حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

نساء في حضرة السلطان

 تاريخ حضور المرأة في القصر الملكي

يونس جنوحي

«رغم سماكة الجدار المضروب – بعناية- بين عالم الحريم وبين السلطة، إلا أن النساء المغربيات تفوقن على مر التاريخ في «النط» على هذا الجدار، والوصول مباشرة إلى قلب مطبخ السلطة، بل وإضفاء لمستهن على القرار السياسي للبلاد.

المثير أنه كلما ارتبط الأمر باسم سلطان ترك بصمة واضحة في تاريخ المغرب، إلا وظهر أن للنساء حضور قوي في حياته.

نساء في حضرة السلطان، ظاهرة قديمة جديدة.. ففي عهد الملك الراحل الحسن الثاني سُمح لأول مرة للسيدات بأن يتبوأن مناصب رسمية، بعد أن كان حضور النساء قويا لقرون في الحياة العامة، دون اعتراف «إداري» صريح..

وبين حضور فاطمة الزهراء المنصوري لتكليفها برئاسة وتشكيل الحكومة المقبلة، وبداية ظهور النساء في مناحي الحياة العامة، قصص تستحق أن تُروى».

 

++++++++++++++++++++++++++++

 

ملوك مغاربة دعموا المرأة قبل قرون 

«لقد سمعت أمورا كثيرة عن النساء في المغرب. بالنسبة إلى نساء القصور وزوجات الملوك فقد كان يطلق عليهن «الحريم»، وهو مصطلح مغربي أكثر قداسة ويبعث على الرهبة في نفوس المغاربة. رأيت هذا الأمر بنفسي، عندما شاهدت المولى عبد العزيز وهو يشرف على عملية نقل أغراضه نحو قصره الجديد في طنجة. كانت هناك مسيرة من النساء المتشحات بأثواب قاتمة يحيط بهن خدم خاص لنقل أغراضهن، وقال لي أحد الخدم إن الأمر يتعلق بزوجات السلطان شخصيا وبعض خادماتهن ومؤنسات أخريات يحظين باحترام الجميع.

سمعت أيضا عن امرأة يقال إنها تحمل قوى خارقة، وتحظى باحترام كبير من طرف بعض الوزراء ويسمحون لها بدخول القصر. كانت امرأة حكيمة تشرف على ولادة نساء القصر وعلاج المريضات منهن. عندما توفيت، أقام لها المولى عبد العزيز عزاء خاصا، لأنها كانت تحظى بتقدير كبير من طرف والدته.

النساء في المغرب غير موجودات في الساحة. غير مسموح لهن بالظهور. وحتى في الأسواق والأماكن العامة، يكون مرورهن محاطا بالسرية، ويكون عليهن أن يسترن أجسادهن وشعرهن قبل الخروج. أما «حريم» القصر، فلم يكن مسموحا لأحد بالحديث معهن. حتى خدم القصر لا يعرفون أي شيء عن عالم الحريم. هناك فقط عينة من المخصيين هم الوحيدون المرخص لهم بالخدمة في جناح الحريم داخل القصر».

الكلام هنا للقنصل الأمريكي «إدموند هولت»، الذي انفردنا في «الأخبار» بترجمة مذكراته: «أرض المغرب الغريب»، والذي عاش في المغرب ما بين سنتي 1907 و1909، وتناول موضوع نساء القصر، وعلاقة ملوك الدولة العلوية بالحريم والنساء اللواتي تركن بصمة واضحة في الحياة العامة، أو في حياة السلاطين أنفسهم.

ومن بين النساء اللواتي كن مؤثرات في الحياة السياسية المغربية، نجد واحدة من أصغر زوجات المولى الحسن الأول، وهي والدة المولى عبد العزيز، التي يذكر التاريخ أنها تنحدر من أصول شركسية، لكنها كانت متمكنة من التاريخ، وتتوفر على تعليم متقدم جعلها تمتاز بشخصية قوية.

