حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

أخلاقيات التسريب في الحروب الحزبية

نعيمة لحروري

مقالات ذات صلة

ما جرى مؤخرا بين مصطفى لخصم ومحمد أوزين أعاد إلى الواجهة واحدا من أكثر الجوانب إثارة في الحياة السياسية والحزبية، وهو ذلك التحول الغريب الذي يجعل اللقاءات المغلقة والأحاديث السرية تنتقل فجأة من دائرة الكتمان إلى دائرة الاستعمال العلني بمجرد اندلاع الخلافات.

المثير في مثل هذه الحالات أن ما يتم كشفه لا يكون في الغالب جديدا. بل أحيانا يتعلق بأمور كان الجميع داخل الدائرة الحزبية يعلمها منذ سنوات. لكن ما دام التفاهم قائما، يبقى الصمت قائما أيضا. أما حين تنفجر الخلافات، يتحول كل شيء إلى مادة للاستعمال السياسي والإعلامي، وتصبح التصريحات القديمة واللقاءات الخاصة والحوارات المغلقة ذخيرة جاهزة في معركة تصفية الحسابات.

هنا يبرز السؤال الأخلاقي الحقيقي: إذا كان ما قيل أو جرى داخل تلك اللقاءات غير لائق أو خطيرا أو حتى مخالفا للقانون، فلماذا تم السكوت عنه طوال تلك المدة؟ ولماذا لم يتحول إلى قضية رأي عام إلا بعد انهيار العلاقة بين الأطراف؟ أليس غريبا أن يستيقظ الضمير السياسي غالبا في اللحظة نفسها التي تنتهي فيها المصالح المشتركة؟

هذا ما يجعل جزءا كبيرا من الرأي العام ينظر إلى مثل هذه «التسريبات» باعتبارها مجرد انتقام سياسي أكثر منها دفاعا عن الحقيقة أو الأخلاق. لأن السياسي الذي يصمت سنوات عن ممارسات يعتبرها اليوم خطيرة، ثم يتذكر فجأة واجبه الأخلاقي بعد خلاف تنظيمي أو شخصي، يضع نفسه تلقائيا أمام سؤال النوايا والدوافع.

لكن، في المقابل، لا يمكن، أيضا، الدفاع عن فكرة قدسية الأسرار الحزبية بشكل مطلق. لأن بعض الوقائع، إذا كانت تمس المصلحة العامة أو تتعلق بالفساد أو باستغلال النفوذ، فإن كشفها يصبح أمرا مشروعا مهما كانت خلفيات من كشفها، لأن الحياة السياسية فضاء يفترض أن يخضع للمحاسبة والشفافية.

المشكلة، إذن، ليست دائما في الكشف نفسه، بل في توقيته وطبيعته. هل الهدف فعلا تنبيه الرأي العام إلى ممارسات خطيرة؟ أم مجرد استعمال ما كان معروفا مسبقا كسلاح في حرب داخلية؟ لأن الفرق كبير بين من يكشف حقيقة دفاعا عن المصلحة العامة، ومن يكشفها فقط لأن موقعه داخل ميزان القوى قد تغير.

في كثير من الأحيان، تكشف هذه الصراعات شيئا أخطر من مضمون التسريبات نفسها. فهي تكشف أن جزءا من الحياة الحزبية يقوم على التعايش المؤقت مع ما يعتبره الجميع «غير مقبول»، إلى أن تأتي لحظة الانفجار. عندها فقط يبدأ تبادل الاتهامات، ويصبح كل طرف شاهدا على الآخر، حاملا أرشيفا كاملا من الأسرار المؤجلة.

بل إن أخطر ما في هذه الحروب أنها تعطي للمواطن انطباعا بأن السياسيين يعرفون عن بعضهم الكثير، لكنهم يختارون الصمت ما دامت التحالفات قائمة. وحين تنتهي المصالح، ينتهي معها الصمت أيضا. وهنا يفقد الخطاب الأخلاقي جزءا كبيرا من مصداقيته، لأن المواطن لا يرى في كثير من هذه «الكشوفات» انتصارا للحقيقة، بل مجرد انتقال للصراع من الغرف المغلقة إلى الفضاء العمومي.

السياسة بطبيعتها مليئة بالخلافات والمناورات والتحالفات المؤقتة، وهذا أمر طبيعي في كل الديمقراطيات. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الصمت عن الخطأ مرتبطا بالمصلحة، والكلام عنه مرتبطا فقط بالرغبة في الإحراج أو الانتقام. وربما لهذا السبب بالضبط، لم تعد مثل هذه التسريبات تثير صدمة كبيرة لدى الناس، لأن المواطن أصبح يدرك أن كثيراً مما يقال اليوم علنا، كان معروفا بالأمس داخل الغرف المغلقة، لكنه كان ينتظر فقط لحظة الانفجار للخروج إلى العلن.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى