حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةرياضةسياسية

الأبطال المغاربة في حلبة السياسة.. حين تصبح الرياضة رصيدا انتخابيا

وجوه رياضية بين طموح صناعة القرار وإغراء تحويل الشعبية الجماهيرية إلى قوة انتخابية

سفيان أندجار

في الرياضة قد تكفي أجزاء من الثانية لصناعة بطل، وقد يحتاج الرياضي إلى سنوات طويلة من التدريب والتضحيات قبل أن يجد نفسه فوق منصة التتويج، يحمل ميدالية أو يرفع كأساً ويستمع إلى النشيد الوطني.

في السياسة لا تسير الأمور بالسرعة نفسها. الشهرة قد تفتح الباب، لكنها لا تضمن العبور. والاسم المعروف قد يجذب الناخبين، لكنه لا يصنع بالضرورة رجل دولة. أما الوصول إلى البرلمان أو رئاسة جماعة فليس سوى بداية اختبار أصعب: هل يستطيع البطل، الذي اعتاد صناعة الانتصار، أن يصنع قرارا يخدم الناس؟

بين المضمار وصناديق الاقتراع

بين الحلبة والمضمار والملعب من جهة، وصناديق الاقتراع وقاعات البرلمان ومجالس الجماعات من جهة أخرى، عبر عدد من الرياضيين المغاربة المسافة الفاصلة بين عالمين مختلفين في القواعد والأدوات.

دخل بعضهم السياسة من بوابة الأحزاب والانتخابات، بينما اختار آخرون مواقع مؤسساتية وحكومية، وظل آخرون يحاولون تحويل رصيدهم الرياضي إلى حضور في الشأن العام، إلا أن التجارب لم تكن متشابهة. فهناك من تمكن من الانتقال من صناعة الإنجاز الرياضي إلى مواقع القرار، وهناك من اصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيداً من المنافسة فوق أرضية الملعب أو داخل الحلبة.

هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز أسماء الرياضيين أنفسهم: هل تستقطب الأحزاب الأبطال بسبب كفاءتهم وخبرتهم، أم لأن شهرتهم تمثل رأسمالاً انتخابياً جاهزاً؟

الإجابة لا توجد في الخطابات الانتخابية، وإنما في الحصيلة. فالألقاب والميداليات تمنح الرياضي رصيداً جماهيرياً، لكنها لا تمنحه تلقائياً القدرة على التشريع أو التدبير أو التفاوض أو مواجهة تعقيدات الإدارة والميزانية.

لهذا فإن تجارب عدد من الرياضيين المغاربة داخل السياسة تكشف انتقالاً صعباً من عالم تكون فيه النتيجة واضحة ــ فوز أو خسارة ــ إلى عالم أكثر ضبابية، حيث يمكن أن يربح المرشح الانتخابات ويخسر معركة التدبير، أو يدخل المؤسسة حاملاً شعبية كبيرة ثم يكتشف أن صناعة القرار لا تخضع لقواعد المنافسة الرياضية.

 

المتوكل.. من الذهب الأولمبي إلى طاولة القرار

 

حين يتعلق الأمر بالرياضيين الذين عبروا من الملاعب إلى المؤسسات، يصعب تجاوز نوال المتوكل.

قصتها بدأت من المضمار، إلا أنها لم تنته عند خط الوصول. ففي أولمبياد لوس أنجلوس 1984، صنعت المتوكل تاريخاً يتجاوز حدود الرياضة، عندما أصبحت أول امرأة عربية وإفريقية تحرز ذهبية أولمبية. لكن القيمة السياسية لمسار نوال لا تكمن في الميدالية وحدها، وإنما في ما حدث بعدها.

اختارت المتوكل ألا تجعل الاعتزال نهاية لمسيرتها، بل بداية لمرحلة جديدة انتقلت فيها من صناعة الإنجاز إلى المشاركة في صناعة القرار. ففي سنة 1989، التحقت مفتشة بوزارة الشباب والرياضة ، قبل أن تدخل الحكومة سنة 1997 كاتبة دولة مكلفة بالشباب والرياضة في حكومة عبد اللطيف الفيلالي.

كانت تلك أولى محطاتها الحكومية، وإن كانت قصيرة، لكنها كانت كافية لتضع البطلة الأولمبية داخل فضاء مختلف تماماً عن فضاء المنافسة الرياضية: فضاء الإدارة، والسياسات العمومية، والميزانيات والقرارات الحكومية.

لم يكن دخول نوال المتوكل إلى السياسة منفصلاً عن خلفيتها الرياضية، إذ حملت معها قضايا ظلت حاضرة في مسارها، في مقدمتها توسيع حضور المرأة في الرياضة والدفاع عن مكانة الرياضة داخل السياسات العمومية.

خروج نوال من الحكومة لم يعنِ ابتعادها عن دوائر القرار، بل على العكس انتقلت إلى فضاء أكثر اتساعاً، بعدما أصبحت سنة 1998 عضواً في اللجنة الأولمبية الدولية، ثم تولت مسؤوليات داخل الاتحاد الدولي لألعاب القوى والحركة الأولمبية، قبل أن تصل إلى رئاسة لجنة تقييم ملفات المدن المرشحة لاستضافة أولمبياد 2012.

