
حسن البصري
بقدر ما شغل فوز اللاعب الإنكليزي هاري كين، أول أمس الاثنين، بجائزة الكرة الذهبية، المقدمة من مجلة «فرانس فوتبول الفرنسية» لأفضل لاعب في العالم لهذا العام..
وبقدر فرحة الإسبان بلاعبة منتخبهم أليكسيا بوتياس المتوجة بالكرة الذهبية لأفضل لاعبة في العالم..
بالقدر ذاته سيلفت صحافي فرنسي اسمه كريستوف غليز نظر الحاضرين في الحفل، بالرغم من غيابه وبالرغم من وجوده أسيرا في بلد آخر.
قرر منظمو حفل الكرة الذهبية تكريم صحافي معتقل في سجن رهيب بالجزائر، غيابيا. نددوا بالاعتقال التعسفي وصفق نجوم الكرة العالمية بحرارة، حين أطلت عليهم صورته، وهو يستعير ابتسامة غابت عن محياه منذ أن وطأت قدماه أرض الجزائر في ماي 2024.
حين سمعت، وأنا أتابع أطوار الحفل، اسم «ألجيري»، اعتقدت أن الكرة الذهبية ستكون من نصيب لاعب من أصول جزائرية.. لكن تبين أن المتوج نال جائزة أفضل مسجون رأي رياضي.
قلت في قرارة نفسي: لا عليك يا كريستوف، في الجزائر كلهم سجناء يعيشون سراحا مؤقتا مع الإعفاء من الغرامة.
كريستوف كولمبوس اكتشف أمريكا فوضعوا له تمثالا في المكان الذي وطأته قدماه، وكرسيتوف صحافي جريدة «صو فوت»، وضعوا في معصميه قيدا، حين دخل تيزي أوزو مكتشفا باحثا.
برر النظام العسكري الجزائري اعتقال الصحافي الفرنسي، وألبسه تهمة التخابر مع حركة ماك، المطالبة باستقلال إقليم القبايل، وحين فند التهمة، قال القاضي:
«دخلت الجزائر بتأشيرة سياحية، لا تخول لك إنجاز تحقيق صحافي».
رد المتهم:
«هل جزاء التأشيرة السياحية سبع سنوات خلف القضبان؟».
دخل الصحافي الفرنسي الجزائر بتأشيرة سياحية، ودخل السجن بتأشيرة قضائية، بل إن النيابة العامة طالبت برفع العقوبة الحبسية إلى عشر سنوات.
حرم كريستوف من متابعة «الكان» وسيحرم من متابعة مونديال 2030، نكاية في الصحافة الرياضية الفرنسية.
غضب الجزائريون فغيروا القناة الناقلة لحفل توزيع جوائز أفضل اللاعبين في العالم، وتجندت القوات الاحتياطية لمنصات التواصل الاجتماعي، للرد على مدرب المنتخب الفرنسي زين الدين زيدان، حين دعا إلى الإفراج الفوري عن صحافي فرنسي أعزل.
شككوا في أصوله الجزائرية، ونبشوا في قبور أسلافه وتوعدوا ابنه.
أما جياني إينفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، فطالب بإطلاق سراح هذا الصحافي قبل انتهاء المونديال الماضي، دون أن يجد نداؤه صدى في الجزائر.
وحين طالبت منظمة «مراسلون بلا حدود» بإطلاق سراح كريستوف فورا ودون قيد أو شرط، مؤكدة أن الصحافة ليست جريمة، رد عليها محللون تجاوزوا الحدود بأقبح ما في قواميس الدناءة من عبارات.
سجل كريستوف اسمه بين نجوم الكرة العالمية، في محفل تابعه ملايين المشاهدين عبر العالم، سيخصص له قيد ذهبي، مع مجانية التوصيل إلى الزنزانة.
ليس الصحافي الفرنسي الوحيد الذي يعاني من الاحتجاز في بلد المليون «شريد»، بل سبقه إلى الاعتقال عشرات الصحافيين أغلبهم مغاربة حملهم الهم الصحافي إلى الجارة الشرقية، فاحتجزوا في مطار هواري بومدين ثم عادوا أدراجهم خائبين.
استحضرت عبورا بالمطار ذاته حين قادتني دورة تكوينية للصحافة الرياضية المتوسطية إلى الجزائر قبل عشر سنوات. بدأت أولى خيوط معاناتي أمام شرطة الحدود، توقفت طويلا أمام رجل أمن بزي رسمي تفحص جواز سفري وتعمق في ملامحي، فكشفت له عن دعوة اللجنة المنظمة. لكن الرجل حمل جواز سفري وهرول نحو جهة غير معلومة، وبعد دقائق عاد الشرطي مزهوا خلف رئيسه المثقل بالرتب، وبدون مقدمات، سألني عن علاقتي بإدريس البصري. فقلت له إنه مات من زمان.
بعد تفتيش دقيق، سمح لي بالمغادرة، وفي ذهني عبارة يرددها الجزائريون:
«الله يسجن سراحو»





