
لم تعد أزمة التعليم العالي بالمغرب تحتمل مزيدا من الترقيع أو الاكتفاء بتغيير القوانين والأنظمة البيداغوجية، بعدما كشفت الإصلاحات المتعاقبة عن محدودية قدرتها على إخراج الجامعة المغربية من أزمتها البنيوية.
لقد أعادت التصريحات الأخيرة لوزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، تسليط الضوء على أعطاب منظومة جامعية تواجه تحديات الاكتظاظ والهدر الجامعي وضعف البحث العلمي، فضلا عن صعوبة إدماج الخريجين في سوق الشغل.
وهناك أرقام ومعطيات صادمة حول وضعية الجامعات المغربية، من بينها أن حوالي 50 في المائة من الطلبة الجدد يغادرون الجامعة خلال السنة الأولى، وأن البطالة في صفوف حاملي الإجازة تتجاوز 20 في المائة، فضلا عن الكلفة المالية الباهظة للتأخر في التخرج، وهي أرقام تطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة السياسات العمومية المعتمدة في قطاع يفترض أن يشكل رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
حديث الوزير عن توسيع الخريطة الجامعية من 12 إلى 27 جامعة عمومية يفتح بدوره نقاشا حول مدى قدرة التوسع المجالي على معالجة الاختلالات العميقة التي تعاني منها الجامعة.
لكن السؤال الجوهري، الذي ينبغي أن يطرح اليوم، هو: هل يمكن اختزال أزمة الجامعة المغربية في مجرد قوانين تحتاج إلى التعديل، أم أن الأمر يتعلق بأزمة أعمق تستدعي مراجعة جذرية لفلسفة التعليم العالي وأهدافه ووظائفه، بما يجعله قادرا على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم؟
لقد راكم المغرب، على مدى أكثر من عقدين، إصلاحات متتالية في التعليم العالي، قبل أن تتوالى محاولات تطوير الهندسة البيداغوجية وإعادة هيكلة المسالك والتكوينات، غير أن مرور أكثر من عشرين سنة على اعتماد هذه الإصلاحات لم يمنع استمرار اختلالات المردودية الجامعية، سواء على مستوى عدد الطلبة الذين يستكملون دراستهم في الآجال المحددة، أو على مستوى جودة التكوين وقدرته على الاستجابة لحاجيات المجتمع والاقتصاد.
وهناك معضلة أخرى تعاني منها الجامعات المغربية، وهي الهوة القائمة بين التكوينات المعتمدة ومتطلبات سوق الشغل، حيث يجد عدد كبير من الخريجين أنفسهم أمام بطالة طويلة الأمد، رغم حصولهم على شهادات جامعية، في وقت تشكو قطاعات اقتصادية من صعوبة العثور على الكفاءات التي تحتاج إليها، وهذا التناقض يفرض إعادة النظر في طبيعة التكوينات المعروضة، ومدى ملاءمتها للتحولات التكنولوجية والاقتصادية.
التصنيفات الدولية، التي تضع الجامعات المغربية في رتب متأخرة، والاختلالات التي تعاني منها المختبرات ومراكز البحث، تطرح، هي الأخرى، أسئلة محرجة بشأن مردودية الاستثمارات العمومية التي رصدت للقطاع على مدى سنوات.
ومن هنا فإن أي إصلاح حقيقي للتعليم العالي يجب أن يضع تمويل البحث العلمي في صلب الأولويات، وأن يضمن توزيعا أكثر نجاعة للموارد ويعزز استقلالية المبادرة العلمية في إطار حكامة واضحة وتقييم مستمر للنتائج.
لقد آن الأوان لوضع حد لمنطق الإصلاحات الفاشلة التي تتغير عناوينها بينما تستمر الاختلالات نفسها، لأن أزمة الجامعة المغربية أعمق من مجرد قوانين تحتاج إلى الإصلاح، ومواجهتها تتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية واضحة، وتمويلا كافيا، وحكامة مسؤولة وربطا فعليا بين التكوين والبحث العلمي والتنمية.