هنا تغير حجم التجربة، لم تعد المتوكل مجرد بطلة أولمبية سابقة تبحث عن موقع بعد الاعتزال، وإنما أصبحت شخصية رياضية مغربية حاضرة داخل المؤسسات الرياضية الدولية.

سنة 2007 عادت نوال إلى الحكومة، وهذه المرة وزيرة للشباب والرياضة في حكومة عباس الفاسي.

كان الفرق كبيراً بين التجربتين، ففي الأولى كانت بطلة شابة تدخل الإدارة والسياسة لأول مرة، أما في الثانية فكانت تعود إلى الوزارة وهي تحمل معها سنوات من الخبرة الدولية والاحتكاك بالمؤسسات الرياضية العالمية.

لهذا فإن تجربة المتوكل تطرح سؤالاً مختلفاً عن بقية التجارب: هل نجحت في تحويل الرصيد الرياضي والدولي إلى تأثير فعلي في السياسات الرياضية المغربية؟

أهمية قصة نوال أنها لا تختصر الانتقال من الرياضة إلى السياسة في مقعد انتخابي. إنها مسار طويل عبر الإدارة والحكومة والمؤسسات الرياضية الدولية، جعل منها واحدة من أبرز الحالات المغربية التي لم تتوقف عند حدود الشهرة الرياضية.

فالبطلة، التي احتاجت إلى 51 ثانية تقريباً لتحسم سباق 400 متر حواجز في لوس أنجلوس، احتاجت بعد ذلك إلى سنوات طويلة لخوض سباقات أخرى، أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً من سباقات المضمار.

 

لخصم.. عندما غادر البطل الحلبة ودخل ساحة الصراع

 

إذا كانت نوال المتوكل تمثل انتقالاً مؤسساتياً هادئاً من الرياضة إلى مواقع القرار، فإن مصطفى لخصم يقدم النسخة الأكثر صخباً من القصة.

البطل العالمي في الكيك بوكسينغ، الذي اعتاد مواجهة خصومه داخل الحلبة، وجد نفسه، بعد الاعتزال، أمام خصوم من نوع مختلف: (انتخابات، أحزاب، مجالس منتخبة، ميزانيات، صراعات وتوازنات محلية).

سنة 2021 دخل لخصم الانتخابات المحلية وفاز برئاسة جماعة إيموزار كندر، حاملاً معه صورة البطل الذي يريد الانتقال من صناعة الانتصارات الفردية إلى خدمة منطقة يعتبر أنها بحاجة إلى التنمية.

ففي الحلبة يعرف الرياضي خصمه ويعرف قواعد المواجهة وموعد البداية والنهاية.. أما في المجلس الجماعي، فلا توجد ضربة قاضية تنهي الخلاف ولا جرس يعلن نهاية الجولة.. بل هناك مساطر إدارية، وتوازنات سياسية، وميزانيات، وتحالفات ومؤسسات لا يمكن تجاوزها بمجرد امتلاك شعبية انتخابية.

دخل لخصم في خلافات مع حزب الحركة الشعبية، وانتقد قيادته واتهمها بمحاربة الكفاءات، قبل أن يقرر مغادرة الحزب والبحث عن موقع سياسي آخر. انتقل لاحقاً إلى حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، معلناً مواصلة تجربته السياسية من بوابة جديدة.

هذا الانتقال لم يكن تفصيلاً عابراً في مساره، بل كشف واحدة من أكثر معضلات السياسي القادم من الرياضة حساسية: ماذا يحدث عندما تصطدم الشخصية الفردية القوية بمنطق العمل الحزبي؟

فالرياضي الكبير اعتاد أن يتحمل مسؤولية نتيجته بنفسه، أما السياسي فيتحرك داخل منظومة جماعية، حيث القرار نتاج تحالفات وتوافقات وتوازنات، وحيث لا تكفي القناعة الشخصية لتمرير مشروع أو تغيير واقع.

مع ذلك لم تكن تجربة لخصم مجرد سلسلة من الصراعات. فقد ظل يؤكد أن دخوله السياسة مرتبط برغبته في خدمة المنطقة، وتمكنت جماعته من إطلاق أو تمرير عدد من المشاريع، من بينها مشاريع مرتبطة بالتطهير السائل والطرق.

أنصار لخصم يرون فيه نموذجاً لشخصية رياضية حاولت الخروج من دائرة الشهرة إلى العمل الميداني، فيما يرى منتقدوه أن الانتقال من الرياضة إلى تدبير الشأن العام يحتاج إلى أدوات مختلفة عن تلك التي صنعت المجد داخل الحلبة.

