
النعمان اليعلاوي
اختار حزب التجمع الوطني للأحرار مواصلة لقاءاته التواصلية استعداداً للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، من عين جوهرة بإقليم الخميسات إلى جرف الملحة بإقليم سيدي قاسم، جامعاً بين الدفاع عن حصيلة الحكومة والرد على انتقادات المعارضة، وبين رفع سقف الوعود الاجتماعية والاقتصادية الموجهة إلى الناخبين.
وفي الوقت الذي انشغل فيه رئيس الحكومة عزيز أخنوش بالدفاع عن قرارات حكومته، خصوصاً في ما يتعلق بملف استيراد الأغنام، اختار محمد شوكي، رئيس الحزب، تقديم حزمة من الالتزامات الاجتماعية، وفي مقدمتها رفع الحد الأدنى للأجر «السميك» إلى 5000 درهم.
وتأتي هذه التحركات في مرحلة سياسية حاسمة، يسعى فيها «الأحرار» إلى تقديم الولاية الحكومية الحالية باعتبارها تجربة تستحق الاستمرار، مقابل خطاب معارض ينتقد حصيلتها في عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وعلى رأسها القدرة الشرائية والتشغيل وتدبير عدد من الأزمات القطاعية.
أخنوش: الحكومة لا تهرب من المسؤولية
في عين جوهرة بإقليم الخميسات استعاد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الجدل المرتبط بملف استيراد الأغنام ومقترح إحداث لجنة لتقصي الحقائق، مؤكداً أن موقفه من اللجنة كان واضحاً منذ البداية، وأن الحكومة لم تكن تخشى المثول أمامها أو تقديم المعطيات والتوضيحات بشأن القرارات التي اتخذتها.
وقال أخنوش إن موقفه كان الترحيب بإحداث اللجنة إذا اختارت المعارضة المضي في مسطرتها، مؤكداً استعداد مختلف القطاعات الحكومية المعنية للتفاعل معها، سواء تعلق الأمر بوزارة الفلاحة أو وزارة المالية أو وزارة الداخلية.
واختار رئيس الحكومة لهجة مباشرة في مخاطبة الحاضرين، قائلاً: «حنا في وسط الحكومة، حنا مسؤولين، حنا ما كنهربوش من المسؤولية»، موضحاً أن ثقته في الاختيارات التي اتخذتها الحكومة جعلته لا يرى أي إشكال في أن يمثل الوزراء المعنيون أمام اللجنة، وأن يقدموا الأجوبة والتوضيحات المطلوبة بشأن تدبير ملف استيراد الأغنام.
وبهذا الخطاب، حاول أخنوش تحويل الجدل حول اللجنة من نقطة ضغط سياسية على الحكومة إلى مناسبة لإبراز ما يعتبره استعداداً لتحمل المسؤولية. فبالنسبة إليه لا يتعلق الأمر بحكومة تسعى إلى تفادي المساءلة، وإنما بحكومة مستعدة لتقديم أجوبتها والدفاع عن قراراتها أمام المؤسسات المختصة.
وأضاف أخنوش أن الحكومة كانت مستعدة للتعامل مع اللجنة وتقديم كل المعطيات المرتبطة بالملف، مشيراً إلى أن تحمل المسؤولية السياسية يقتضي مواجهة الأسئلة وتقديم الأجوبة، بدل الاختباء وراء المواقف أو المؤسسات.
ويحمل هذا الموقف رسالة سياسية واضحة إلى المعارضة، مفادها أن «الأحرار» لا يعتبرون الدعوة إلى لجنة تقصي الحقائق تهديداً للحكومة، بقدر ما يرون فيها فرصة لتقديم روايتهم حول القرارات التي اتخذت في سياق صعب عرف، سيما في قطاع تربية المواشي، تحديات متراكمة مرتبطة بالجفاف، وتراجع القطيع وارتفاع كلفة الأعلاف.
رئيس الحكومة ينتقد «الوفاء» داخل الأغلبية
لم يكتف أخنوش بالدفاع عن موقف الحكومة، بل انتقل إلى توجيه انتقادات لطريقة تدبير الموضوع داخل مكونات الأغلبية الحكومية، مشيراً إلى أن النقاش الأولي داخلها انتهى إلى موقف معين، قبل أن يعلن رئيس أحد فرق الأغلبية لاحقاً استعداده للتصويت إلى جانب المعارضة من أجل إحداث اللجنة.
في هذا السياق، تساءل أخنوش «بالله عليكم، أين الوفاء؟»، معتبراً أن الاختلاف في وجهات النظر لا يمثل في حد ذاته مشكلة، بقدر ما تطرح طريقة التعبير عن المواقف إشكالاً يرتبط بالوضوح والانسجام السياسي داخل الأغلبية.
