
الأخبار
تعتبر ذكرى عيد العرش محطة وطنية تفيض بدلالات التلاحم والوفاء بين العرش والشعب، وفي عمق هذه المناسبة التي تجسد استمرارية الدولة وتجدد العهد، يتجلى بوضوح نموذج أمني مغربي متفرد حظي باعتراف وإشادة كبريات العواصم والمنظمات الدولية، وهو نموذج لم يكن ليتأسس ويرتقي إلى هذه المرتبة الرفيعة لولا الرؤية الملكية السديدة، التي جعلت من هذا العيد مناسبة سنوية متجددة للوقوف على أبعاد العلاقة الوجدانية والمؤسساتية التي تجمع جلالته بأسرة الأمن الوطني، وهي علاقة تأسست منذ البداية على عقيدة استراتيجية واضحة المعالم، مفادها أن أمن الوطن واستقراره يمران حتما عبر صون كرامة حماته وتأمين استقرارهم الاجتماعي والمادي، ومن هذا المنطلق لم تقتصر الرعاية الملكية الموجهة لأسرة الأمن الوطني على الجوانب اللوجستية وتحديث المعدات وتطوير البنيات التحتية والوسائل التقنية والعملية فحسب، بل امتدت لتشمل ثورة اجتماعية حقيقية تروم تحسين الأوضاع المهنية والمادية والروحية لرجال ونساء الأمن وعائلاتهم، تسندها في ذلك وتزكيها إشادات ملكية متواصلة يخص بها جلالته هذا الجهاز في خطب العرش السامية، والتي تشكل بوصلة تضيء مسارات هذه المؤسسة العتيدة ووسام فخر واعتزاز يعلو صدور كافة منتسبيها.
مأسسة العمل الاجتماعي.. رؤية ملكية
لقد مثلت خطب عيد العرش السامية وتوجيهاتها اعترافا ملكيا حيا ومتجددا بالنجاعة العالية والتضحيات الجسام التي يقدمها نساء ورجال الأمن الوطني بمختلف رتبهم وتخصصاتهم لحماية السكينة العامة واستتباب الأمن والاستقرار، وهي الخدمة التي تعتبرها ركيزة أساسية لا محيد عنها لتشجيع الاستثمارات، ودعم الديناميكية الاقتصادية، والمضي قدما بالمسار التنموي للمملكة، حيث جسدت عدد من المبادرات الملكية عميق تقدير الملك لمنتسبي هذا الجهاز، مؤكدا على المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقهم وضرورة تمكينهم من كافة الوسائل اللوجستية والبشرية للقيام بمهامهم على الوجه الأكمل، ولا تنحصر هذه الإشادة في البعد الداخلي والمحلي فقط، بل تتعداه لتؤكد الريادة الأمنية للمملكة على الصعيد الدولي، إذ بفضل المخططات الاستباقية واليقظة العالية لمديرية الأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، غدا المغرب شريكا موثوقا في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وهو تفوق مهني يوازيه في الآن ذاته بلسم التضامن الإنساني لجلالة الملك الذي يتدخل كأب روحي لأسرة الأمن في اللحظات العصيبة، سيما من خلال توجيه رسائل التعزية والمواساة إلى عائلات شهداء الواجب الوطني، وإعطاء أوامره للتكفل الكامل بأسرهم وأبنائهم ماديا واجتماعيا ونفسيا.
وتحقيقاً لهذه الرؤية الملكية السامية الرامية إلى مأسسة العمل الاجتماعي وجعله قاطرة للتنمية البشرية داخل هذا المرفق السيادي الهام، تم إحداث وتطوير مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، لتصبح بمرور السنوات الذراع الإنسانية الأكثر ديناميكية وفعالية داخل الجهاز، حيث تسهر هذه المؤسسة وفق استراتيجية مندمجة على تقديم سلة خدمات شاملة ومتنوعة تغطي كافة مناحي الحياة اليومية لمنتسبي الأمن، ممارسين ومتقاعدين وأرامل وذوي حقوق، ممهدة الطريق لاستقرارهم العائلي والنفسي والمهني، إذ تأتي الرعاية الصحية والدعم الطبي المستعجل في مقدمة أولوياتها من خلال عقد اتفاقيات رعاية صحية متطورة مع كبريات المصحات والمستشفيات، وتوفير أسطول إسعاف مجهز لنقل الحالات الحرجة مجانا، وتقديم مساعدات مالية استثنائية لمواجهة تكاليف الأمراض المزمنة، جنبا إلى جنب مع تسهيل الولوج إلى السكن اللائق عبر شراكات وفرت صيغا تمويلية وعقارية تفضيلية تتيح لرجال الأمن تملك مساكنهم بكرامة ويسر.
ويمتد هذا العطاء الإنساني للمؤسسة ليشمل الاستثمار في أجيال المستقبل عبر برامج مخصصة لدعم التمدرس والتميز الدراسي لأبناء وبنات موظفي الأمن، ومن أبرزها منح «استحقاق» السنوية الموجهة للطلبة المتفوقين لمتابعة دراساتهم العليا في المعاهد والجامعات المرموقة، إلى جانب التوزيع السنوي للمستلزمات واللوازم المدرسية، تزامنا مع الدخول المدرسي، لتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل الأسر، فضلا عن تنظيم المخيمات الصيفية والترفيهية التي تشكل متنفسا سنويا ترفيهيا وتربويا عالي الجودة للناشئة في مختلف شواطئ وجهات المملكة، في حين تبرز قيم التآزر والوفاء الروحي في تنظيم بعثات الحج السنوية لبيت الله الحرام لفائدة المنخرطين والمتقاعدين وأرامل الشهداء، بدعم مالي وتأطير إداري وصحي متكامل، وضمان رعاية مستمرة للأرامل والأيتام خلال المناسبات الدينية والوطنية، حتى تظل عائلات الذين قضوا في سبيل الوطن، مستشعرة لروح التضامن والاعتراف المستمر بالجميل.
مقاربة جهوية مرنة
لضمان وصول هذه الخدمات والبرامج الطموحة إلى كل منتسب أينما كان موقعه، اعتمدت الإدارة مقاربة جهوية مرنة ولامركزية تترجم ميدانيا عبر المفتشيات والمصالح الاجتماعية الجهوية التابعة لولايات الأمن بجميع ربوع المملكة من طنجة إلى الكويرة، والتي تبادر بالتدخل الفوري وتقديم المساعدات العينية والمعنوية والدعم النفسي للموظفين وعائلاتهم في ظروف القرب وفي أوقات الأزمات والشدائد، وهو ما يجسد التلازم الخلاق والارتباط الوثيق بين التحفيز الاجتماعي والتكريم الملكي بمناسبة عيد العرش من جهة، وبين تفاني ومضاعفة عطاء رجال الأمن في الميدان من جهة أخرى، فكلما شعر موظف الأمن بأن أسرته وصحته ومستقبل أبنائه في أيد أمينة ترعاها عناية ملكية مباشرة، تضاعف لديه منسوب الرضا الوظيفي والالتزام المهني ليتفرغ كليا لحفظ الأمن والنظام العام في إطار مقاربة «الأمن المواطن»، القائمة على القرب والتواصل واحترام حقوق الإنسان تحت سيادة القانون.
إن هذه المزاوجة العبقرية والحكيمة في الاستراتيجية الملكية السامية، والتي تقرن بانسجام تام بين التحديث اللوجستي والتكنولوجي والمرفقي المتطور للجهاز الأمنـي وبين الارتقاء الاجتماعي والإنساني اللامحدود بموارده البشرية، لتبرهن اليوم بالدليل القاطع على أن النموذج الأمني المغربي هو منظومة حية متكاملة الأركان تتطلع بعزم نحو المستقبل وتواجه التحديات بكفاءة واقتدار، وسيظل الأمن الوطني المغربي، مدعوما برعاية الملك محمد السادس وبإشاداته السامية الغالية في ذكرى تربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين، السد المنيع والدرع الحامي الذي يسهر بيقظة تامة على طمأنينة المواطنين واستقرار الوطن، باذلا الغالي والنفيس في سبيل رفعة المغرب وصون مقدساته، وفيا وشامخا تحت لوائه الخالد والأبدي: الله، الوطن، الملك.
إشادة ملكية
شكلت الرسالة الجوابية التي بعثها الملك محمد السادس إلى المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، محطة جديدة عكست متانة العلاقة المؤسسية التي تجمع المؤسسة الملكية بالأمن الوطني، كما سلطت الضوء على التقدير الرسمي للدور الذي يضطلع به رجال ونساء الأمن في حماية أمن المواطنين وصون استقرار البلاد.
وجاءت الرسالة الملكية، التي كانت ردا على برقية الولاء والإخلاص المرفوعة من عبد اللطيف حموشي باسم أسرة الأمن الوطني، لتشيد بما يبذله العاملون بهذا الجهاز من جهود وتضحيات في أداء واجبهم، مع التأكيد على مواصلة دعم المؤسسة الأمنية وتمكينها من أداء مهامها في أفضل الظروف.
ولا يقتصر هذا الدعم على تحديث التجهيزات أو تطوير آليات العمل الأمني، بل يمتد أيضا إلى الجانب الاجتماعي، الذي أصبح يشكل أحد أبرز محاور تحديث المديرية العامة للأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة. فقد اتجهت المؤسسة إلى توسيع منظومة الحماية الاجتماعية لفائدة موظفيها والمتقاعدين وذوي الحقوق، انطلاقا من قناعة مفادها أن تحسين الظروف الاجتماعية للعاملين يواكب تطوير الأداء المهني ويعزز الاستقرار الوظيفي.
وفي هذا السياق، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني، عبر مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، عن إطلاق إصلاحات جديدة لمنظومة التغطية الصحية التكميلية والتأمين عن الوفاة، وصفت بأنها من أكبر الإصلاحات الاجتماعية التي شهدتها المؤسسة، بالنظر إلى اتساع قاعدة المستفيدين وتطوير الخدمات الصحية والاجتماعية المقدمة لأسرة الأمن الوطني.
ومن أبرز مستجدات هذه الإصلاحات، توسيع الاستفادة من نظام التغطية الصحية التكميلية ليشمل، لأول مرة، الأرامل والمتقاعدين والمتقاعدات وأفراد أسرهم، إضافة إلى أيتام موظفي الأمن الوطني، مع تكفل مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية بكلفة هذا الإدماج، بما يتيح لهذه الفئات الاستفادة من الامتيازات نفسها المخصصة لموظفي الشرطة العاملين وأسرهم.
وتعكس هذه الإجراءات توجها نحو تطوير منظومة الأعمال الاجتماعية الخاصة بالأمن الوطني، عبر توسيع قاعدة الاستفادة وتحسين جودة الخدمات، بما يشمل الموظفين العاملين والمتقاعدين والأرامل والأيتام، في إطار رؤية تروم الارتقاء بالحماية الاجتماعية لهذه الفئات.




