
يونس جنوحي
بعد سبعة قرون بالتمام والكمال على انطلاق رحلته الشهيرة، أخيرا يحتفي المغاربة بابن بطوطة، بعد مرحلة إهمال لم يكد يُذكر فيها اسم الرجل إلا خارج المغرب.
في الدورة الحالية للمعرض الدولي للكتاب، يعود الرحالة ابن بطوطة إلى الحياة.. ففي مثل هذا العام قبل سبعمئة سنة -فقط لا غير- انطلق ابن بطوطة من مدينة طنجة لكي يؤدي فريضة الحج، فإذا بالرحلة تتحول إلى أشهر جولة عالمية في تاريخ الإنسانية، امتدت لثلاثين سنة وصل فيها إلى المالديف والصين وكتب مشاهداته لتبقى دليلا على أن الرجل فعلا وصل إلى كل تلك الأصقاع وقدم مواصفات دقيقة للمدن والمآثر وعادات الشعوب، وهو ما يستحيل أن يحققه إنسان في ذلك التاريخ إلا إذا زار فعلا كل تلك الأماكن.
والعجيب أن ذكرى الاحتفاء بانطلاق رحلة ابن بطوطة، تتزامن فعلا مع انطلاق موسم الحج هذه الأيام. القدر رتب لابن بطوطة احتفاء تاريخيا نادرا، مع فوارق أجواء السفر بطبيعة الحال.
بفضل ابن بطوطة اكتسب الحج المغربي سُمعته تاريخيا. ابن بطوطة لم ينطلق في رحلته وحيدا، فقد سافر أولا في إطار الركب المغربي، عندما كان المغاربة يجتمعون للانطلاق في رحلة واحدة إلى الحج. وحسب ما سجله المؤرخ المغربي محمد المنوني، وهو قامة علمية مغربية تستحق أن يُحتفى بها أيضا، فإن أقدم ركب مغربي منظم إلى الحج يعود إلى سنة 1234 ميلادية -631 هجرية- وانطلق من مدينة آسفي مرورا عبر فاس، ومنها إلى الحج برا، عبر مصر.
بعد هذه الرحلة صار الركب المغربي إلى الحجاز يمر عبر نقاط تاريخية محددة، كان ابن بطوطة أحد من مروا بها. لكن إنجازه التاريخي الذي استمر لثلاثة عقود متواصلة، انطلق من الحج ليعانق “العالمية”.
من المصادفات المثيرة أن دورة المعرض لهذا العام، تتزامن مع الإفراج عن مخطوط غاية في الأهمية، يتعلق برحلات المغاربة إلى الحج.
هذا المخطوط الذي حققه الدكتور مصطفى الريس، وأصدره في طبعة هي الأولى من نوعها، يعود إلى شخصية مغربية فريدة، وهو العالم محمد بن علي دينية.
أهمية هذه الرحلة المغربية إلى الحج، والتي جرت وقائعها سنة 1917، تكمن في أنها توثق لأولى رحلات المغاربة إلى الحج في فترة الحماية الفرنسية.
هذا العالم الذي دون المخطوط، كان ضمن الوفد المغربي الرسمي إلى الحج، في أولى الرحلات التي جرى اعتمادها عندما أرادت الحماية الفرنسية أن تبسط يدها على الحقل الديني.
فرنسا وضعت ما سُمي وقتها “السياسة الإسلامية”، وتقرر أن يكون الحج المغربي “محميا” هو الآخر، وخاضعا للقرار الإداري الفرنسي.
وهكذا، فإن الركب المغربي التاريخي إلى الحج، دخلت عليه “تعديلات” من الإدارة الفرنسية. وبدل أن يختار العلماء من يقود الركب المغربي، ويسافروا مشيا على الأقدام، وضعت فرنسا “الباخرة” رهن إشارة الوفد المغربي الرسمي لأول مرة، وأصبح الوفد يتشكل بنظام “اللائحة”.
يقول الباحث مصطفى الريس إن الإدارة الفرنسية وضعت في تلك السنة بنيات تنظيمية خاصة تولت مهمة الإشراف المباشر على قوافل الحجاج والإنفاق عليها، بما يضمن توجيهها وفق مقتضيات السياسة الفرنسية.
طوى العالم صفحة الحرب العالمية الأولى التي فرضت ذلك السياق، ورحلت فرنسا عن المغرب، واستمر الركب المغربي في التوجه إلى الحج في رحلة لم تنقطع حتى خلال الفترات الحرجة من التاريخ.
أحد أحفاد ابن بطوطة وصل إلى الحج هذا العام سيرا على الأقدام.. لكنه لم ينتظر إلى أن يعود منه، مثل جده الأول، لكي يدون مشاهداته. بل نقلها بهاتفه النقال يوما بيوم، منذ مغادرته منزل العائلة في اتجاه الديار المقدسة..