حتى أن بعض المؤرخين عزوا وصول ابنها المولى عبد العزيز إلى السلطة، رغم أنه كان أصغر أبناء المولى الحسن الأول، إلى شخصيتها القوية التي استطاعت بفضلها الدفاع عن ابنها، والدفاع عن وصية السلطان نفسه.

تحالفت أرملة المولى الحسن الأول مع الصدر الأعظم، خلال السنوات الأولى لوصول ابنها إلى الحكم، حتى أن بعض التعليقات حول تاريخ المغرب بداية القرن العشرين، تؤكد أن بقاء الصدر الأعظم باحماد في السلطة بعد وفاة المولى الحسن الأول، كان الفضل فيه راجعا بالأساس إلى مساندة أرملة الحسن الأول لبقائه في السلطة.

استمرت عادة حضور النساء في الحياة العامة، قرونا. فالملك الراحل الحسن الثاني كان بدوره يولي احتراما كبيرا لعدد من النساء، اللواتي ارتبطت حياتهن ومصيرهن بالقصر الملكي. مثل «مريم الكباص»، ابنة الوزير الكباص الذي كان يرأس الجيش المغربي في حياة المولى الحسن الأول، وهي سيدة عاشت خلال فترة الملك الراحل محمد الخامس، وولجت القصر الملكي، خلال طفولة الملك الراحل الحسن الثاني، وبقي يوليها تقديرا كبيرا، وكان يواظب على زيارتها في منزلها الشخصي، وهي للإشارة والدة الدكتور عبد الكريم الخطيب، وجمعت خلال حياتها بين رصيد والدها الوزير، وحياة زوجها الخطيب المنحدر من أصول جزائرية، والذي مارس العمل الإداري والترجمة في مغرب الحماية الفرنسية.

 

 

 

لمحات طريفة عن حياة النساء في رحاب القصر والوزارة

لم يكن المؤرخون المغاربة، خصوصا خلال القرنين 18 و19، يفضلون التوثيق لحياة نساء القصور أو زوجات الوزراء، ولا يكتبون عنهن إلا في الحالات الملحة، أو عندما يتعلق الأمر بزوجات غير عاديات مثل زوجة المولى إسماعيل، التي كانت تنافس العلماء وتقارعهم بالحجة.

لكن بالنسبة إلى الصحافيين والمؤرخين الأجانب الذين حلوا في المغرب خلال الفترة نفسها، فقد تحول عالم حريم القصر أو زوجات الوزراء إلى مادة لإشباع فضولهم.

الصحافي «والتر هاريس»، الذي حل في المغرب منذ قرابة 1880، وبقي بين المغاربة إلى أن توفي في طنجة الدولية سنة 1933، كتب في مذكراته «بلاد سلطان إفريقي»، التي خصصها لفترة المولى الحسن الأول، والذي حكم المغرب ما بين سنتي 1873 و1894، وتناول فيها بعض ملامح حياة زوجات الوزراء، ونساء القصر. يقول:

«عائلات الوزراء بدورها تدلي بتعليقات مشابهة غير مرغوب فيها. كما حدث في إحدى المناسبات، عندما سألت سيدة أوروبية زوجة وزير مشهور عن الهدايا التي ترغب في أن تُرسلها إليها السيدة الأوروبية عند عودتها إلى البلدان المتحضرة. قالت لها زوجة الوزير وهي تضمها بين ذراعيها بكل حب: «هناك شيء واحد فقط، أتوسل إليك، أريد أمشاطا صغيرة، لأن رؤوسنا مليئة بالقمل». وبدأت تأخذ خصلات من شعرها وتعرضها أمامها، كما لو أنها لوحة حية لإثبات معاناتها.

يحيا السلطان حياة بسيط غير معقدة. يستيقظ باكرا، قبل طلوع الشمس، ويصلي بانتظام سبع مرات في اليوم. طعامه بسيط. هناك تنوع قليل جدا في المطبخ المغربي، ويشرف على تذوق الأطباق تسعة «مْعلمين». منصب المتذوق الرسمي للطعام، وهو منصب شرفي كبير داخل القصر، يبقى ضمانا ضد التسمم. ورغم أن وزراءه يأكلون معه بين الفينة والأخرى داخل الغرفة نفسها، إلا أنهم لا يتذوقون نفس الطبق معه نهائيا. إن جلالته، مثل كل المغاربة لا يقيم أدنى اعتبار للسكاكين والشوك، ويأكل من الطبق مباشرة باستعمال أصابعه. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يبدو لحواسنا المتحضرة، طريقة أكل مثيرة للاشمئزاز، إلا أنه ليس كذلك أبدا في الحقيقة. لأن البراعة الكبيرة في الأكل بالأصابع، تجعلها نادرا ما تصبح لزجة، كما أنهم مواظبون دائما على غسل اليدين، قبل وجبات الطعام وبعدها. وهكذا فإن عملية الغسل تخلص اليدين من كل آثار تناول الطعام التي من شأنها أن تجعل عملية مصافحة أحدهم، مناسبة غير سارة.

عندما يتعلق الأمر بالدين، فإن السلطان يكون صارما للغاية. ويلتزم بالدين أكثر من أي بلد إسلامي آخر.

وعلى الرغم من أننا نستطيع معرفة الكثير نوعا ما عن نوعية الحياة التي يعيشها، إلا أنه من النادر جدا أن نسمع أي شيء عن الحياة التي تعيشها زوجاته، باستثناء أنها لا بد وأن تكون حياة رتيبة، بالنسبة إلى المحظيات الحاليات، إذ تقضين حياتهن مستلقيات على وسائد من المخمل والذهب، داخل غرف ذات إضاءة خافتة مليئة بعبق البخور والزهر، يحرسها العبيد. وأي واحدة منهن، إن وجدت الفرصة مناسبة، فإنها سوف تأخذ مكان الزوجة المفضلة، وهذه الأخيرة سوف تتقهقر إلى قاع العبودية، ولا شك أن هذا هو الحال دائما في عالم الحريم».

هذه الحياة التي قال والتر هاريس، إنها ظلت خفية عنه هو وبقية الأجانب، لم تكن كذلك في كل فترات التاريخ المغربي. فقد عرف المغاربة فترات كان فيها حضور نساء القصر قويا، كما أن بعض النساء جعلن تجاربهن في عالم الحريم استثنائية.

لالة عائشة.. أول مغربية تتولى منصبا ساميا في تاريخ المغرب

في سنة 1965، قرر الملك الراحل الحسن الثاني أن يعين شقيقته الأميرة لالة عائشة، سفيرة للمغرب لدى بريطانيا. وكان القرار وقتها قد حظي باهتمام الصحافة الدولية، الأمريكية على وجه الخصوص، على اعتبار أن تعيين الأميرة، ابنة الملك الراحل محمد الخامس، في هذا المنصب، يبقى سابقة من نوعها في العالم العربي والإسلامي عموما.

ورغم أن تاريخ المغرب حافل بأسماء النساء اللواتي كن يتمتعن بشخصية قيادية وأثّرن في السياسة والحياة العامة، إلا أن الأميرة لالة عائشة كانت أول من يُترجم حضورها القوي في الساحة، إلى تعيين رسمي في منصب سام.

لم يكن هذا القرار وليد رغبة طارئة لدى الملك الراحل الحسن الثاني، فقد كانت الأميرة لالة عائشة تمثل دائما التيار النسائي المغربي القادم إلى الحياة العامة بقوة. فقد كانت منذ أيام والدها الملك الراحل محمد الخامس، حاضرة بقوة في الحياة العامة، وترافق والدها في خرجاته الرسمية قبل الشخصية، بل وألقت خطبا أمام الحضور، ودعمها الملكان محمد الخامس، ثم الحسن الثاني، في هذا التوجه.

