
في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب الترقب قبيل الاستحقاقات الانتخابية، برزت ظاهرة لافتة باتت تؤثث المشهد العام، يمكن وصفها بـ”الإنجازات الافتراضية”، وهي حالة يعمد فيها العديد من المنتخبين والبرلمانيين، إلى تضخيم أفعال روتينية أو قرارات عادية وتقديمها للرأي العام على أنها إنجازات كبرى تستحق الإشادة والتنويه، في محاولة منهم لإعادة تلميع الصورة السياسية التي اهتزت بفعل ضعف الأداء وغياب الأثر الملموس على حياة المواطنين.
وتعاني العديد من الجماعات الترابية من سبات عميق، وتتخبط لسنوات في مؤشرات مقلقة مرتبطة بتراجع جودة الخدمات، وتأخر تنزيل المشاريع، وضعف الحكامة، فضلا عن محدودية مواكبة الإصلاحات الكبرى التي تشهدها المملكة، حيث بقيت الوعود الانتخابية حبيسة الشعارات، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ على أرض الواقع.
إن التنافس السياسي الحقيقي، خاصة في الفترات الانتخابية، يجب أن ينصب على الحصيلة الفعلية والنتائج الملموسة، وعلى مدى انعكاس التسيير على التنمية المحلية، لأن المعيار الأساس في تقييم أداء المنتخبين لا يكمن في عدد الصور المنشورة ولا في حجم التفاعل والتعليقات المبارِكة على منصات التواصل الاجتماعي، بل في أثر القرارات والإجراءات على المعيش اليومي للمواطن، وفي درجة رضاه عن الخدمات المقدمة.
وفي هذا السياق يجب أن نفرق جيدا بين التواصل السياسي الضروري بمعايير حديثة، وبين التضليل الذي يسعى إلى إخفاء الإخفاقات، إذ لا يمكن القبول بتحول العمل السياسي إلى عروض “تيكتوكية” تقوم على الإثارة السطحية والتنافس في جمع نقرات الإعجاب، في ظل غياب مضمون حقيقي يعكس الجدية في الالتزام بخدمة الصالح العام.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، سنعود لنشهد تنامي ظاهرة الصفحات الممولة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تكلف بمهام مشبوهة في تلميع صور بعض المنتخبين، وفي المقابل استهداف خصومهم بحملات تشهير وابتزاز وتصفية حسابات ضيقة، ما يهدد أخلاقيات الممارسة السياسية، ويتعارض والمساحة الضرورية لحرية الناخب وحرية الترشح والتنافس السياسي، كما يتطلب الأمر الصرامة القانونية وردع المخالفين دون مبررات واهية.
وختاما فإن الرهان اليوم هو مساعدة الناخب على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والوهمي، كما أن عملية تقييم أداء المنتخبين يجب أن تعتمد على مؤشرات دقيقة، ولغة الأرقام، ومدى تحقق الأهداف المسطرة، بعيدا عن ضجيج الحملات الرقمية والتلميع الإعلامي، بحيث من أخفق في أداء مهامه بالميدان، لن تنقذه حملات الإشادة المدفوعة، كما لا ترفع من شأنه آلاف نقرات الإعجاب الوهمية.




