
بعد ست سنوات على استقلال المغرب، حصلت الجزائر على استقلالها عام 1962، ورغم أن البلدين تجرعا معا مرارة الاضطهاد، ولهما تاريخ متشابه مع الإرث الاستعماري، والقرب الجغرافي والروابط الثقافية المشتركة.. اتسمت العلاقات بين البلدين بالتنافس والنزاعات الإقليمية والاختلاف السياسي.
تنكر الجزائر لأفضال المغرب وتنكرها لما قدم لها من دعم كبير بالمال والسلاح، خاصة في فترة حكم أحمد بن بلا، أول رئيس للجمهور الجزائرية المستقلة، والذي ما أن أمسك بمقاليد الحكم حتى تنكر للالتزامات التي تعهد بها عباس فرحات الذي كان أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة.
كان مشكل الحدود بين البلدين من بين بؤر التوتر في تاريخ العلاقات المغربية- الجزائرية منذ حصول البلدين على استقلالهما، بل إن سبب اندلاع حرب الرمال بين البلدين عام 1963 كان الهجوم الذي قام به جنود جزائريون على نقطة مراقبة يحرسها أفراد من القوات المساعدة في مركز حاسي بيضاء.
بعد عام واحد فقط من حصول الجزائر على الاستقلال، تنكر قادتها لفضل المغرب عليها في تحقيق الاستقلال، ورفضوا ترسيم الحدود بين البلدين الجارين، وأصبحت المنطقة الشرقية المتنازع عليها سببا رئيسيا في توتر دام طويلا قبل أن تغذيه نزاعات أخرى، سيما وأن المغرب تقدم بمطالبه المشروعة حول أراض كانت تحت الإدارة الفرنسية، لكن حكام الجزائر رفضوا إعادة ترسيم الحدود وإعادتها لفترة ما قبل الاستعمار الفرنسي، وتمسكوا بالترسيم الحدودي الكولونيالي الذي اقتطع من خريطة المغرب وأضاف لخريطة الجزائر.
ووفقا للالتزامات الرسمية، فإن مسألة الحدود بين البلدين ظلت حاضرة في مختلف المحطات، وتركت خدوشا في وجه العلاقات المغربية- الجزائرية، بل وكانت محور وساطات من قادة عرب وأفارقة على أعلى المستويات، وحاول زعماء المغرب والجزائر إقامة علاقات دبلوماسية واثقة وصادقة.. ومع ذلك استمر الصراع خفيا وعلنيا، وغذته الاختلافات العديدة.
في كتاب «ليوطي، المقيم»، لصاحبه غيوم جوبان، خرائط ومخططات قديمة تؤكد ضم المستعمر الفرنسي لمناطق مغربية للجزائر.
في هذا الكتاب تحدث جوبان عن العلاقة الخاصة بين المغرب وليوطي، الذي اندمج مع منظومة المغرب، وقبل ذلك تأثر بالجزائر، حيث كان يتطلع فيها من بعيد إلى الجبال المغربية التي كان يتمنى أن يعمل يوما في رحابها، لذلك ألح كثيرا على سلطات بلده من أجل تنقيله إلى المغرب.
يعترف جوبان بالأراضي المسلوبة من المغرب لفائدة الجزائر، ويحصرها في مراكز معينة: توات، تاكيديت، كورارة، لعبادلة، لكنادسة، زوز فانا، تيندوف والصحراء الشرقية.
كشف هذا الكتاب، بالوثائق والمستندات، عن تفويت المستعمر الفرنسي أراضي مغربية لفائدة الجزائر، لأن النظام الفرنسي كان يظن أن الجزائر ستظل مقاطعة فرنسية في ما وراء البحار، فنفخ في خريطة البلد الجار وقلص الحيز الجغرافي لبلدنا.
لم تكن فرنسا تعلم مضاعفات مقصها، وما نتج عن التقطيع الجغرافي من تداعيات خطيرة ومواجهات دامية في حرب الرمال، التي جعلت جيوش البلدين تدخل معارك طاحنة سرعان ما تم تطويقها وإيقاف إطلاق النار من الطرفين، وألزمت القوات المغربية على الرجوع إلى نقطة انطلاقها بعد أن توغلت في التراب الجزائري.
حاولت فرنسا الاستعمارية استغلال مطلب المغرب باسترجاع أراضيه الشرقية لعقد تسوية تضمن تخلي المغرب عن دعم الثورة الجزائرية. رفض الملك محمد الخامس هذا العرض، وأكد أن الأولوية المطلقة هي استقلال الجزائر، وأن حل مشكلة الحدود سيتم مع الإخوة الجزائريين بعد تحرير بلادهم.
في شهر شتنبر 1956، ألقى العاهل المغربي محمد الخامس، طيب الله ثراه، خطابا بمدينة وجدة الحدودية، تناول فيه معاناة شعوب المغرب العربي من السياسة الاستعمارية الفرنسية، مركزا في خطابه على معاناة الشعب الجزائري، وأكد على ضرورة إيجاد حل سلمي وعادل للقضية الجزائرية، وأن مستقبل الجزائر يدخل ضمن إطار وحدة المغرب العربي.
علينا أن نعيد معا اكتشاف ولو جزء يسير من التاريخ، الذي يراد له أن يغيب نهائيا وأن يعوض بالحقد والكراهية وتسميم العلاقات وتربية أجيال على كره بعضها البعض ونسيان التاريخ المشترك.