حتى أن الأميرة لالة عائشة كانت محط اهتمام الصحافة الأمريكية، وسنها لم تكن تتجاوز 14 سنة فقط. ففي الفترة ما بين سنتي 1951 و1952، كانت الأميرة لالة عائشة تحظى بمتابعة من مراسلة مجلة «شيكاغو تريبيون» في الرباط، وكتبت مقالين عنها في تلك الفترة، قبل أن تخصص لها مجلات أخرى صفحات مطولة تناولت فيها هواياتها وموهبتها في الخطابة، وسر تفوقها وحظوتها عند والدها الملك، وسر دعمه لها، بل ولقبتها المجلة الأمريكية المذكورة آنفا، بأنها: «رائدة الحركة النسائية المغربية»، رغم حداثة سنها.

وتقوى حضور الأميرة لالة عائشة في الصحف الأجنبية، خلال مرحلة نفي العائلة الملكية، في غشت 1953. إذ اهتمت الصحافة الأمريكية بمصير الأميرة التي خصصت لها مقالات مطولة تتعلق بأنشطتها النسوية والحقوقية سابقا، وتساءلت عن مستقبلها بعد نفي والدها السلطان، خارج المغرب.

ومع استقلال المغرب، عادت الأميرة لالة عائشة إلى الحياة العامة بقوة أكبر. وكانت ترافق والدها الملك الراحل محمد الخامس في عدد من الأنشطة الرسمية والاحتفالات الوطنية ما بين 1956 و1960، خصوصا وأن الملك أوكل إليها الإشراف على بعض المشاريع ذات الطابع الاجتماعي في مدينتي الرباط والدار البيضاء.

هذه الموهبة المبكرة لدى الأميرة لالة عائشة، جعلت منها «أميرة فوق العادة»، فجر الاستقلال، أي قبل تعيينها سفيرة بعشر سنوات. ومع بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1961، تعزز حضورها في المحافل الرسمية، ولم يكن تعيينها سفيرة للمغرب لدى بريطانيا محط استغراب. فقد كان الملك الراحل الحسن الثاني يرى أن الأميرة لالة عائشة أفضل شخصية مغربية لتمثيل المغرب أمام الملكة إليزابيث الثانية. وتميزت فترة سفارة الأميرة لالة عائشة في بريطانيا، بإبرام اتفاقيات مهمة مع المغرب، وبداية تنظيم العمل الدبلوماسي، وتعبيد الطريق نحو تحسين العلاقات بين البلدين. وهو ما عزز لاحقا اتصال الملك الراحل الحسن الثاني بالملكة إليزابيث، خصوصا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بعد نهاية مهمة الأميرة لالة عائشة في لندن.

 

لالة الباهية.. وزيرة غير مُعلنة ولجت السياسة من جناح الحريم

لم تكن سنها تتجاوز 22 سنة، عندما توفي زوجها يوم 13 ماي سنة 1900. اسمها «الباهية»، وهي أصغر زوجات الصدر الأعظم باحماد، الذي كان حاجبا للمولى الحسن الأول، وعمل على انتقال العرش إلى المولى عبد العزيز.

في السنوات الأربع الأخيرة من حياة الوزير القوي، لم يكن يقوى على الانتقال إلى القصر الملكي في مراكش، رغم أن إقامته الشخصية لم تكن تبعد عن قصر السلطان سوى بأمتار قليلة، وهكذا تحول مجلسه الوزاري من القصر إلى غرفته. ومع انتقال السلطة إلى «بيته»، بموافقة من السلطان، أصبحت زوجته «الباهية» هي الآمرة الناهية في كل ما يتعلق بلقاء الوزير، أو رفع الطلبات إليه.

حتى الوزراء أنفسهم كانوا مجبرين على الحصول على موافقة «لالة الباهية» أولا، قبل لقاء الصدر الأعظم الذي فوض إليه السلطان المولى عبد العزيز صلاحيات واسعة، مستندا في ذلك إلى المكانة الكبيرة التي كان يوليها والده المولى الحسن الأول لـ«باحماد».

أطلق الصدر الأعظم اسم زوجته الصغرى على قصره، وهو الاسم الذي لا يزال يحمله القصر إلى اليوم: «قصر لالة الباهية»، وقد كان قصرا مملوكا لها فعليا، وكل ما بداخله يخضع لأمرها، ولا يسير إلا بموافقة مباشرة منها.

يسجل التاريخ المغربي، أن «لالة الباهية» كانت تتحرك من وراء الستار، لكنها كانت تحظى بصلاحيات لم تكن تتوفر حتى للوزراء. فقد كان جميع وزراء المولى عبد العزيز، بمن فيهم الوزير غريط الذي كان مقربا من المولى الحسن الأول، ثم من ابنه المولى عبد العزيز سنة 1894، مرغمين على التنسيق مع الصدر الأعظم وهو على فراش المرض، ولم يكن من صلاحياتهم – رغم أنهم وزراء- التواصل المباشر مع السلطان، إلا عندما يستدعيهم بنفسه إلى القصر في مراكش.

وهكذا، كان هذا المرور الإجباري عبر قناة الصدر الأعظم، في مصلحة زوجته المدللة، التي كانت رغم صغر سنها، نافذة، وتمتاز بشخصية قيادية.

لم تكن «لالة الباهية» موضوعا في مذكرات الشخصيات الأجنبية التي قابلت باحماد، قبل وفاته بفترة قصيرة. والسر يكمن في أن باحماد كان كتوما جدا عندما يتعلق الأمر بجناح الحريم. لكن خدام الدولة، اكتووا فعليا بنار «لالة الباهية»، التي كانت تحول بينهم وبين الصدر الأعظم في آخر حياته. ورغم أن المولى عبد العزيز تلقى شكايات من بعض الوزراء بخصوص هيمنة الزوجة الصغرى على الصدر الأعظم، وحيلولتها ومقابلته لتصريف ومناقشة شؤون الدولة، إلا أن المولى عبد العزيز لم ينزل أي عقوبة بـ«لالة الباهية»، التي يمكن القول إنها كانت تتحكم في رقاب كبار موظفي المخزن، وكانت صلاحياتها في تلك الفترة بالذات، قد فاقت صلاحيات الوزراء أنفسهم.

 

زوجة المولى إسماعيل.. حكمت و«نُفيت» في عز صراع أبنائه

1727، كانت سنة حزينة في المغرب. توفي فيها المولى إسماعيل الذي بنى مكناس وأخضع قبائل الخارج والداخل ووسع حدود المغرب وقوى الجيش، وفرض على فرنسا وإسبانيا إبرام الصلح مع الإيالة الشريفة، وهدد بإطلاق حرب في أوروبا، واستمع إليه جل زعماء العالم في زمنه.

في العام 1678، كان المولى إسماعيل في عز انشغاله بزيارة إلى منطقة الصحراء، حيث انتقل إليها من منطقة سوس بعد إخضاع القبائل المتمردة.

احتفى أهالي شنقيط بالمولى إسماعيل، وأعدوا له احتفالات تعبيرا عن ترحيبهم بالسلطان ومبايعتهم له. وهناك، تزوج المولى إسماعيل بالشابة خناثة ابنة الشيخ بكار المغافري، وهي زيجة وقتها أثارت الضغينة في نفوس بعض علماء القرويين، لإدراكهم أن صهر المولى إسماعيل، والذي كان أحد كبار مشايخ الصحراء، لا بد أن يحظى بمزيد من النفوذ في «المشيخة»، بعد أن صارت ابنته داخل قصر مكناس.

