
فؤاد بوجبير
يبدو أن السؤال الحقيقي ليس: هل تكون الدولة دينية أم علمانية؟ بل: كيف نبني دولة تحقق الكرامة الإنسانية، وتصون الحريات، وتضمن العدالة، وتستمد في الوقت نفسه قوتها من منظومة قيمية تحظى بقبول المجتمع وتماسكه؟
ولعل هذا السؤال يجد أحد أبرز تطبيقاته في التجربة المغربية، التي اختارت مسارا يقوم على الجمع بين المرجعية الإسلامية وبناء الدولة الحديثة، وهو ما يستحق وقفة تحليلية مستقلة.
التجربة المغربية.. نحو نموذج للتوازن بين المرجعية الدينية والدولة الحديثة
إذا كانت الفلسفة السياسية الحديثة قد انشغلت طويلا بالسؤال حول طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، فإن التجارب التاريخية أثبتت أنه لا يوجد نموذج واحد صالح لكل المجتمعات. فكما أن العلمانية الأوروبية جاءت استجابة لخصوصية تاريخية عاشتها أوروبا، فإن بعض الدول سلكت مسارات مختلفة، انطلقت من مرجعياتها الحضارية والدينية والتاريخية والثقافية، مع الحرص على بناء مؤسسات الدولة الحديثة. ومن بين هذه التجارب تبرز التجربة المغربية القوية والفريدة، التي تمثل، في تقديري، نموذجا يستحق الدراسة والتحليل.
لقد تميز المغرب، عبر تاريخه الممتد لأكثر من اثني عشر قرنا، باستمرارية الدولة ووحدة المؤسسة الملكية، وهي خصوصية لم تكن متاحة لكثير من الدول التي عرفت انقطاعات حادة في نظمها السياسية. وقد أسهم هذا الامتداد التاريخي في ترسيخ تقاليد سياسية ومؤسساتية حافظت على تماسك الدولة، مع قدرتها على التكيف مع التحولات الداخلية والخارجية.
وتقوم خصوصية النموذج المغربي على الجمع بين شرعية الدولة الحديثة ومرجعيتها الدينية. فالدستور المغربي ينص على أن الملك هو أمير المؤمنين، بما يضطلع به من مسؤولية في حماية الدين وضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية، وفي الوقت نفسه يرأس الدولة الدستورية التي تقوم على المؤسسات، وفصل السلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، تبدو العلاقة بين الدين والدولة في المغرب مختلفة عن النموذج الأوروبي الذي تأسس على الفصل نتيجة صراع تاريخي مع الكنيسة. فالمؤسسة الدينية في المغرب لم تتطور باعتبارها سلطة منافسة للدولة، بل ارتبطت تاريخيا بالمؤسسة الملكية، وهو ما جعل المرجعية الدينية، في نظر كثير من الباحثين، عاملا من عوامل وحدة الدولة واستقرارها.
وقد تعزز هذا المسار مع الإصلاحات التي عرفتها المملكة خلال العقود الأخيرة، سيما في عهد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، حيث شهد المغرب إصلاحات دستورية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية ودينية قوية، هدفت إلى تحديث الدولة، مع الحفاظ على ثوابتها الوطنية.
وعلى هذا الأساس جاء دستور سنة 2011 ليعزز مكانة المؤسسات الدستورية، ويوسع مجال الحقوق والحريات، ويكرس مبادئ الحكامة الجيدة، واستقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الحفاظ على الثوابت الدستورية للمملكة.
وعلى المستوى الديني، عرف المغرب إصلاحا عميقا للحقل الديني، من خلال إعادة تنظيم المؤسسات الدينية، وتأهيل العلماء، وتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وترسيخ نموذج ديني يقوم على الوسطية والاعتدال، بما يعزز الأمن الروحي للمجتمع ويحاصر خطابات الغلو والتطرف.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد تبنى المغرب مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات البنيات التحتية، والصناعة، والطاقات المتجددة، والاستثمار، بما يعكس إرادة في بناء اقتصاد تنافسي قادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، مع المحافظة على الاستقرار المؤسساتي الذي يعد عنصرا أساسيا في جذب الاستثمار وتحقيق التنمية.
كما شهدت المملكة أوراشا اجتماعية مهمة، من أبرزها تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وإطلاق برامج لدعم الفئات الهشة، إلى جانب مواصلة إصلاح الإدارة ورقمنة الخدمات العمومية، بما يهدف إلى تقريب الإدارة من المواطن وتحسين جودة المرفق العام.
ولا يعني هذا أن التجربة المغربية بلغت مرحلة الكمال، فمثلها مثل جميع التجارب الإنسانية، ما زالت تواجه تحديات في مجالات التنمية، والتعليم، والصحة، والتفاوتات الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وتسريع وتيرة الإصلاح. غير أن وجود هذه التحديات لا ينفي، في نظر كثير من المراقبين، خصوصية النموذج المغربي في الحفاظ على استمرارية الدولة واستقرارها، مع مواصلة مسار الإصلاح والتحديث.
وفي تقديري، تمثل التجربة المغربية مثالا يستحق التأمل في هذا النقاش. فقد اختار المغرب، عبر تاريخه، مسارا يقوم على تحقيق التوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة، دون تبني نموذج القطيعة بين الدين والدولة، ودون التخلي عن الإصلاح والتحديث. ويُنظر إلى المؤسسة الملكية باعتبارها ركيزة لهذا التوازن، من خلال الجمع بين الشرعية الدستورية والاختصاصات السياسية، وبين إمارة المؤمنين، بصفتها مؤسسة ضامنة لوحدة المرجعية الدينية للمملكة.
ويمكن القول إن ما حققته المملكة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، من تطورات في المجالات الاقتصادية والدستورية والقانونية والإدارية والاجتماعية، إلى جانب إصلاح الحقل الديني وترسيخ مؤسسات الدولة، يعكس نموذجا يقوم على التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات العصر. ويستند هذا التصور إلى اعتبار الدين مصدرا للقيم والهوية ووحدة الأمة، في حين تضطلع الدولة بمهمة تدبير الشأن العام، وترسيخ المؤسسات، وتحقيق التنمية، وتحديث الإدارة، وتعزيز دولة القانون.
ومن هذا المنظور، فإن ما تنعم به المملكة المغربية من استقرار أمني وسياسي واجتماعي، وما راكمته من إصلاحات ومشاريع تنموية، يُفسَّر، في هذا التحليل، بأنه ثمرة رؤية تسعى إلى تحقيق الانسجام بين الدين والدولة، بحيث يشكل الدين أساسا قيميا وأخلاقيا، بينما تمثل الدولة الحديثة الوسيلة العملية لتنظيم شؤون المجتمع، والاستجابة لتحديات التنمية، وحماية المصالح العليا للوطن.
ومن هذه المنطلقات، يمكن التأكيد على أن التجربة المغربية تقدم نموذجا يؤسس لقاعدة علمية متينة، مفادها أن نجاح أي نموذج سياسي لا يقاس بمدى مطابقته لتجارب أخرى، بل بقدرته على تحقيق الاستقرار، والعدالة، والتنمية، وصيانة كرامة الإنسان في سياقه التاريخي والثقافي.
وفي النهاية، يبقى موقفي من العلمانية هو ثمرة رحلة فكرية بدأت منذ سنوات الدراسة الثانوية وخاصة سنة البكالوريا، وتعززت خلال سنوات الجامعة بالاطلاع على الفلسفة والفكر السياسي وتاريخ الفكر الاسلامي. وما زلت أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى الدولة لتنظيم حياته، لكنه يحتاج كذلك إلى الدين ليهديه إلى معنى وجوده ويؤسس منظومته الأخلاقية. فالدولة تنظم المجتمع، أما الدين فينظم ضمير الإنسان، وحين يتحقق التوازن بينهما في إطار العدل، وسيادة القانون، وصيانة الكرامة الإنسانية، يكون المجتمع أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية، وهو ما أرى في التجربة المغربية التي تقدم بشأنه نموذجا جديرا بالدراسة والتأمل.





