
نعيمة لحروري
ليس كل من يقبع خلف أسوار السجن ينتظر انتهاء عقوبته. فهناك من انتهت سنوات عقوبته، ولم ينته انتظاره. وهناك من بلغ من العمر عتيا، وأصبح يعد ما تبقى له من أيام بدل أن يعد ما مضى من سنوات، ومع ذلك لا يزال ينتظر قرارا قد يعيد إليه حريته، أو على الأقل يحدد إن كان بقاؤه خلف القضبان لا يزال مبررا بالقانون.
في سجون الدار البيضاء، ثمة حكايات لا تشبه غيرها. سجناء تجاوزوا الثمانين من أعمارهم، أنهكت أجسادهم سنوات الاعتقال، وشاخت ملامحهم وهم ينتظرون أن تفتح لهم أبواب السجن. بعضهم، وفق ما يؤكده محامون، استوفى مدة العقوبة الأشد، بل تجاوزها بأشهر، لكن حريته لا تزال معلقة على قرار بإدماج العقوبات، تأخر حتى صار الانتظار نفسه عقوبة أخرى.
والقصة هنا ليست قصة سجين واحد، ولا مأساة عائلة واحدة، بل اختلال يكشف عن وجه مؤلم من وجوه العدالة، حين يعجز الزمن القضائي عن مجاراة الزمن الإنساني.
فمنذ دخول قانون المسطرة الجنائية الجديد حيز التنفيذ، في الثامن من دجنبر الماضي، وانتقال اختصاص البت في طلبات إدماج العقوبات من هيئة الحكم إلى النيابة العامة، تراكم، بحسب معطيات متداولة بين المحامين، نحو 1400 طلب أمام الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، لم يُبت منها إلا في 300 طلب، بينما لا يزال أكثر من 1100 ملف ينتظر، بعضها منذ عشرة أشهر.
ألف ومائة ملف ليست مجرد أوراق مكدسة فوق المكاتب. إنها ألف ومائة حكاية إنسانية، وألف ومائة باب تطرقه عائلات أنهكها الانتظار، وأمهات وآباء وزوجات وأبناء يترقبون خبرا قد يأتي غدا، وقد يتأخر إلى أجل لا يعلمه أحد.
والأغرب أن محاكم استئناف أخرى، من الرباط إلى فاس ومراكش وطنجة، تتمكن، وفق إفادات مهنيين، من معالجة هذه الطلبات خلال شهر أو شهرين، بينما يبدو أن الزمن في الدار البيضاء يسير بعقارب مختلفة.
قبل تعديل القانون، كان الدفاع يتقدم بطلب الإدماج أمام هيئة الحكم، فتحدد جلسة ويصدر القرار. أما اليوم، فقد انتقل الاختصاص إلى النيابة العامة، في إطار إصلاح يفترض أن يجعل المسطرة أكثر سرعة ومرونة. لكن ما يحدث، إن صحت هذه المعطيات، يجعلنا نتساءل: هل نصلح القوانين لنيسر حياة الناس، أم لننقل معاناتهم من قاعة المحكمة إلى رفوف المكاتب؟
لا أحد ينكر ضغط الملفات ولا جسامة المسؤوليات الملقاة على عاتق النيابة العامة بمحكمة بحجم الدار البيضاء. لكن الحرية لا يجوز أن تصبح ضحية نقص الموارد البشرية، أو سوء التنظيم، ولا يمكن أن يطلب من شيخ تجاوز الثمانين أن يتحلى بمزيد من الصبر، بعدما استهلك السجن أجمل سنوات عمره.
ثم إن غياب أجل قانوني محدد للبت في طلبات الإدماج، لا يعني أن الأجل مفتوح إلى ما لا نهاية. فالقانون الذي لا يحدد موعدا لا يمنح أحدا حق مصادرة الزمن، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحرية إنسان.
صحيح أن استيفاء مدة العقوبة الأشد لا يعني تلقائيا وجوب الإفراج، ما لم تتوافر شروط الإدماج وينتفي أي سند قانوني آخر للاعتقال، لكن ذلك يجعل التعجيل بالبت أكثر إلحاحا، حتى لا يتحول التأخير إلى استمرار في الاعتقال دون مبرر مشروع.
وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: من يحاسب على الزمن الضائع؟ ومن يعوض سجينا إذا ثبت أنه قضى أشهرا إضافية خلف القضبان، بسبب تأخر قرار كان ينبغي أن يصدر قبل ذلك بكثير؟
فهذه ليست دعوة إلى التساهل مع المحكوم عليهم، ولا إلى تجاوز القانون، وإنما إلى تطبيقه بالسرعة التي تقتضيها حرية الإنسان وكرامته. ومن حق الرأي العام أن يعرف لماذا تراكمت هذه الملفات، وما الإجراءات المتخذة لمعالجتها، ومتى تنتهي معاناة أصحابها.
وربما لا يحلم أولئك الشيوخ اليوم بأكثر من صباح يستيقظون فيه على أصوات أحفادهم بدل صرير الأبواب الحديدية، أو مساء يجلسون فيه بين أبنائهم وقد أثقل الشيب رؤوس الجميع. لا يطلبون استعادة السنوات التي ابتلعها السجن، وإنما يرجون ألا تُسلب منهم الأيام القليلة التي أبقاها لهم العمر.





