
نعيمة لحروري
قبل سنوات قليلة، كان أقصى ما يحلم به المغربي هو أن يرى منتخب بلاده في نهائيات كأس العالم. وإذا تحقق التأهل، تحول الهدف إلى الخروج بأقل الخسائر الممكنة، أو اقتناص تعادل تاريخي مع منتخب كبير نرويه لأبنائنا وأحفادنا. كنا ندخل المونديال بعقلية الضيف الذي يشكر أصحاب البيت على حسن الاستقبال.
أما اليوم، فقد تغير كل شيء.
في المباراة الأولى أمام البرازيل، وقف المنتخب المغربي ندا لمنتخب يحمل خمسة ألقاب عالمية، وفرض عليه التعادل بعدما قدم أداء أكد أن ما حققه المغرب في السنوات الأخيرة لم يكن صدفة ولا معجزة عابرة. لقد أثبت مرة أخرى أنه قادر على منافسة كبار العالم وليس مجرد مشاركتهم.
لكن الأهم من نتيجة المباراة هو رد فعل المغاربة بعدها.
لم أسمع احتفالات هستيرية لأننا تعادلنا مع البرازيل، ولم أشاهد حالة الانبهار القديمة بمجرد الوقوف أمام منتخب يحمل اسما كبيرا. بل على العكس، وجدت كثيرين يتحدثون عن فرص ضائعة، وعن نقطتين كان يمكن الحصول عليهما، وعن أخطاء يجب تصحيحها في المباريات المقبلة.
يا له من تحول عجيب!
لقد انتقلنا نفسيا من مرحلة «الحمد لله أننا لم نخسر» إلى مرحلة «كان بإمكاننا أن نفوز». وهذا التحول في العقلية ربما أهم من أي نتيجة على أرضية الملعب.
إن المنتخبات العظيمة لا تصنعها المهارات فقط، بل تصنعها الطموحات أيضا. فعندما يصبح التعادل مع البرازيل نتيجة لا ترضي الجمهور المغربي بالكامل، فهذا يعني أن سقف الأحلام ارتفع كثيرا. لم يعد الهدف مجرد تمثيل مشرف أو صورة جميلة أمام العالم، بل المنافسة على اللقب نفسه.
قد يرى البعض أن الحديث عن الفوز بكأس العالم مبالغة، لكن الحقيقة أن كل إنجاز كبير يبدأ بفكرة كانت تبدو مستحيلة. قبل سنوات كان وصول منتخب إفريقي إلى نصف النهائي حلما بعيدا، ثم جاء المغرب وحقق ذلك. واليوم لماذا لا يصبح الوصول إلى النهائي أو حتى الفوز بالكأس هدفا مشروعا؟
الأمم التي تحقق الإنجازات هي تلك التي ترفض أن تعيش أسيرة تاريخها، وتكتب تاريخا جديدا كل يوم. والمغرب يبدو أنه دخل هذه المرحلة، مرحلة لا يقيس فيها نفسه بما كان عليه، بل بما يريد أن يكون عليه.
ولهذا، فإن أجمل ما خرجنا به من مباراة البرازيل ليس نقطة في جدول الترتيب، بل نقطة تحول في الوعي الجماعي للمغاربة. لقد تغيرنا كثيرا، من منتخب كان يحلم بالمشاركة، إلى منتخب يحلم بالسيادة، ومن جمهور كان يحتفل بالتعادل، إلى جمهور يرى في التعادل فرصة ضائعة نحو حلم أكبر.
وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لطريق ينتهي ذات يوم برفع الكأس التي لم تعد بالنسبة للمغاربة مجرد أمنية، بل مشروعا وطنيا يؤمنون بأنه قابل للتحقق.