سرعان ما أبانت خناثة بنت بكار عن مكانتها العلمية، وكسرت الصورة التقليدية عن النساء في ذلك التاريخ. وقد تحدث عنها مؤرخ المملكة، الناصري، في كتابه «الاستقصا»، وتفصل في ذكر سعة علمها وإلمامها بالعلوم الشرعية، وإتقانها اللغة العربية والأشعار والمتون وسعة اطلاعها على النصوص التراثية، وميلها إلى الفقه وحفظ تفسير القرآن الكريم.

هذه المقومات، جعلت خناثة بنت بكار، الأقرب إلى المولى إسماعيل من بين زوجاته ومحظياته جميعا.

يؤكد المؤرخون المعاصرون، وجلهم أجانب، أن المولى إسماعيل أنجب قرابة ألف ولد طيلة حياته الحافلة بالأحداث.

لكن خناثة بنت بكار استطاعت أن تنفذ إلى قلب السلطان، واحتفظت لنفسها بالصدارة، حتى أنها أنجبت له المولى عبد الله، الذي أصبح سلطانا للمغرب بعد وفاة والده.

ورغم الانقلابات التي دبت بين أبناء المولى إسماعيل مباشرة بعد وفاته، إلا أن الابن عبد الله، ضمن لنفسه العرش، بعد أن لعبت والدته دورا كبيرا في هذا الأمر، ونجاحها في الحصول على تزكية العلماء لابنها. فقد كان علماء القرويين والقضاة المعتمدون لدى السلطان يدركون سعة علم أرملة المولى إسماعيل ومكانتها في دار المخزن، فسعوا إلى دعم تنصيب ابنها سلطانا للمغرب.

كانت خناثة تحكم فعليا، بشهادة المؤرخين المغاربة، خصوصا ما جاء في شهادة عبد الرحمن بن زيدان الذي تناول حياة المولى إسماعيل ومساره وإرثه، وتناول دور الزوجة بنت الشيخ بكار، في دعم وصول ابنها إلى السلطة، بل وبقاءه فيها في جو متكهرب شديد التقلبات.

كانت خناثة تحكم فعليا، حتى أن بعض الروايات التاريخية تسجل أنها كانت تحضر المجالس الوزارية لابنها المولى عبد الله من وراء حجاب، وتفتي عليه همسا ما يجب اتخاذه من قرارات وتوجيهات للوزراء، مشيرة عليه بما يجب القيام به لاستمرار شؤون الدولة ومنع التمرد، وكذلك لإصلاح القضاء وتعيين القضاة وما يتعلق بالشأن الديني.

كانت خناثة، أم السلطان عبد الله بن إسماعيل، وزيرة في بلاط ابنها السلطان. وهو ما تؤكده مخطوطات ومراسلات تاريخية، كان لها دور في تفعيلها وصياغة مضمونها.

لكن المأساة في حياتها بدأت بعد عزل ابنها، بعد صراعه مع إخوته. بمجرد ما أن نُحي ابنها عبد الله عن العرش، حتى اعتُقلت وكان مصيرها السجن في مكناس أولا، ثم في فاس، حيث جرى إبعادها رفقة ما تبقى من الحريم الموجود في قصر مكناس، منذ أيام زوجها السلطان المولى إسماعيل.

بعد السجن، تعرضت خناثة بنت بكار للنفي، فقد كان ورثة العرش من أبناء زوجها السلطان يدركون مدى قدرتها على التأثير على وزراء الدولة والقضاة والشيوخ، وحُكم عليها بالنفي إلى خارج منطقة النفوذ، وطردت من مكناس وفاس ومنعت من دخول المدينتين، وتعرضت للمطاردة حتى لا تعود إلى السلطة «متخفية»، لتستحق بذلك لقب أول سيدة مغربية تتعرض للنفي السياسي.