وبين الرأيين تبقى تجربة لخصم واحدة من أكثر الحالات إثارة للاهتمام، لأنها وضعت بطل العالم أمام اختبار لم يكن يعرفه فوق الحلبة: كيف يتحول الفوز الشخصي إلى إنجاز جماعي؟

 

القنديلي.. عندما تبحث الشهرة الرياضية عن مقعد سياسي

 

بعيدا عن الأضواء التي رافقت أسماء مثل المتوكل ولخصم، تظهر تجربة هشام القنديلي، البطل العالمي في الكيك بوكسينغ، باعتبارها نموذجاً آخر لمحاولة العبور من الرياضة إلى السياسة.

القنديلي دخل هذا المجال حاملاً معه سيرة رياضية صنعت له اسماً خارج المغرب، والألقاب الدولية تمنح صاحبها، بطبيعة الحال، رأسمالاً رمزياً لا يملكه المرشح العادي.

في الحلبة يُقاس النجاح بالنتيجة، أما في الانتخابات فالنجاح يبدأ بإقناع الناخب، ثم يتحول إلى قدرة على التمثيل والدفاع عن الملفات، وبعدها إلى ممارسة فعلية داخل المؤسسة.

سنة 2021 اختار القنديلي الترشح باسم حزب الاتحاد الاشتراكي، ضمن تمثيلية المغاربة المقيمين بالخارج، وهي تجربة تختلف عن الترشح المحلي المباشر.

فالقنديلي لم يدخل السياسة من بوابة جماعة ترابية يملك فيها الرياضي شبكة جماهيرية محلية، وإنما حاول الانتقال من رصيد رياضي دولي إلى فضاء سياسي يرتبط بتمثيلية مغاربة العالم.

هذا يجعل تجربته اختباراً أكثر دقة للسؤال الأساسي الذي يرافق دخول الرياضيين إلى السياسة: هل يمكن للشهرة، التي صنعتها الرياضة، أن تتحول إلى مشروع سياسي يتجاوز الصورة الشخصية للبطل؟

الأمر لا يتعلق فقط بالترشح أو الظهور في الحملات الانتخابية، وإنما بما يأتي بعد ذلك: الاستمرارية، والمواقف، والعمل المؤسساتي والقدرة على الدفاع عن الملفات.

هنا تحديداً تكمن أهمية تجربة القنديلي، فهي تضع أمامنا نموذجاً لرياضي حاول أن يعبر من منصة التتويج إلى المؤسسة السياسية، لكن المسافة بين المكانين تبقى أكبر بكثير مما توحي به الصورة.

 

 

هل استفادت الرياضة من وجود المسيرين داخل المؤسسات المنتخبة؟

 

هناك طرف آخر في هذه القصة لا يقل أهمية عن الأبطال: مسيرو الأندية.. إذ كشفت الانتخابات السابقة عن حضور لافت لرؤساء أندية ومسؤولين رياضيين داخل الأحزاب والبرلمان، فمعظم إن لم نقل جل رؤساء الأندية في قسميها الأول والثاني هم رجال يمارسون السياسة منذ مدة ومنخرطون في أحزاب سياسية،

وهؤلاء لا يدخلون السياسة برصيد بطولة فردية، وإنما برصيد مختلف تماماً: شبكة علاقات، جماهير وتجربة في إدارة أندية تعد من أكبر المؤسسات الرياضية شعبية في البلاد.

هنا تصبح المعادلة أكثر تعقيدا، فالنادي الرياضي يمكن أن يكون خزاناً انتخابيا غير مباشر، خصوصا عندما يكون رئيسه شخصية معروفة لدى عشرات الآلاف من المشجعين. لذلك فإن انتقال رئيس النادي إلى السياسة يطرح سؤالا لا يطرح بالحدة نفسها في حالة البطل الفردي: هل دخل السياسة من بوابة الرياضة أم استخدم موقعه الرياضي للوصول إلى السياسة؟

السؤال المقابل أكثر أهمية: هل استفادت الرياضة من وجود هؤلاء المسيرين داخل المؤسسات المنتخبة؟

للإجابة يجب النظر إلى الحصيلة لا إلى الأسماء.. هل حمل هؤلاء ملفات الأندية إلى البرلمان؟ هل دافعوا عن إصلاح الحكامة؟ هل طالبوا بمراجعة أنظمة التمويل؟ هل ناقشوا وضعية الاحتراف؟ هل طرحوا إشكالات النزاعات والديون؟ وهل حاولوا إيجاد حلول لمشكلة البنيات التحتية والتكوين؟

لدى معظم الرؤساء، الذين مروا في السياسة، ظلت الرياضة مجرد بوابة للوصول إلى مواقع سياسية، أو العكس هناك من ضمنهم من كان يمارس السياسة ويبحث عن درع الرياضة   سيما أن الرياضة تمنح السياسي رصيدا، من دون أن تحصل بالضرورة على شيء في المقابل.

في النهاية تكشف هذه التجارب أن العلاقة بين الرياضة والسياسة في المغرب ليست جديدة، غير أنها لم تصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها القول إن الرياضيين أصبحوا قوة سياسية منظمة تدافع عن قطاعها داخل المؤسسات.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى