
مصطفى عفيف
بعد أزيد من 26 سنة على أبشع جريمة قتل عرفها إقليم سطات، والتي راح ضحيتها الحاكم الجماعي لسيدي العايدي، قضت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بسطات، أول أمس الاثنين، بعد جلسات ماراثونية منذ سنة 2021، بتوزيع 140 سنة سجنا في حق خمسة متهمين، كل بحسب المنسوب إليه. وحكمت على «د. محمد» بـ30 سنة سجنا، وعلى «د. مصطفى» بـ20 سنة سجنا، وعلى كل من «ا. عبد القادر» و«ك. مصطفى» و«ن. رضوان» بـ30 سنة سجنا.
وكانت غرفة الجنايات الابتدائية بالمحكمة نفسها قد قضت، شهر نونبر، بعدم إدانة المتهمين من أجل ما نسب إليهم، والحكم ببراءتهم وتحميل الخزينة العامة الصائر، وبعدم الاختصاص للبت في المطالب المدنية، وهي الجريمة التي حاولت بعض الجهات طمس معالمها، بداية من الإسراع في غسل سيارة الضحية من الدماء والبصمات وكل ما يمكن أن يساعد عناصر الفرقة الجنائية على جمع الأدلة العلمية للمساعدة على كشف هويات الجناة، كما لم تظهر نتائج تحليلات البصمة وعينة الدم التي أخذت من داخل السيارة.
وقائع الجريمة
كان الفقيد يزور ضيعته الموجودة بدوار الدلالة بجماعة سيدي العايدي بناحية سطات، بشكل يومي، ثم يعود إلى بيته بعد صلاة المغرب، وهي عادة ألفها معارفه منذ 20 سنة. وفي يوم 24 يوليوز 2000، غادر الفقيد ضيعته حوالي الساعة الثامنة مساء، مستقلا سيارته من نوع (ميتسوبيشي) باتجاه منزله بمدينة سطات، إلا أنه لم يعد إلى منزله في تلك الليلة. وبما أن المرحوم لم يسبق له أن قضى الليل خارج بيته، فإن عائلته باشرت البحث عنه في المستشفيات ولدى السلطات الأمنية ولدى معارفه.
وفي صبيحة اليوم الموالي، حوالي الساعة التاسعة والنصف، عثرت عناصر الدرك الملكي على جثة الفقيد (أحمد نبيه، 77 سنة) ملقاة على المقعد الأيمن داخل سيارته، على بعد 7 كيلومترات من ضيعته الفلاحية. كان جسمه يحمل آثار جروح بالغة على مستوى اليد اليمنى، وتظهر على شفتيه ووجهه ورأسه جروح بالغة بواسطة آلة حادة، ولم يعثر على فردة حذائه، رغم الحملة التمشيطية لرجال الدرك المستعينين بالكلاب المدربة، مما ينم عن أن القتيل تعرض للاختطاف والتعذيب، قبل الإجهاز عليه. إذ أكد تقرير الطبيب الشرعي أن الوفاة ناتجة عن عنف جنائي، وأن جسم الضحية به أزيد من ثلاثين طعنة في الوجه واليدين والعينين والصدر والرأس، مما أسفرت عنه هذه الطعنات من نزيف دموي في الصدر بعد تمزق الرئة اليمنى، كما أن تعرض الهالك لطعنة بالسلاح الأبيض في العنق نتج عنه نزيف دموي آخر بالدماغ، جراء الطعنة أسفل الجمجمة.
نتائج تحقيقات الدرك الملكي
بمجرد اكتشاف وحدات الدرك الملكي الجريمة، أول شيء قامت به عناصرها هو الأمر بغسل سيارة الفقيد، رغم وجود دم وبصمات وأدلة علمية يمكنها أن توصل إلى الجناة، وبعد محو وطمس جميع الأدلة، شرعت وحدات الدرك في مباشرة التحقيق، وذلك باستجواب العديد من الناس وكل من له صلة بالضحية.
وخلال استجواب بعض عمال الضيعة، أكدوا أن الضحية غادر الضيعة حوالي الساعة الثامنة من ليلة 24 يوليوز 2000 متوجها صوب منزله بمدينة سطات. وأضافوا بأنه اعتاد اصطحاب أحد العمال في طريقه، لكنه غادر تلك الليلة بمفرده، لأن المسمى (ب. رحال) الذي دأب على مرافقته غادر العمل قبل العصر، متعللا بوعكة صحية..
وقد اختفى هذا الأخير عن الأنظار مباشرة بعد وقوع الجريمة. وبالإضافة إلى اختفائه غير المبرر، أكد عمال الضيعة أن السكين الذي عُثر عليه بسيارة الضحية يعود إلى المسمى (الباجي).
وأكدت عائلة الضحية أن والدها، الراحل أحمد نبيه، كان يساند ثلاث نسوة (من بينهن أخت زوجته) في قضية تزوير وقعن ضحايا لها. وأوضح أبناء الضحية أن هذه المساندة وفضحه للقضية هما أصل الحقد والعداوة التي يكنها المشتبه فيه في قضية الاغتيال.
