
يسرا طارق
هناك شبه إجماع، في معظم المجتمعات البشرية، على أن الشيخوخة خريف للعمر، آخر مسافة للاستراحة من العمل، وللتأمل، ولاجترار الماضي، وللندم وللانسحاب من معتركات الحياة. العالم ينتمي للأقوياء، والشيخ لم يعد قويا، ينتمي للشبان والشيخ وهنت عضلاته ومفاصله، ينتمي للحالمين والشيخ قنع بما نال من الحياة، ينتمي للمندفعين والشيخ لم يعد يجد في روحه ما يدفعه للمغامرة والتجريب. على الشيخ، في معظم المجتمعات، أن يحترم شيخوخته وينسحب من الحياة، وأن لا يزاحم الآخرين ولا يرهق نفسه في عمل يدوي أو عقلي. لقد نال حقه في أن يستريح، في أن لا يعمل شيئا. عليه أن يستعد للموت، فهو قريب جدا، وإن أحس في نفسه قوة فليشترِ كارافانَ، ويذهب لرؤية العالم وإلقاء النظرة الأخيرة على مناظره. الشيخ حكيم لأنه لم يعد يريد أن يغير نفسه ولا أن يغير العالم من حوله. لقد راكم ما يكفي من تجارب ليقدم الحكمة والمشورة، أما أن يشارك في صنع الواقع، فقد انتهت مهمته في ذلك منذ زمن بعيد.
لم يؤمن الأمريكي إدوارد كيسي (1877 – 1945) بكل ما يقال عن الشيخوخة، فماذا لو كانت المهمة الحقيقية في الحياة تبدأ بعد الستين؟ ماذا لو كان النضج الحقيقي للإنسان يبدأ بعد الستين؟
ظل كيسي يردد، في كل كتاباته، أن الروح هي الحياة وليست الجسد، والروح المعنوية هي التي تبني، أما الهيئة الجسدية فليست سوى حصيلة. الجسد أداة، سائقها الروح وبعد الستين تصل الروح لأوجها. قبل هذا السن يكون الإنسان منشغلا ببناء أناه، بناء الهوية الاجتماعية، بناء الاسم، بناء النجاح المهني، بناء علاقات مفيدة، بناء نجاح، بناء شهرة، أما بعد الستين فإنه يبدأ في التحرر من كل هذا، لن يعطي الاهتمام نفسه للمسار المهني، للمال، للشهرة، للناس وآرائهم فيه. لقد تمكن، أخيرا، من رؤية الأشياء كما هي لا كما كانت تصورها له أحلامه وأوهامه. إنها الحكمة التي تأتي بتراكم التجارب، وبالقدرة على بناء مسافة معها واستخلاص دروس منها.
الحكمة، في نظر كيسي، هي نجاح عقل لم يعد يحارب نفسه، عقل تحرر من مشاعر الحقد والندم والأنانية، عقل لم يعد يضحي من أجل الآخرين بغباء، وإنما يخدمهم بتقديم تجربته في الحياة لهم. لاحظ علماء النفس أن الأطفال، الذين يعيشون مع أجدادهم، يكونون أكثر توازنا، أكثر ثقة في أنفسهم، أكثر قدرة على مواجهة الحياة. قبل تطور المعرفة العلمية بالدماغ قال إدوارد كيسي إن دماغ الإنسان بعد الستين لا يفقد قدراته، قد يصير أبطأ، لكنه يحتفظ بكل قدراته على التحليل والحفظ والقيام بعمليات ذهنية معقدة، بل إن قسمي الدماغ في الشيخوخة يشتغلان ككتلة واحدة، فيجتمع لأول مرة في حياة الفرد المنطق بالخيال والتحليل بالإبداع.





