
بقلم: خالص جلبي
من جملة خصائص الخلية العصبية أنها تولد بعدد ثابت مع ولادة الإنسان، حيث يكون عددها قد اكتمل في الحياة الرحمية وقبل الولادة بأشهر، وهذا العدد يبلغ حوالي 86 مليارا، منها 16 مليارا في المخ لوحده، حيث تتوزع في 64 منطقة من مناطق الدماغ فقط تلك التي تشترك في بناء واحد مشترك.
ثبات الخلايا العصبية
هذا الثبات في العدد مهم، لأن الخلايا العصبية لو تغيرت وتكاثرت كما تتغير وتتكاثر خلايا البدن فإن معنى هذا أن على الإنسان أن يتعلم اللغة كل ستة أشهر مرة أخرى، ويكون معنى هذا أيضا فقدان الذاكرة وتعلم ممارسة الحياة وبالاختصار لا حضارة إنسانية، فثبات الخلايا العصبية هو الذي جعلها تجمع الخبرات والمعلومات وتنمي الثقافة والأفكار والمفاهيم. هذا ويحدث النقص والزيادة في حالتين تعد كل حالة أبشع من الأخرى، فأما النقص فيحدث في الأمراض الاستحالية، حيث تستحيل الخلية العصبية وتذوي بفعل عوامل مختلفة، منها الالتهاب المرضي وإذا حدث هذا فإن نتيجة هذا الأمر أن المناطق التي تسيطر عليها هذه الخلايا تفقد عملها، فإذا كانت الخلايا تسيطر على الحركة، عجزت العضلات عن الحركة وأصيبت بالضمور والارتخاء وهو ما يشاهد في المرض الشائع المعروف باسم (شلل الأطفال)، حيث تصاب الخلايا في هذا المرض. إن هذه الفيروسات تصيب الأمعاء أولا، ثم تصعد وليس لها ولع أو حب إلا لهذه المنطقة من الجسم وهي القرون أو الجذور الأمامية من النخاع الشوكي وما أعجبها من محبة ومودة!
وهكذا تستحيل هذه الخلايا في هذه المنطقة الخطرة، وإذا بالطفل بين عشية وضحاها يفقد السيطرة على أطرافه، بل قد يصل الأمر إلى إصابة مركز التنفس في البصلة السيسائية، وهكذا قد يؤدي المرض إلى الموت اختناقا ما لم يسعف؟!
وإذا أصيبت المناطق الحسية فقد الحس وهكذا كما مر معنا أيضا في بحث الحبسات، وإذا أصيبت خلايا القشر العلوية أصيب المرء بفالج يشمل نصف الجسم وبشكل واسع ومخيف كما في النزوف الدماغية أو الخثرات (أي انسداد الشريان بخثرة)، حيث تنقطع التروية عن بعض المراكز التي تسيطر على هذه الأماكن الحركية.
وأما الزيادة فتحدث في حالة أبشع وهي نمو الأورام الخبيثة، أي السرطان، حيث تنمو الخلايا نموا فوضويا شاذا، والتكاثر هنا كما نرى ليس من مصلحة الإنسان بالتأكيد، لأن معنى وجود السرطان في أي منطقة من الجسم الحكم بالإعدام على ذلك الإنسان، فما بالك بالدماغ!
خصائص الخلية العصبية
من جملة خصائص الخلية العصبية تأثرها الشديد بالأكسجين، فوزن الدماغ كما ذكرنا يبلغ 1200غرام، أي يزن جزءا من خمسين جزءا من وزن الجسم، ولا تفوق الكائنات بدماغها دماغ الإنسان، فالنملة يحتوي دماغها على 250 خلية عصبية، بينما يحتوي دماغ النحلة على 900 خلية عصبية، في حين يصل دماغ الشمبانزي الكبير إلى حوالي وزن دماغ الطفل الذي يزن 350 غراما، وهناك الفيل الذي يزن دماغه ثلاثة أضعاف وزن دماغ الإنسان، والحوت الكبير الذي يزن دماغه خمسة أضعاف وزن دماغ الإنسان، ولكن النسبة ما بين وزن الكائن ووزن دماغه هي أرقى وأكبر شيء عند الإنسان فقط، حيث تعادل النسبة تقريبا 2.73 في المائة، بينما هي عند الحيوانات القاضمة 0.2 في المائة، ومع كل هذا فإن وزن الخلايا العصبية في قشر المخ يبلغ 116 غراما، وثخن القشر بضعة مليمترات أكثرها في المنطقة الجبهية حيث تصل إلى 4.5 مليمترات.
ولنتصور الآن أن رقي الإنسان وعظمته والملكات الفكرية السامية والعمليات الذهنية الراقية والتوقد الروحي والخيال والابتكار والفن والإبداع والكشف والإدراك والتخيل والتحليل والتركيب والشخصية والإرادة كلها.. في 116 غراما فقط. إن هذه الخلايا مع كل عظمتها هي ضعيفة جدا (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا)، لأن أي نقص في الأكسجين القادم إلى الدماغ يعرضه لأخطار مخيفة، فمع كل ما شرحنا من نسبة الدماغ إلى وزن الجسم الكامل، مع هذا فإن الدماغ يحتاج إلى ربع كمية الأكسجين التي يستهلكها الجسم بما فيه الدماغ، أي أن 25 في المائة من الأكسجين القادم من طريق الرئتين يصرف إلى الدماغ، وليس هذا فقط، بل أيضا السكر الصرف، أي الغلوكوز فلا تقبل خلايا الجملة العصبية إلا هذه الحلويات الفاخرة، أي سكر الغلوكوز فقط، وترفض أي سكر آخر، ولو كان يختلف من ناحية البناء ذرة واحدة فقط!
وتظهر مشاكل نقص الأكسجين في حالة الولادة، ولننقل في هذا الصدد قولا للدكتور جراي والتر، وهو أحد الباحثين البريطانيين البارزين في ميدان العقل: إن التقلصات والامتدادات التشنجية للجنين إنما هي دليل على نقص في كمية الأكسجين اللازمة له، وبازدياد النمو يأخذ النقص في الازدياد، حتى يشق الطفل في مرحلة معينة من الولادة طريقه إلى الحرية، أو إلى الكارثة؟! والكارثة هي الموت أو الفوالج أو العته العقلي مدى الحياة. ولذلك فإن الذي يموت شنقا أو اختناقا أو غير ذلك من أسباب الموت التي لا تحصى، فيما إذا انقطعت التروية الدموية عن الدماغ لمدة خمس دقائق فقط هي التي تكون السبب في الموت حتى لو توقف القلب عن النبضان،
إن تدليك القلب بإمكانه أن يعيده إلى خفقانه الطبيعي، لأن خلاياه لا تموت بانقطاع الأكسجين عنها ولو لربع أو نصف ساعة، بينما تموت خلايا الدماغ نهائيا إذا انقطع عنها الأكسجين لخمس دقائق فقط، وقد أمكن بتخفيض الحرارة من 37ْ إلى 28ْ درجة مئوية أن تبقى الخلية 7- 10 دقائق محرومة من الأكسجين، كما يمكن إطالة قدرتها إلى نصف ساعة إذا انخفضت الحرارة الجسمية إلى 10ْ درجات، والسبب في هذا قلة الاحتراقات والتفاعلات ضمن الخلية، وبالتالي نقص الحاجة إلى الأكسجين.
التخدير
من خصائص الخلية العصبية أيضا خاصية قبولها للمواد المنومة وكانت فتحا مبينا في عالم الجراحة، خاصة حيث وجد أن من جملة المركبات الداخلة في تركيب الخلية العصبية بعض المواد الدسمة التي لها دور في قبول المواد المنومة العديدة، مثل الأتير والكاورفورم وغاز أول أوكسيد الآزوت والسيكلوبروبان، والأخيران هما من الغازات الطيارة، بالإضافة إلى أنواع سائلة كما في النوعين الأولين والهالوتين وتري كلور الإتيلين وأتيل الكلورايد (أسماء علمية لطائفة من المخدرات)، وهكذا تقدمت الجراحة شوطا بعيدا بفضل هذه الخاصية التي تتمتع بها الخلية العصبية، وهي اصطفاء المواد المنومة. ولنتصور كيف يمكن فتح بطن أو إجراء أي عمل جراحي بدون تخدير، بل قلع سن لا أكثر، فكيف بجراحة القلب المفتوحة أو المغلقة، أو بجراحة الدماغ أو بالجراحات التي تستغرق الساعات الطوال والتي قد تمتد إلى 10 ساعات، (أطول عملية أجريتها أنا شخصيا على أم دم أنورزما (Aneurysma) ملتهبة عند مريضة استغرقت 14 ساعة من الساعة 9 صباحا حتى 11 ليلا، ونجت المريضة وذهبت بسلام إلى بيتها بحمد الله)، بالطبع لولا وجود مواد التخدير هذه لما أمكن للجراحة أن تتقدم كل هذا التقدم، ولقد وجد أن التخدير يبدأ أولا فيثبط المراكز القشرية والروحية في المخ، ثم يؤثر على المخيخ والنويات القاعدية في المخ، ثم يؤثر ثالثا على النخاع الشوكي وأخيرا على المراكز البصلية وهنا يكمن أشد الخطر، لأن مركز التنفس يوجد في هذا المكان، وكما ذكرنا أن المادة المخدرة لا تنزل بشكل شاقولي في المراكز العصبية، لأن النخاع هو القطعة السفلى، بل تقفز عن البصلة، ولو لم يكن هذا الترتيب لمات المخدَّر ولما أمكن إجراء أي عمل جراحي، بل كانت المواد المخدرة مميتة. وأركان التخدير ثلاثة: غياب الألم، وفقدان الوعي، والشلل المؤقت الكامل.
فانظر إلى هذه الدقة وهذا التسلسل البديع في عمل المخدرات، فكيف تم هذا الأمر ورتب بهذه الكيفية حتى يخدم الإنسان، حتى لقد قيل إن الجراحة ما كانت لتتقدم لولا التخدير والصادات الحيوية (مثل البنسلين والسولفا والكلورامفنكول والتتراسكلين وسواها)، (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)، سورة الجاثية.
نافذة:
إن تدليك القلب بإمكانه أن يعيده إلى خفقانه الطبيعي لأن خلاياه لا تموت بانقطاع الأكسجين عنها ولو لربع أو نصف ساعة بينما تموت خلايا الدماغ نهائيا إذا انقطع عنها الأكسجين لخمس دقائق فقط





