
بين التصعيد العسكري وأحدث المفاوضات المشروطة، تبدو المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في مرحلة حرجة من تاريخها الحديث، حيث تتقاطع حسابات القوة مع رهانات السياسة والدبلوماسية في مشهد إقليمي شديد التعقيد. إيران تتمسك بشروط صارمة تضمن سيادتها وحماية برامجها الاستراتيجية، فيما تكثف واشنطن الضغط العسكري على مختلف الجبهات، لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أقل، في حين تسعى إسرائيل لضمان أن يكون أي اتفاق نهائيا وغير قابل للتجزئة.
وسط هذا التوتر، يبرز مضيق هرمز بطاقة استراتيجية رئيسية، فيما تصبح الساحة اللبنانية جزءًا من المعادلة الإقليمية، ما يجعل أي تهدئة مستقبلية مرهونة بشروط معقدة تتطلب توازنًا دقيقًا بين القوة والسياسة، لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة يمكن أن تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
إعداد: سهيلة التاور
في مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه حسابات القوة العسكرية مع رهانات السياسة والدبلوماسية، تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة مفصلية يصعب فصل مساراتها أو التنبؤ بمآلاتها. فالتصعيد العسكري المتواصل لا يسير بمعزل عن تحركات دبلوماسية حذرة، بل يبدو وكأنه أداة ضغط مرافقة لها، في وقت تكشف التطورات الأخيرة عن فجوة عميقة بين الطرفين، خاصة بعد صدور رد إيراني أولي «غير إيجابي» على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، وهو ما يعكس صعوبة الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية.
ورغم هذا الرد، تؤكد واشنطن أن قنوات الاتصال لم تُغلق، وأن المحادثات لا تزال مستمرة ولم تصل إلى طريق مسدود، في محاولة لإبقاء نافذة الحل السياسي مفتوحة، حتى في ظل تصاعد العمليات العسكرية التي تقول الإدارة الأمريكية إنها حققت خلالها تقدماً ميدانياً ملحوظاً، خصوصاً على مستوى استهداف القدرات البحرية الإيرانية.
إيران تفاوض بشروط
تعكس المواقف الإيرانية تمسكاً واضحاً بخطاب يقوم على فرض الشروط لا التفاوض تحت الضغط، بحيث أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن بلاده تسعى لإنهاء الحرب وفق شروطها الخاصة، وبما يضمن عدم تكرارها مستقبلاً، في إشارة إلى رفض أي تسوية لا تتضمن ضمانات استراتيجية طويلة الأمد.
ولم يخف عراقجي رفض طهران الدخول في مفاوضات في المرحلة الحالية، معتبراً أن مجرد الحديث عن التفاوض الآن يُعد إقراراً بالهزيمة، وهو ما يعكس رؤية إيرانية تعتبر أن استمرار «المقاومة» هو الخيار السياسي والعسكري في هذه المرحلة. هذا الموقف يتعزز بتصريحات مسؤولين إيرانيين أكدوا أن الرد الأولي على المقترح الأمريكي لم يكن إيجابياً، وأنه لا يزال قيد الدراسة، بعد أن تم تسليمه عبر باكستان إلى واشنطن.
وتكشف هذه المعطيات عن مقاربة إيرانية حذرة ترفض القبول بوقف مؤقت لإطلاق النار، إذ تخشى طهران أن تستغل الولايات المتحدة وإسرائيل أي هدنة لإعادة ترتيب قدراتهما العسكرية قبل استئناف الضربات، وهو ما يجعلها تفضل ربط أي تهدئة باتفاق شامل ونهائي.
من التعويضات إلى مضيق هرمز
وضعت إيران مجموعة من الشروط الصارمة، لقبول أي وقف للأعمال العدائية، تشمل الوقف الكامل للهجمات والاغتيالات، وتقديم ضمانات ملموسة بعدم تكرار الحرب، إضافة إلى تعويضات واضحة ومحددة عن الأضرار، وإنهاء العمليات في جميع الجبهات المرتبطة بحلفائها في المنطقة.
وتصر طهران على الاعتراف بحقها السيادي في التحكم في مضيق هرمز، مع ضمانات دولية واضحة، وهو ما يعكس إدراكها لأهمية هذا الممر الحيوي كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي الوقت ذاته، تبدي إيران استعداداً مشروطاً للتفاوض بشأن برنامج تخصيب اليورانيوم، لكنها ترفض بشكل قاطع إدراج برنامجها الصاروخي ضمن أي مفاوضات، معتبرة هذا الملف خطاً أحمر لا يمكن التراجع عنه، وهو موقف سبق أن تمسكت به خلال جولات التفاوض السابقة.
ويظل مضيق هرمز أحد أبرز عناصر التوازن في هذه المواجهة، حيث تعتبره إيران نقطة قوتها الأساسية، في حين تقلل واشنطن من جدوى استخدامه ورقة تفاوض. ويؤكد إليوت أبرامز، المبعوث الأمريكي الخاص السابق لإيران، أن المطالب الإيرانية المرتبطة بالمضيق، خاصة ما يتعلق بالتعويضات أو فرض السيطرة، غير واقعية، مشدداً على أن الولايات المتحدة لن تقبل بأي شروط تمس بحرية الملاحة الدولية.
توسيع دائرة التفاوض
لم تقتصر الشروط الإيرانية على البعد الثنائي مع واشنطن، بل امتدت لتشمل الساحة الإقليمية، حيث أبلغت طهران الوسطاء بضرورة إدراج لبنان ضمن أي اتفاق لوقف إطلاق النار، وربطت إنهاء الحرب بوقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله.. مؤكدة وجود ضمانات إيرانية للحزب بشأن إدراجه في أي اتفاق، في حين ترى الولايات المتحدة أن نزع سلاح حزب الله وإنهاء أنشطة وكلاء إيران يمثلان شرطاً أساسياً لاستقرار المنطقة، فيما تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن العمليات ضد الحزب قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب مع إيران.
ضغط عسكري لفرض التفاوض
تعتمد الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، على استراتيجية تقوم على تكثيف الضغط العسكري لدفع إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط أقل. وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن الولايات المتحدة نفذت، خلال الأسابيع الأخيرة، واحدة من أكبر العمليات العسكرية التي استهدفت مكونات البحرية الإيرانية، حيث تم تدمير أكثر من 140 قطعة بحرية، بينها عشرات القوارب المخصصة لزرع الألغام.
وتشير هذه العمليات إلى أن واشنطن تسعى لتقويض قدرة إيران على تهديد الملاحة والمصالح الأمريكية في المنطقة، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى الحد الذي يجبرها على القبول بالتفاوض.
وفي هذا السياق، تحذر الإدارة الأمريكية من أن استمرار إيران في ما تصفه بسوء تقدير الموقف قد يدفع إلى تصعيد أكبر، مع تأكيد أن الرئيس الأمريكي يفضل التوصل إلى سلام، لكنه مستعد لتوسيع نطاق العمليات العسكرية إذا اقتضت الضرورة.
بدورها كشفت مصادر أمريكية أن واشنطن لم تتلق حتى الآن رداً رسمياً نهائياً من طهران بشأن العرض التفاوضي، رغم استمرار الاتصالات غير المباشرة.
قراءة أمريكية.. الحرب تُحسم خلال أسابيع
يقدم إليوت أبرامز، المبعوث الأمريكي الخاص السابق لإيران، رؤية تعكس ثقة أمريكية متزايدة في مسار العمليات العسكرية، إذ اعتبر أن الشروط الإيرانية «عبثية» ولا يمكن التعامل معها بجدية، مشيراً إلى أن ميزان القوى يميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة.
ووفق تقديرات أبرامز، يحتاج الجيش الأمريكي إلى نحو ثلاثة أسابيع فقط لإنهاء الحرب، في حين تمنح واشنطن طهران مهلة قصيرة لا تتجاوز أسبوعاً لتفويض شخصية تتولى إدارة ملف المفاوضات.
ويرى أبرامز أن إيران تخسر الحرب تدريجياً، مع تعرض أسطولها البحري وقوتها الجوية وبرنامجها الصاروخي لضربات متواصلة، إلى جانب الضغوط المتزايدة على برنامجها النووي.. ومع ذلك يترك المجال مفتوحاً أمام تسويات محدودة، مثل خفض مستويات التخصيب إلى الحدود الدنيا أو تصدير الفائض من اليورانيوم، في إطار مقاربة تهدف إلى احتواء الأزمة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
الداخل الأمريكي.. دعم للحرب وحسابات اقتصادية
على الصعيد الداخلي، تشير التقديرات إلى وجود دعم نسبي لاستمرار الحرب داخل الولايات المتحدة، مع محدودية الأصوات المعارضة التي تتركز غالباً في صفوف الديمقراطيين، مقابل دعم قوي من الجمهوريين لسياسات الرئيس ترامب.
ويرتبط هذا الدعم أيضاً بحسابات اقتصادية، إذ يسعى ترامب، وفق أبرامز، إلى توظيف مهاراته التفاوضية لخفض أسعار الطاقة وتعزيز أداء الأسواق المالية، مع إدراك أن الحرب، رغم تكلفتها، قد تنتهي خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
خيارات مفتوحة.. من التصعيد إلى التفاوض
تبقى جميع الخيارات مطروحة أمام واشنطن، بما في ذلك توسيع نطاق الضربات لتشمل منشآت نووية ومواقع استراتيجية مرتبطة بمضيق هرمز وجزيرة خرج، مع إمكانية تنفيذ عمليات متكررة وفق الاستراتيجية العسكرية الأمريكية.
في المقابل لا تزال واشنطن تترك الباب مفتوحاً أمام حل تفاوضي، مع ترقب ظهور مفوض إيراني يتولى إدارة الحوار خلال الفترة المقبلة، في ظل غموض يحيط بمواقف بعض مراكز القرار داخل إيران.
الدبلوماسية المشروطة.. باكستان بوابة محتملة
تعمل الإدارة الأمريكية على ترتيب اجتماع محتمل في باكستان، قد يجمع مسؤولين من الطرفين في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة، وسط تقارير تفيد بإمكانية مشاركة جيه دي فانس في هذه اللقاءات.
بدورها أبدت أطراف إقليمية، من بينها مصر، استعدادها لاستضافة محادثات تدعم التهدئة، حيث أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، أن القاهرة منفتحة على أي مبادرة تسهم في خفض التوتر.
إسرائيل: نحو اتفاق نهائي لا يقبل التجزئة
على الجانب الإسرائيلي، تبدو الرؤية أكثر تشدداً، حيث يؤكد بنيامين نتنياهو أن المعركة لا تزال في ذروتها، رافضاً أي حديث عن قرب انتهائها.
ويشير ألون أفيتار، المستشار السابق في وزارة الدفاع الإسرائيلية، إلى أن أهداف إسرائيل لم تتغير منذ بداية الحرب، وتتمثل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وتقويض برنامج الصواريخ الباليستية ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم.
وتسعى تل أبيب إلى ضمان أن يكون أي اتفاق مع إيران نهائياً وغير مؤقت، مع الضغط على الإدارة الأمريكية لتبني موقف أكثر صرامة، في ظل مخاوف من تقديم تنازلات قد لا تتماشى مع المصالح الإسرائيلية.
وتعبر إسرائيل عن قلقها من احتمال عدم التزام إيران بأي اتفاق على المدى الطويل، معتبرة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاق، بل في ضمان تنفيذه بعد سنوات.
ورغم الطموحات الإسرائيلية، يقر أفيتار بأن إسقاط النظام الإيراني لم يعد هدفاً واقعياً، مع تحول التركيز نحو تحقيق إنجازات عسكرية قابلة للتحويل إلى مكاسب سياسية، ويشدد على ضرورة الفصل بين الجبهة الإيرانية والساحة اللبنانية، مع الإبقاء على حرية التحرك العسكري في لبنان، والسعي إلى نزع سلاح حزب الله في الجنوب لتحقيق استقرار طويل الأمد.





