
خالد الجزولي
يواصل الدولي ابراهيم دياز، صانع ألعاب المنتخب المغربي، كتابة اسمه بأحرف بارزة في تاريخ كرة القدم المغربية، بفضل إنجازاته اللافتة خلال نهائيات كأس إفريقيا للأمم «المغرب 2025»، حيث رسخ نفسه قائدا جديدا لـ«أسود الأطلس».
ونجح دياز في لفت انتباه الجميع ضمن منافسات «الكان»، ليس فقط لكونه الوحيد الذي سجل أربعة أهداف تواليا ضمن فعاليات النسخة 35 من العرس الكروي الإفريقي، بل قياسا بمساهماته الفعالة في قيادة «الأسود» إلى الفوز، وكونه قطعة أساسية في المنظومة التقنية والتكتيكية للمدرب وليد الركراكي، ما وضعه ضمن الأسماء البارزة في الدورة الجارية من كأس إفريقيا، المنظمة بالمغرب.
انتفاضته في «الكان» أعادت الاعتبار إلى دياز بمدريد
أصبح دياز أول لاعب في تاريخ كرة القدم المغربية يسجل في أربع مباريات متتالية بمسابقة كأس إفريقيا، حيث هز الشباك أمام جزر القمر ومالي وزامبيا ثم ضد تنزانيا، بإجمالي أربعة أهداف، ليصبح أول لاعب يسجل أربعة أهداف من أولى أربع مباريات يخوضها في «الكان»، منذ إنجاز المالي فانتامادي كايتا في نسخة 1972.
ويقترب دياز، بمجموع 12 هدفا في 18 مباراة خاضها مع «الأسود»، من الرقم المسجل باسم الدولي السابق صلاح الدين بصير، صاحب 13 هدفا من أولى 19 مباراة دولية مع المنتخب الوطني، علما أنه، بفضل المهاجم دياز، حافظ منتخب المغرب على سلسلته الذهبية المستمرة منذ عام 2009 من دون أي هزيمة في ملعبه، فمنذ ذلك الحين حقق «أسود الأطلس» 32 انتصارًا و5 تعادلات من أصل 37 مباراة.
وشكل التألق الملفت لدياز في «الكان» نقطة فاصلة في مساره الاحترافي، حيث أشاد به ناديه ريال مدريد الإسباني، الذي سلط الضوء على توهجه رفقة المنتخب الوطني في نهائيات كأس أمم إفريقيا «المغرب 2025»، منوها بدوره الحاسم في قيادة «أسود الأطلس» ضمن فعاليات المسابقة القارية.
وأكد النادي الملكي، من خلال موقعه الرسمي، أن مهاجمه المغربي يواصل عروضه القوية، بعدما سجل هدف الفوز في مواجهة تنزانيا لحساب دور ثمن النهائي، مبرزا مكانته كأحد أبرز نجوم البطولة القارية بعد أن رفع رصيده إلى أربعة أهداف في المسابقة. وأشار «الميرينغي» إلى أن نجمه دياز أسهم بشكل مباشر في تصدّر المنتخب المغربي لمجموعته، قبل مواصلة التألق في الأدوار الإقصائية، لافتا إلى الأثر الإيجابي لدياز على الأداء الهجومي للمنتخب الوطني، سواء من حيث الحسم أمام المرمى أو من خلال تحركاته الذكية التي أربكت دفاعات المنافسين، فضلًا عن شخصيته القيادية داخل الملعب.
وأكد الموقع ذاته، في تقريره، على أن دياز يعيش فترة مميزة على المستويين الفردي والجماعي، معربًا عن ثقته في قدرة اللاعب على مواصلة التألق وقيادة المغرب إلى أدوار متقدمة في البطولة، في ظل الطموح الكبير للتتويج باللقب القاري على أرضه وبين جماهيره.
ثراء نشأة دياز بين الثقافات المغربية والإسبانية
وُلد ابراهيم عبد القادر دياز، يوم 3 غشت 1999، في مالقة بإسبانيا، من أب مغربي (سفييل عبد القادر مهند) وأم إسبانية (باتريشيا دياز). هاجر والده إلى مالقة بحثًا عن فرص أفضل، حيث التقى «باتريشيا». وشكّل المزيج الثقافي نشأة إبراهيم، الذي تشبع بالتقاليد الإسبانية والمغربية منذ نعومة أظفاره إلى جانب شقيقاته الأربعة زايرا، إديرة، ودنيا والصغرى إيرينا، وأصبح منزل عائلة عبد القادر دياز منبعا حقيقيا لتعدد اللغات واختلاف النكهات وترسيخ القيم، حيث غرسا في جميع أطفالهما التواضع والاحترام والشعور القوي بالعمل.
لعب سوفييل عبد القادر مهند، المعروف باسم «سوفي»، دورًا محوريًا في حياة نجله ابراهيم ومساره الكروي، حيث انتقل إلى مجال إدارة كرة القدم، وعمل وكيلًا وممثلًا للاعبين، وشارك في تأسيس وإدارة شركات مثل «نيفر ساي نيفر»، وهي شركة رياضية وترفيهية، ويشغل مناصب في مجموعات تُعنى بتطوير الرياضيين، وكان لارتباطه الوثيق بجذوره المغربية دورٌ هام في قرار ابراهيم تمثيل المغرب دوليًا عام 2024، بعد أن لعب لمنتخبات الشباب الإسبانية ومباراة واحدة مع المنتخب الأول.