وتكشف هذه الإشارة عن جانب آخر من خطاب رئيس الحكومة، لا يرتبط بالمعارضة فقط، وإنما أيضاً بعلاقة مكونات الأغلبية بعضها ببعض، خصوصاً في ظل اقتراب موعد الانتخابات وارتفاع منسوب التنافس السياسي بين الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي.
وأكد أخنوش أن حكومته ظلت تنتظر المضي في المسطرة المتعلقة بإحداث اللجنة، ولم تكن لديها أية نية للتهرب منها، قائلاً: «حنا اللي عندنا الحكومة وحنا اللي عندنا المسؤولية، ونمشيو كلنا نتخباو في شي بلاصة؟ ما يمكنش».
وانتقد أخنوش، في المقابل، ما اعتبرها محاولة لتحويل ملف استيراد الأغنام إلى مادة للسجال السياسي، مؤكداً أن الأهم بالنسبة للحكومة هو تقديم الأجوبة وتحمل المسؤولية عن الاختيارات والقرارات التي اتخذتها.
وأشار رئيس الحكومة إلى أن اللجنة لم تر النور في نهاية المطاف، ليعود إلى التأكيد على أن حكومته كانت مستعدة للدفاع عن قراراتها وتقديم المعطيات اللازمة بشأن الملف، في وقت يظل الموضوع من الملفات التي تستحضر بقوة في النقاش السياسي والانتخابي، بالنظر إلى علاقته المباشرة بالقدرة الشرائية للمواطنين وبأوضاع الكسابة.
واختار أخنوش منطقة عين جوهرة لطرح هذا الملف بالنظر إلى طبيعة المنطقة وارتباط عدد من سكانها بتربية الماشية، موجهاً رسالة إلى الكسابة مفادها أن الدولة ستظل إلى جانبهم عند مواجهة الصعوبات.
من خلال هذا الخطاب، حاول رئيس الحكومة استعادة البعد الاجتماعي للملف، وعدم حصره في الجدل السياسي حول استيراد الأغنام، مذكراً بأن خلف الأرقام والقرارات الحكومية توجد فئات مهنية مرتبطة بشكل مباشر بالقطاع، إلى جانب مستهلكين يتابعون انعكاسات هذه السياسات على الأسعار والقدرة الشرائية.
شوكي يرفع سقف الوعود الانتخابية بـ5000 درهم
بالتوازي مع الرسائل السياسية التي حملها خطاب أخنوش، اختار محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، من جرف الملحة بإقليم سيدي قاسم، التركيز على الجانبين الاجتماعي والاقتصادي من البرنامج الانتخابي للحزب، مقدماً وعوداً جديدة تستهدف الأسر والعمال والشباب والنساء.
وخلال لقاء تواصلي حاشد، حضره نحو 10 آلاف شخص من ساكنة الإقليم، وفق المنظمين، شدد شوكي على أن «الأحرار» يبادل المواطنين «الحب والوفاء والإخلاص والتضحية»، مؤكداً أن الحزب يريد مواصلة مساره السياسي والاجتماعي بالاستناد إلى ما يعتبره رصيداً منجزاً خلال الولاية الحكومية الحالية.
ووضع رئيس الحزب حماية القدرة الشرائية للمواطنين في صدارة أولويات البرنامج الانتخابي، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع كلفة المعيشة، معلناً عن أحد أبرز الوعود الاجتماعية للحزب، والمتمثل في رفع الحد الأدنى للأجر «السميك» إلى 5000 درهم.
ويأتي هذا التعهد في قلب النقاش الانتخابي حول الأجور والقدرة الشرائية، سيما أن مستوى الدخل أصبح أحد أهم المعايير التي يقيس بها المواطنون أثر السياسات الحكومية على حياتهم اليومية. لذلك، فإن رفع «السميك» إلى 5000 درهم لا يقدم فقط باعتباره إجراءً تقنياً في سوق الشغل، وإنما باعتباره عنواناً سياسياً واجتماعياً يراد منه إعطاء إشارة إلى الطبقة العاملة والأجراء بشأن توجهات الحزب خلال المرحلة المقبلة.
وكشف شوكي، أيضا، عن التزام انتخابي يقضي بمنح إعفاء ضريبي بقيمة 5000 درهم عن كل طفل متمدرس سنوياً، في إجراء قال إنه يستهدف دعم الأسر والتخفيف من الأعباء المرتبطة بالتمدرس وتعزيز قدرتها الشرائية.
ويحاول الحزب، من خلال هذه الوعود، توسيع دائرة المستفيدين من خطابه الانتخابي، بحيث لا يقتصر الأمر على الأجراء، وإنما يشمل الأسر التي تواجه تكاليف متزايدة مرتبطة بتعليم أبنائها، فضلاً عن فئات مهنية تعاني من هشاشة العمل وعدم استقراره.
من القدرة الشرائية إلى إنتاج الكهرباء
لم يقدم شوكي هذه الوعود باعتبارها إجراءات منفصلة، بل وضعها ضمن تصور أوسع يربط البرنامج الانتخابي للحزب بمواصلة ما يعتبره «مساراً» بدأ خلال الولاية الحكومية الحالية، مع التركيز على القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية وخلق فرص جديدة للشباب والنساء.
وامتدت الوعود إلى مجال الطاقة، إذ عرض رئيس الحزب تصوراً يقوم على تمكين الأسر المغربية من إنتاج الكهرباء داخل منازلها، مع إمكانية ضخ الفائض في الشبكة الوطنية، بما يسمح للمواطن، وفق هذا التصور، بالانتقال من مجرد مستهلك للطاقة إلى مساهم في إنتاجها.
ويحمل هذا المقترح بعداً اقتصادياً واجتماعياً في آن واحد، باعتبار أن تمكين الأسر من إنتاج جزء من حاجياتها من الكهرباء يمكن أن يخفف من فاتورة الاستهلاك، ويفتح الباب أمام تصور جديد لعلاقة المواطن بالطاقة، يقوم على الإنتاج والاستهلاك معاً.
ويأتي إدراج الطاقة ضمن الخطاب الانتخابي للحزب في سياق أوسع يرتبط بالتحديات التي تواجه المغرب في مجال الأمن الطاقي، وارتفاع كلفة الطاقة والحاجة إلى تطوير مصادر إنتاج أكثر استدامة، وهي ملفات تتجاوز آثارها المجال الاقتصادي لتنعكس مباشرة على الأسر والمقاولات.
بطاقة خاصة للعمال الموسميين
خص رئيس الحزب العمال الموسميين بوعد انتخابي خاص، معلناً عزم «الأحرار» إحداث بطاقة خاصة بهذه الفئة التي تشتغل في قطاعات الفلاحة والبناء والسياحة، بهدف تعزيز حمايتها وضمان حقوقها.
وأوضح شوكي أن طبيعة العمل الموسمي وما يرافقها من عدم استقرار مهني تجعل هذه الفئة في حاجة إلى آليات أكثر وضوحاً للحماية والتأطير، معتبراً أن البطاقة المقترحة ستساهم في تعزيز حقوق العمال الموسميين ومواكبتهم.
ويستهدف هذا الالتزام فئة واسعة من اليد العاملة التي ترتبط أنشطتها بمواسم الإنتاج والطلب على العمالة، سيما في القطاعين الفلاحي والسياحي، حيث يظل الاستقرار المهني والحماية الاجتماعية من أبرز التحديات المطروحة.
ومن خلال هذا المقترح، يسعى الحزب إلى تقديم نفسه باعتباره معنياً ليس فقط بمستوى الأجور، وإنما أيضاً بوضعية الفئات التي توجد خارج سوق الشغل المستقر، والتي تحتاج إلى آليات واضحة لتوثيق علاقات العمل وضمان الحقوق الاجتماعية والمهنية.
«مواصلة المسار» في مواجهة دعوات التغيير
بينما انشغل أخنوش بالدفاع عن حصيلة الحكومة والرد على الجدل السياسي المرتبط بملف الأغنام، ركز شوكي على تقديم صورة انتخابية للحزب باعتباره قوة سياسية تراهن على الاستمرار في المسار نفسه مع إدخال التزامات اجتماعية جديدة.
وتتقاطع الرسالتان في نقطة أساسية، تتمثل في محاولة تقديم «الأحرار» باعتباره حزباً يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام ولا يتنصل من حصيلته، وفي الوقت نفسه يطرح إجراءات جديدة للمرحلة المقبلة.
فأخنوش يركز على المسؤولية السياسية والدفاع عن القرارات الحكومية، بينما يركز شوكي على ما ينتظر المواطن من تحسينات في الأجر والتمدرس والطاقة والحماية الاجتماعية. وبين الخطابين يحاول الحزب بناء سردية انتخابية قوامها أن الاستمرار في القيادة السياسية لا يعني الاكتفاء بالدفاع عن الماضي، وإنما تقديم تعهدات جديدة للمستقبل.
وفي ختام لقائه بجرف الملحة، دعا شوكي المواطنين إلى مقارنة البرامج الانتخابية واختيار ما وصفه بـ«الصحيح»، مؤكداً أن حزبه يراهن على مواصلة المسار الذي بدأه.