 

 

الزوجة الليبية للمولى سليمان.. «مستشارة» سقطت من التاريخ

عرف المولى سليمان لدى المغاربة في نهاية القرن 17 بأنه أبرز سلطان علوي لم يمانع أن يتزوج ابنة من أبناء الشعب، تنحدر من أحياء مدينة الرباط العتيقة، معلنا وقتها ثورة ضد التقاليد التي كانت تفرض على سلاطين الدولة العلوية أن «تُهدى» إليهم الزوجات من الأسر النافذة وزعماء القبائل على امتداد خارطة المغرب.

في سنة 1811، بلغ إلى علم المولى سليمان، في عز خلافه مع السنوسي في ليبيا، أن هذا الأخير لديه طموح في التوسع، وفرض نشاط الجهاد البحري بشكل يتعارض مع الاتفاقيات التي أبرمها المغرب مع الدول الأجنبية، لتأمين عبورها منطقة البحر الأبيض المتوسط.

فكر المولى سليمان في مصاهرة الملك السنوسي في طرابلس، لقطع دابر الطموح الجامح لهذا الأخير.

وافق ملك ليبيا، سيف النصر، على اقتراح المولى سليمان، وبعث إلى السلطان واحدة من بناته. ولإظهار مدى اعتزازه بمصاهرة سلطان المغرب، أصر ملك ليبيا على أن يبعث ابنته في أضخم سفينة يتوفر عليها أسطوله، ووصلت السفينة ما بين شهري يونيو ويوليوز من السنة نفسها، وعلى متنها ابنة ملك ليبيا، وحاشيتها، وبعض النساء من أسرتها، لحضور زفافها على المولى سليمان.

وصلت الباخرة، بحسب ما سجله المؤرخون، إلى ميناء العرائش، حيث خصص الخليفة السلطاني في الشمال حفلا بهيجا لاستقبال ابنة ملك ليبيا، الزوجة المستقبلية للسلطان مولاي سليمان، وانتقل الموكب من العرائش صوب القصر الملكي، ووصل إلى مكناس، حيث كان قصر السلطان، وعقد حفل زفاف استمر لثمانية أيام، وأعلن في المغرب أن السلطان المولى سليمان تزوج ابنة حاكم طرابلس، وبذلك يكون الخلاف بينهما قد دُفن نهائيا. وهو الخبر الذي جعل الاحتفالات تقام في مدينة سلا، بحكم أن اقتصاد المدينة البحرية يقوم أساسا على الجهاد البحري.. وعودة الدفء في العلاقات بين المولى سليمان وملك ليبيا تعني ازدهار النشاط البحري لـ«قراصنة» سلا، وإنهاء التوتر بينهم وبين بحارة طرابلس.

وسرعان ما أصبحت ابنة سيف النصر، الآمرة الناهية في مملكة المولى سليمان، وبحكم علمها الغزير، ومكانتها السابقة لدى والدها، أصبحت مستشارة للسلطان وكان لها حضور كبير في الحياة السياسية، وقرارات المولى سليمان.

لكن قصة هذه «المستشارة» انتهت بوفاتها المفاجئة، بسبب مرض لم يمهلها طويلا، في خريف 1822، كما تؤكد مراسلات رسمية في أرشيف الرسائل المخزنية التي ترتبط بعهد المولى سليمان. فقد راسل السلطان أسرة زوجته في طرابلس وأخبرها أنها طريحة الفراش، بسبب مرض غامض ألم بها. لكن المرض لم يمهلها طويلا، رغم مساعي المولى سليمان لإنقاذها واستقدامه الأطباء لهذا الغرض.

توفي السلطان بعد وفاة زوجته بأسابيع فقط. فالتاريخ الرسمي يسجل أن المولى سليمان توفي يوم 28 نونبر 1822، وهو ما يطابق الرواية التي تقول إنه لم يعش طويلا، بعد رحيل زوجته التي كانت مستشارته الشخصية في الحكم، ولم يمانع أن تظهر بصمتها في أقوى القرارات السياسية والإصلاحية التي اتخذت في عهده.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى