حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

الديكتاتورية والديموقراطية

بقلم: خالص جلبي

 

رياض الترك سياسي مخضرم، قضى في السجن قرابة عشرين سنة، القسم الأعظم منها في السجن الانفرادي، فهو يثمن قيمة الحرية، ولذا انتقى عباراته بعناية، فوصف النظام الشمولي بأنه نظام غير قابل للإصلاح؟! كان هذا في محاضرة له في صالة القناطر في مونتريال، قبل سنوات كثيرة، حضرتها أنا وجودت سعيد.

ويُشبّه (الترك) في هذا النظام الشمولي ببالونة مملوءة بالهواء، متى وُخِزت بإبرة في أي مكان منها، تنفست وفرغت من الهواء، وانكمشت إلى قطعة مطاط. ولذا يستعصي هذا البناء على الإصلاح، ويكون انهياره دفعة واحدة، سهلا وسريعا، إذ يُجتث من فوق الأرض ما له من قرار بكل تبعاته، كما هو الحال مع نظام المجرم زياد بري، ونظام صدام حسين، وكما رأينا في شاه إيران وتشاوسيسكو رومانيا، وكما حدث لنظام الأسد في سوريا الذي شقت طريقه الثورة عام 2011م، وصولا إلى انهياره الكامل في 8 دجنبر 2024م

ورياض الترك واقعي وذكي، فقد ودع الستالينية الشمولية، وقال إنه لم يعد يعبأ كثيرا بالاشتراكية، وما يؤرقه في العالم العربي اليوم هو معضلة الاستبداد وانتفاء الحريات. ولكن هذه الكلمة لا تزيد على اجتماع مجموعة من الفلاحين حول مريض مصاب باليرقان، يقولون إن الفزع هو الذي أوصله إلى حالة (أبو صفار). وشتان بين هذا وبين موقف مجموعة من الأطباء الاستشاريين الممتازين، يتناقشون ويحللون ويحددون طبيعة المرض والعلاج، فلا يستويان مثلا، و(الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون).

وعند من يصاب باليرقان يصفون وضع المريض، ثم يبدي كل واحد ملاحظته، ويضع تشخيصه، على نحو محدد وطريقة العلاج هل بالأدوية والأغذية، أم السكين والجراحة؟ هل هو مجرد التهاب كبدي، أم حصيات في الحويصل المراري، فضلا عن انسداد الطرق المرارية بسرطان وتتطلب تدخلا جراحيا معقدا بدون نتائج مبشرة.

والعالم العربي معتل بأكثر من عشر علل بدون استشاري واحد. وفي المحاضرة التي تقدم بها (رياض الترك) في مدينة مونتريال الكندية، تبارى الحاضرون في وصف السوء، الذي تعاني منه الأوضاع العربية، فشتموا ولعنوا، ومنهم الذي قال إني لا أومن بشيء، وأنا ضد الإسلاميين، ولكن لا مانع عندي من مجيئهم إلى السلطة، من أجل التغيير، فقد مللنا هذه الوجوه التي لا تتغير، والتي تذكر ببقاء وصمت وموت أبو الهول. ومنهم الكرمنجي الذي رآه فرصة للتلويح والمطالبة بقيام دولة كردستان العظمى، مما أزعج اليساري الترك.

ومنهم الذي بكى على سوء الأوضاع، ولكن لو جرت دموع أحدنا بمقدار نهر الفرات والعاصي، فلن نتقدم بحل المشكلة سوى زيادة في الأحزان. وهو الذي فعله كردي كما أشرنا عندما قفز في نهاية المحاضرة، فهجم على الميكروفون، وأنشد النشيد الكردي، وأنهم شعب الله المختار، وأنهم المسحوقون أكثر من اليهود، على يد (نبوخذ نصر)، فزاد فوق الأحزان أحزانا، مما دفع الترك أن يقول: إننا كلنا في الهم سواء، ويجب النظر إلى المشكلة من الجانب الإنساني، أكثر منها من الجانب القومي الضيق.

والأكراد في ضيق من كل جانب، وقياداتهم السياسية لا تختلف كثيرا عن ديكتاتوريات العالم العربي، بسبب وحدة المرض الثقافي، وهو شيء يصعب الاعتراف به.

وفي يوم كان الكردي الذي يناظر تركياً في محطة فضائية، يقول: «لا مانع عندي أن أُحكم من مخابرات كردية، تجلدني الليل والنهار وتسيء معاملتي وتبصق علي، والمهم أن تكون كردية»، وهذا دليل على استفحال أزمة المواطن في الشرق المنكود. ولم يتحالف الأكراد مع الأمريكيين من فراغ، بعد أن لم يبق لهم صدام خيار.

وهو الشيء نفسه الذي حصل مع الكويتيين، حينما طلبوا النجدة من أمريكا. ويصعب أن نفهم موقف الآخرين، ما لم نكن في موقفهم.

والمهم فالديموقراطية ليست حبة أسبرين تؤخذ عند الصداع، بل هي مركب حيوي قابل للتطور.

واليوم استطاع الغرب تحقيق قدر ضئيل من الديموقراطية السياسية، بمعنى التمثيل الشعبي، ولكن أقل من نصف الناس ينتخبون، ومن انتخب لعبت بعقله اللوبيات المالية، والمافيات السياسية، التي تسيطر على ساحة الصراع السياسي، وبين البشر والتمثيل الفعلي مسيرة سنة ضوئية.

ولكن هذا يجب أن لا يخدعنا عن وضع العالم العربي، أنه خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا، وأنه لا يعيش العصر، وأنه لا يعرف التمثيل إلا مثل تمثيل القرود والببغاوات في مجالس القرود الشعبية، وأنه يعيش أيام الفافوش في حكم قراقوش، وأنه يحتاج إلى الكثير من التعليم، حتى يلتحق بالعصر ويجيد النطق بلغته.

وهذا يحتاج إلى قرون من الآن هذا إن وضع المجتمع على السكة الصحيحة للمسير، وها أنذا تجاوزت السبعين حولا لا أبا لك، وعشت واعيا للأحداث، أكثر من أربعين سنة، فلم تزدد إلا مسخا وخسفا وريحا حمراء وحروبا أهلية..

وهي دلالة قوية على موت الأمة وتفسخ جثتها…

كان ذلك في الكتاب مسطورا.

 

نافذة:

في يوم كان الكردي الذي يناظر تركياً في محطة فضائية يقول لا مانع عندي أن أُحكم من مخابرات كردية تجلدني الليل والنهار وتسيء معاملتي وتبصق علي والمهم أن تكون كردية وهذا دليل على استفحال أزمة المواطن في الشرق المنكود

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى