
أحسن ما فعل زعماء أحزاب الأغلبية، التي ستنبثق منها الحكومة المقبلة، هو إعادة النظر في الهندسة الحكومية بإحداث أقطاب وزارية كبرى يشرف عليها وزراء ويشتغل معهم وزراء منتدبون، من أجل تحقيق النجاعة والانسجام في العمل، ووضع حد لتداخل الاختصاصات بين قطاعات وزارية مشتتة.
ليست العبرة في تشكيل حكومة جديدة بعدد الوزراء الذين تضمهم، ولا في تعدد القطاعات التي تتوزع بينها المسؤوليات، وإنما في قدرتها على اتخاذ القرار، وتسريع وتيرة الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة ووضع حد لحالة التداخل والارتباك التي طبعت تدبير عدد من القطاعات العمومية في ظل حكومات متعاقبة.
فمغرب السرعة الواحدة، كما دعا إلى ذلك الملك محمد السادس، يحتاج اليوم إلى حكومة تشتغل بمنطق النجاعة والنتائج، لا بمنطق الترضيات السياسية وتقاسم المناصب، وإلى هيكلة واضحة تنهي زمن تضخم الهياكل الحكومية على حساب فعالية الأداء.
لقد أظهرت التجارب الحكومية المتعاقبة أن إحداث وزارة جديدة أو استحداث منصب وزاري إضافي لا يعني بالضرورة إيجاد حل للمشاكل القائمة، كما أن توزيع الاختصاصات بين قطاعات متقاربة قد يتحول، في غياب التنسيق والانسجام، إلى مصدر لتعطيل القرارات وتبادل المسؤوليات وإهدار الوقت والموارد، لأنه عندما تتوزع قطاعات متقاربة على أكثر من وزير، نكون أمام تداخل الاختصاصات وتعدد المتدخلين، ويصبح المواطن أمام إدارة لا يعرف من المسؤول عنها.
ولقد عرفت حكومات سابقة تضخما مبالغا فيه في عدد الوزارات، بل أكثر من ذلك تم إحداث وزارات لا طائل من ورائها، وكان الهدف منها خلق مناصب إضافية لإرضاء المقربين من قادة أحزاب سياسية، حيث تحولت الحكومات إلى مؤسسات لتوزيع المناصب والامتيازات، وبالتالي فقد حان الوقت لوقف هذا العبث، حتى لا تتحول الهندسة الحكومية إلى عملية حسابية هدفها إرضاء هذا الطرف أو ذاك أو مكافأة المقربين سياسيا، لأن المنصب الوزاري مسؤولية دستورية وسياسية، وليس غنيمة تفاوضية، والوزارة مرفق عمومي يفترض أن ينتج سياسات وقرارات قابلة للقياس والتقييم، وليس مجرد واجهة إدارية تضاف إلى الخريطة الحكومية.
من هذا المنطلق، فإن الرهان المطروح على الهيكلة الحكومية الجديدة يتجاوز مجرد تقليص عدد الوزراء أو دمج بعض القطاعات في ما بينها، ما يتطلب تحديدا دقيقا للاختصاصات، ووضع حد للتداخل بين القطاعات الوزارية، وتوحيد المسؤولية عن الملفات المشتركة وإرساء آليات فعالة للتنسيق، حتى لا تتحول المشاريع الاستراتيجية إلى أوراش معلقة بين الوزارات، وحتى لا تصبح الخلافات حول الصلاحيات مبررا للتأخر في تنفيذ هذه المشاريع.
إن المغاربة لا ينتظرون حكومة تتنافس مكوناتها على عدد الحقائب، بل ينتظرون تشكيل حكومة تتنافس قطاعاتها على سرعة الإنجاز وجودة التدبير، ولا يحتاج المواطن إلى مزيد من التسميات الوزارية بقدر ما يحتاج إلى إدارة فعالة، وقرارات منسجمة، وخدمات عمومية تحفظ كرامته وتستجيب لانشغالاته اليومية، خصوصا في ظل استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع كلفة الحياة وتزايد المطالب الاجتماعية.
لهذا فالامتحان الحقيقي للحكومة الحالية يبدأ من لحظة وضع هندستها، وليس بعد تعيين المسؤولين عن القطاعات الوزارية، حتى لا نكون أمام الهيكلة الحكومية السابقة نفسها، حيث تتغير الأسماء وتبقى الاختلالات ذاتها، وتتعدد المناصب بينما تظل النتائج دون مستوى الانتظارات.
لقد آن الأوان لوضع حد لكل ممارسة تجعل من إحداث وزارات ومناصب على المقاس إرضاء لأشخاص بدل خدمة المواطنين.





