
بقلم: خالص جلبي
يعيش العالم اليوم أزمة (قيم)، مهما أظهر من بوادر الصحة والقوة، إنه انتفاخ المرض وليس عافية الصحة، إن انتفاخ الساقين يعني في الطب أحيانا آفة كلوية مهددة للحياة، كما في القصور الكلوي المزمن، ولا يعني أن الساقين امتلأتا شحما وعافية، هكذا صرح نيكسون: (إننا بعد عشر سنوات سنكون أقوى الدول، ولكنها ليست علامة الصحة). فالعالم اليوم المتقدم قوي، ولكنها قوة البطر وليست قوة الشكر، وهذا ما يجعلها مؤهبة للتحلل والموت والدمار الحضاري ]وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين[.
نهاية الرجل الأبيض
يمكن اعتبار حركة (الهيبيز) مثلا والإدمان على المخدرات ضوءين أحمرين في خط سير حضارة الرجل الأبيض التي بدأت بالتحلل، بدأت في مرحلة الانحدار الأخيرة من مخطط بيانها الحضاري عبر الدورة الحضارية، أو ما عبر عنه الفيلسوف البريطاني، برتراند راسل، عندما أطلق نبوءته الأخيرة بقوله: انتهى دور الرجل الأبيض.
العالم المتحضر منتفخ بـ(الإمكانيات)، ولكنه قزم بـ(الإرادات)، أشياؤه كثيرة، أفكاره قليلة، هذا الوضع البائس المتناقض بين وفرة الأشياء وفراغ النفس أدخل البشرية دوامة يصاب الإنسان فيها بالدوار.
إن معنى الانتحار في أرقى البلاد تقدما وتكنولوجية[1] يعني إعلان الاستقالة من الحياة بفقد مبرراتها، وإن الهرب إلى المخدرات يعني شكلا آخر من أشكال الانتحار، الانتحار الفكري النفسي بالهرب من الوعي والواقع إلى عالم آخر، لأنه يعني الانسحاب من هذا الواقع، يعني الكفر به، يعني رفضه، يعني انتهاء مبررات ارتباطه به.
يدخل الإيمان هنا كقضية حيوية تعيد اتزان الإنسان، وتبث شحنة الثقة في الحياة، وتعيد حلقة ارتباط جديدة بالحياة والمجتمع للبناء الحضاري السوي.
والآن بعد هذا الاستعراض الذي مر معنا نصل إلى تأكيد نقطة جوهرية وهي: أن الإسلام له دوره أمام النظر للواقع، سواء العالمي أو المحلي، ويجب أن يفهم الإسلاميون على وجه الخصوص أن تغير واقع العالم الإسلامي لن يتم إلا بتسليح رؤوسنا بالأفكار وليس أيدينا بالفؤوس، ونظرا لخطورة هذه النقطة بالذات، أود شرح هذه الفكرة بشيء من الاختصار تحت عنوان مفهوم الفكر والقوة.
الفكر والقوة.. اتجاه مسار التاريخ
دخل العالم مرحلة هامة في الستينيات، بعد تطور السلاح النووي واختراع الصواريخ العابرة للقارات، وتقدم طيران الفضاء، واختراع الغواصات النووية كقواعد عسكرية متحركة، وبالتحديد بعد أزمة كوبا وجد العالم نفسه في طريق مسدود، وهكذا حكم منطق القوة نفسه بنفسه، يذكرنا هذا بالمجال الطبي بورم الغدة النخامية الذي يحدث مرض ضخامة النهايات Acromegaly، حيث يضخم الإنسان وكأنه ينتفخ، ولكن ليس بالشكل الجيد وإنما بالشكل الغليظ، هذا الورم في النهاية يضع حدا لنفسه، هكذا يحرق الورم نفسه بنفسه، هكذا فعلت القوة أبطلت نفسها بنفسها، كان تطورا عجيبا، لهذا نسمع سياسيي العالم اليوم يقولون باستحالة الحرب العالمية الثالثة، انطلاقا من هذا المفهوم، لأن حدوث هذه الحرب يعني نقص بناء العالم الذي تعبت البشرية في بنائه في مدى نصف مليون سنة، أو وفق المعلومات الجديدة 2.5 مليون سنة[2]، وهكذا استشهدوا بقول الله تعالى ـ وبمنطق عملي ـ بشكل غير مباشر ]ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا[.
