الغربي، على طول الطرق التي كانت القوات العسكرية الفرنسية تعرف جيدا المعلومات المتعلقة بها.
وهكذا فإن هذه القوات عندما اجتمعت، أصبح عددها 15 فرقة، كل واحدة منها تتوفر على عدد كبير من العسكريين وقواد الجيش بالإضافة إلى آلاف المعدات وعشرات آلاف قطع السلاح التي استعملت لإخضاع مناطق “الثورة” في المغرب.
وحسب معاينته للأوضاع، فإن رانكين يفيد بوجود عمليات كثيرة أحدها كان عنيفا إلى درجة أن جثث القتلى في صفوف الثوار المغاربة، كانت تطفو فوق مجرى الوادي، الذي تسير قوات الجيش الفرنسي بمحاذاته متقدمة إلى الأمام.
لم تكن أغلب المواجهات الشرسة التي قام بها المغاربة لصد فرنسا، قد جاءت بعد. ففي 1908 كانت الضربات الاستباقية كلها، فرنسية المصدر.
ولوصف تلك الأجواء، يقول رانكين إنه التقى بأحد مراسلي الحروب، وكان اسمه “رينالد كان”، ويعمل مراسلها لصحيفة Le Temps وقال له إنه شارك في تغطية حروب في آسيا، خصوصا في اليابان، ولم يسبق له أن رأى انفجارات أعنف من تلك التي حضرها في تلك المواجهات بين قوات الجنرال “داماد” والثوار المغاربة.
لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل امتدت إلى أمور أخرى وصلت حد التمثيل بجثث الضحايا المغاربة، والذين لم يكونوا كلهم ثوارا، فقد كانت بعض عمليات الاجتياح المباغتة التي قامت بها فرنسا، تتم في وقت كان فيه الثوار يحتمون بالجبال، وهكذا يكون أغلب الذين يتم اعتقالهم في تلك العمليات مواطنين عزل، لا يتوفرون على أية أسلحة لمواجهة المد الفرنسي، لكنهم في الأخير يلقون نفس مصير المقاتلين، ويتم التمثيل بجثثهم.
لم يكن هناك أي حديث عن المحاكمات، ففي فترة الجنرال داماد، كانت لغة الرصاص هي اللغة الوحيدة التي تتحدثها فرنسا، بطلاقة، في المغرب.
لكن المؤسف حسب تغطية المراسل رانكين، أن بعض الوجهاء المغاربة وقتها قد وضعوا أيديهم في يد فرنسا، وأعطوا ظهرهم للقبائل التي كانت تجاورهم وتحمل السلاح في وجه فرنسا.
كانت الأجواء مكهربة في المغرب، ومع اقتراب موعد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، كانت مهمة هذا الجنرال داماد قد انتهت في المغرب، ليتم تكريمه كواحد من الذين ساهموا بشكل كبير في فرض الوجود الفرنسي في المغرب، خصوصا وأن القوات العسكرية التي كانت تابعة له، قد نجحت، من زاوية النظر الفرنسية، في تنفيذ المخطط العسكري الذي تبنته فرنسا من باريس، لإخضاع المغرب والتوغل فيه على أوسع نطاق تمهيدا للحماية. وهكذا استطاع الجنرال داماد أن يضمن مكانة كبيرة في تاريخ بلاده، رغم أن أوضاع ما بعد سنة 1912، أنست الجميع في قصة هذا الجنرال الذي قاد المد الفرنسي نحو المغرب، وتسبب في عدد من الفواجع والمذابح.