امتد تأثير الوالد إلى ما هو أبعد من دائرة العائلة، حيث أدرك موهبة ابنه إبراهيم مبكرًا، ورافقه إلى التداريب والاختبارات، ووجهه خلال عالم أكاديميات الشباب التنافسي، وبينما كان ابراهيم يشق طريقه في نادي مالقة قبل انتقاله إلى مانشستر سيتي الإنجليزي في سن السادسة عشرة، كان عبد القادر يُسدي له النصح بشأن العقود والقرارات، وشكل دوما سندًا قويًا لابنه ابراهيم، حيث جمع بين الفطنة التجارية والدعم المعنوي.
دياز بين الانطلاقة من مالقة والتألق في سماء مدريد
انطلق دياز في مجال كرة القدم احترافيًا من أرض مالقة، حيث تألق في نادي المدينة قبل أن يخطو خطوة طموحة نحو الدوري الإنجليزي الممتاز بانضمامه إلى مانشستر سيتي سنة 2015، وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، مقابل صفقة قيمتها الأولية 200 ألف جنيه إسترليني.
وفي 21 شتنبر سنة 2016، شاهدت الجماهير دياز يرتدي قميص السيتي، لأول مرة، بديلاً في الدقيقة 80 ضد سوانسي سيتي في مباراة كأس الاتحاد الإنجليزي، وبعدها، بأيام قليلة، ارتبط بالنادي بعقده الاحترافي الأول لمدة ثلاث سنوات، إلا أن النادي الإنجليزي لم يمنح له الفرصة الكافية وظلت مشاركاته قليلة إلا أنها كانت مؤثرة، ما ساهم في جذب أنظار مسؤولي ريال مدريد الإسباني في صفقة أثارت ضجة كبيرة، حيث وقع اللاعب الشاب، بتاريخ 6 يناير 2019، عقدًا يمتد حتى 2025 مع النادي الملكي، في صفقة بلغت قيمتها الأساسية 17 مليون يورو، قابلة للزيادة بشروط معينة إلى 24 مليون يورو، تاركًا وراءه عقدًا مع سيتي كان سينتهي في يونيو 2019، في صفقة تضمنت شروطًا تؤكد حصول السيتي على نسبة 15 بالمائة من أي بيع مستقبلي، لترتفع إلى 40 بالمائة لو كانت الوجهة نحو أي نادٍ آخر في مانشستر.
في موسمه الأول بـ«الليغا»، لمع نجم دياز بأداء رصين ساهم به في تتويج ريال مدريد باللقب الإسباني لموسم 2019-2020، بعد مشاركته في ست مباريات فقط، لكن المفاجأة تمثلت في إعارته إلى ميلان الإيطالي، حيث أضاف اللاعب بصمة واضحة، سجل خلالها أهدافًا حاسمة وقاد الفريق للمنافسة بقوة في الدوري الإيطالي ودوري أبطال أوروبا على مدار ثلاثة مواسم، ما أجبر مسؤولي مدريد على إعادة دياز إلى القلعة البيضاء في يونيو 2023، فاتحا فصلاً جديدًا في مساره، حيث وقع تمديدًا لعقده حتى يونيو 2027.
دياز.. التمثيل الدولي لإسبانيا ثم المغرب
خطا دياز أولى خطواته الدولية كلاعب شاب متألق في أروقة كرة القدم الإسبانية، واستهل مسيرته الدولية في سن 16 عاما. لفت أداؤه المبهر مع منتخب إسبانيا تحت 17 سنة الأنظار خلال مشاركته في بطولتي أوروبا تحت 17 سنة لعامَي 2016 و2017، حيث حاز إعجاب الجميع بمهاراته الكروية المتقدمة وقدراته الاستثنائية على أرض الملعب.
في يونيو من عام 2021، وتحديداً في الثامن منه، شهد المهاجم دياز منعطفاً مهماً في مساره الدولي، حينما تم استدعاؤه لتمثيل منتخب إسبانيا تحت 21 سنة في مباراة ودية دولية ضد ليتوانيا، وجاء الاستدعاء ليكون بديلا لبعض زملائه في المنتخب الوطني الذين دخلوا في حجر صحي، إثر تأكيد إصابة سيرجيو بوسكيتس بفيروس كوفيد-19، إذ في تلك المباراة، لم يكتفِ ابراهيم بمجرد المشاركة؛ بل ترك بصمة لا تُنسى بتسجيله الهدف الثاني في الفوز الساحق بأربعة أهداف نظيفة على منتخب ليتوانيا، ما زاد من رصيده من التقدير والإعجاب.
بعدها لم ينل دياز التقدير اللازم من الإدارة التقنية للمنتخب الإسباني، حيث ظل خارج الحسابات بعودة كل اللاعبين الأساسيين، لكن بحلول أكتوبر 2023، حسم دياز قراره لصالح اللعب تحت علم المغرب، في تحول كبير بمساره الدولي، بعد أن لعب لفئات منتخب «لاروخا» لأقل من 17 عاما وأقل من 19 عاما وتحت 21 عاما ما بين 2016 و2021.
وأوردت «ماركا» خبر اختيار دياز اللعب بقميص المنتخب المغربي، مؤكدة انتهاء قضية ابراهيم المهاجم (المولود في مالقة) كونه سيلعب الآن مع المغرب، في قرار ثابت تم التفكير فيه بعناية ولا يمكن التراجع عنه. وأردفت الصحيفة: «إسبانيا خسرت ابراهيم الذي انتظر حتى اللحظة الأخيرة لتمثيل البلد الذي ولد فيه، لكن التجاهل المتكرر من جانب «لاروخا» دفع اللاعب إلى اتخاذ قراره بتمثيل المغرب، الذي يُتابعه منذ سنوات».