وفي إطار التحقيق، هناك شهادة المسمى (أحمد. ر)، الذي يعمل في ورشة بالقرب من مسرح الجريمة. إذ أكد هذا بأنه شاهد سيارة من نوع 4×4 ، رمادية اللون، آتية من مسرح الجريمة بسرعة جنونية ومتجهة صوب مدينة سطات، وتمكن الشاهد، الذي كان آتيا من الاتجاه المعاكس على متن سيارته، من رؤية شخصين على متن السيارة.
بعد هذه الشهادة المهمة، قام الدرك الملكي باستجواب المسمى (د. مصطفى)، أخ (د. محمد)، الذي يمتلك سيارة من نوع 4×4 ، رمادية اللون، والمطابقة للمواصفات نفسها التي ذكرها الشاهد (أ. ر) في الاستنطاق. فيما نفى المسمى (مصطفى. د) وجوده في مكان الجريمة ليلة 24 يوليوز، وأكد أنه في الليلة ذاتها قام باصطحاب زوجته إلى بيت والدته على الساعة السابعة والنصف مساء، ثم أمضى بقية الليلة حتى الساعة الحادية عشرة مع أصدقائه، الذين كذبوا تصريحاته ونفوا وجودهم معه في تلك الليلة. وتابع (مصطفى) تصريحاته بأنه عاد هو وزوجته إلى بيتهما على الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا، كما صرح بأنه لا يعير سيارته لأي أحد.
وبعد استجواب المسمى (د. محمد)، صرح بأن علاقته مع الضحية كانت علاقة طيبة، وكان يزوره بانتظام، الشيء الذي نفته عائلة الضحية، حيث أكدوا أنه لم يكلمه ولم يزره منذ أزيد من ثلاث سنوات.
ومن جهة أخرى، فإن الأخوين (محمد وحسن) قاما بزيارة الضحية أياما قبل اغتياله في مكتبه، وعملا على إخراج كاتبه الخاص للانفراد به، وهي الزيارة التي أكدها كاتب المرحوم، ولم يستطع الأخوان نفيها.
كما حلت لجنة علمية برئاسة خبير فرنسي وخبراء مغاربة يوم 2 مارس 2009، حيث تم استخراج جثة الضحية أحمد نبيه من مقبرة سيدي عبد الكريم بمدينة سطات، حيث تولى الخبير الفرنسي والخبير المغربي البروفيسور «يعيش» أخذ عينات من أظافر الهالك داخل القبر، قبل استخراج الجثة ونقلها إلى المستشفى الجامعي ابن رشد.
تحقيق الفرقة الوطنية للشرطة القضائية
بعد فشل فرقة الدرك الملكي في التعرف على الجناة، قامت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بتحقيق خاص بها في القضية، حيث استجوبت كل من لهم علاقة بمقتل (أحمد نبيه)، وكانت كل التصريحات مشابهة لما جاء في محاضر الدرك الملكي. وبعد ذلك، قامت الفرقة الوطنية باستجواب الشاهد (أحمد. ر)، الذي أكد تصريحاته السابقة، وفي ما بعد تمكن من التعرف على المسمى (مصطفى) من بين أربعة أشخاص، وأكد أنه هو الشخص نفسه الذي كان على متن سيارة 4×4، رمادية اللون، التي كانت ليلة وقوع الجريمة قادمة بسرعة كبيرة من مكان الجريمة.
وخلصت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية إلى أنه لا توجد أي أدلة وبراهين تمكن من الوصول إلى المتهمين، بسبب غسل السيارة وتغيير الأدلة العلمية.
وأمام هذا كله، أمرت النيابة العامة بسطات بفتح تحقيق في القضية، الأمر الذي أسهم في توضيح نقاط كانت غامضة، حيث أُدرج في لائحة المستجوبين شخص أفاد المسمى (مصطفى) بأنه كان برفقته ليلة 24 يوليو 2000. وكان هذا الشخص قد تخلف سابقا عن الاستجابة لاستدعاء الفرقة الوطنية، لكون (مصطفى) هو من سلمه إياه؛ إذ أكد للنيابة العامة عدم توصله بالاستدعاء بالطرق القانونية، نافيا مجالسة المسمى (مصطفى)، أو رؤيته في تلك الليلة، ومشددا على عدم وجود أي علاقة أو صداقة تربطهما، وأنه التقى به مرة واحدة فقط.
وبعد مرور أزيد من 17 سنة على مقتل الحاكم الجماعي، عاد الملف إلى الواجهة إثر إحالة خمسة أشخاص في حالة سراح على قاضي التحقيق باستئنافية سطات، وذلك في إطار التحقيق التفصيلي معهم، بناء على ملتمس الوكيل العام للملك، لمواجهتهم بتهم القتل العمد في حق كل من «ع. غ» و«ك. م» و«ا. ر»، وتهمة المشاركة في القتل العمد في حق شقيقين «د. م» و«د. م».