اضطر العالم إلى الرجوع إلى طريق فتح باب الحوار والتفاهم، هكذا انفتحت مغاليق العقل التي أغلقت منذ زمن بعيد، وهكذا بدأ (الضمير) يتحدث بعد أن سكت فترة طويلة. وبدأ العالم يتحدث بعد أن كان يلجأ إلى العصا لتتحدث! وعبر العالم عتبة تاريخية جديدة، ليتحول صراع الإنسان من استخدام (العصا) إلى استخدام (العقل والأفكار).
من يحمل أفكارا صحيحة خادمة للعالم هو الذي سيثبت وجوده، وليس الذي بيده مزيد من (الديناميت).
وهكذا بدأ العالم يتحول من (طفل مشاغب) إلى (عاقل راشد) يتكلم بهدوء، وتكلم العالم بمفاهيم القرآن مرة أخرى ]فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، كذلك يضرب الله الأمثال[. وهذا يعني تفاؤلا للمستقبل، وضوءا أخضر للفكر الإسلامي، وتحول عالم اليوم إلى عالم المبادئ، خاصة وقد أصبحت التكنولوجيا الحديثة خادمة ممتازة للتعبير عن الفكر.
نافذة:
من يحمل أفكارا صحيحة خادمة للعالم هو الذي سيثبت وجوده وليس الذي بيده مزيد من الديناميت
[1] أعلى نسبة انتحار في العالم توجد في بلاد السويد، وهذا الارتفاع يتوازى تماما مع ارتفاع نسبة الرخاء والدخل الفردي، وتوفر كافة الضمانات، حقا إنه أمر يدعو للرثاء والسخرية، ومنه يتبين أن سعادة الإنسان لا تنبع من الرفاه المادي* وإن كان الرفاه المادي يشكل شرطا في السعادة، ولكنه شرط غير جامع مانع، هذا وإن مزيدا من الإباحية في السويد كالتشريع الذي أباح زواج الأخ بالأخت لن يزيد الوضع الاجتماعي إلا سوءا.
* لهذا لم يجعل القرآن الرفاه هدفا ]وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى[.
[2] أعلن الدكتور ريتشارد ليكي، مدير المتحف الوطني في كينيا، في نونبر 1972 أمام الجمعية الجغرافية الوطنية في واشنطن عن اكتشاف بقايا جمجمة يرجع تاريخها إلى مليونين ونصف المليون سنة مضت، وهذه الجمجمة ترجع بذلك إلى مليون ونصف المليون عام عن أقدم أثر أمكن العثور عليه حتى ذلك الحين، كما أنه تم اكتشاف عظام ساق ترجع إلى تلك الحقبة من التاريخ في جبل حجري بإحدى الصحاري شرقي بحيرة رودولف في كينيا، ويبدو أن هذا الاكتشاف سوف يقلب النظريات القائمة بشأن تطور الإنسان من أسلافه المبكرين من عصور ما قبل التاريخ، فنظريات التطور الحالية وعلى رأسها نظرية داروين تذهب إلى أن الإنسان تطور من مخلوق بدائي كانت له سمات فيزيقية أقرب إلى سمات القردة العليا، وان أقدم أثر للإنسان ككائن منتصب القامة يرجع إلى نحو مليون سنة فقط، في حين أن الاكتشاف الجديد يدل على أن الكائن البشري المنتصب القامة يسير على ساقين اثنتين لم يتطور من كائن أكثر بدائية، أو أنه انحدر من سلالة إحدى تلك الآدميات المشبهة بالقردة وإنما عاصرها منذ حوالي مليونين ونصف المليون سنة، وليس من شك في أنه لو صحت هذه النظرية لهدمت نظرية التطور الدارويني من أساسها ودعمت نظرية الخلق المستقل.
(عن مجلة «عالم الفكر» ـ ص11 ـ العدد الرابع ـ المجلد الثالث عام 1973).





