
د.خالد فتحي
في السياسة، ليس أصعب من إعلان الطموحات سوى تحويلها إلى واقع ملموس، وليس أكثر أهمية من رسم ملامح المستقبل سوى إقناع المواطن بأن هذا المستقبل سيطرق بابه فعلا، ويحسن ظروف عيشه، ويمنح أبناءه فرصا أوسع للحياة والعمل والكرامة. فوجود الحكومات الناجحة لا يكون باللسان، بل يكون من الأيدي.
من هنا، يكتسب البرنامج الحكومي الذي أعلنته المنصوري أمام البرلمانيين وخلفهم الأمة، للفترة 2026–2031، أهميته، باعتباره محاولة للإجابة عن أسئلة اجتماعية واقتصادية كبرى تشغل بال المواطن، تتصدرها القدرة الشرائية، والتشغيل، وجودة التعليم والصحة، والعدالة المجالية، فضلا عن رهانات السيادة المائية والغذائية والطاقية.
إنه برنامج يفترض فيه أن يفتح نوافذ متعددة على مغرب يطمح إلى مواصلة الإصلاح، وتوسيع قاعدة التنمية، وجعل الدولة الاجتماعية أكثر حضورا في حياة المواطنين.
ولعل ما يستحق التثمين في هذا البرنامج، الذي استمعنا إلى عرض تقديمه جميعا، كونه حاول أن يجمع بين طموح النمو الاقتصادي والانشغال بالإنصاف الاجتماعي، وبين تشجيع الاستثمار والاستجابة للحاجيات اليومية للأسر، وبين تطوير البنيات الاستراتيجية وتحسين الخدمات العمومية. كما أن الأهداف الرقمية التي تضمنها تمنح عددا من التزاماته قابلية للقياس، وتتيح بناء صورة أوضح لما يراد تحقيقه في أفق 2031. غير أن الطموح، مهما اتسع، يحتاج إلى ما يحميه من التشتت، ويمنحه القدرة على الصمود أمام صعوبات التنفيذ، وتقلبات الظرفية الاقتصادية التي تطرأ دون سابق إنذار.
وحين تتعدد الأوراش من التشغيل إلى التقاعد، ومن المدرسة والمستشفى إلى السكن والماء والطاقة، يصبح ترتيب الأولويات ضرورة لا تقل أهمية عن إعلان الأهداف. وكان من شأن خريطة تنفيذية تحدد مراحل الإنجاز، وتوضح ما يحظى بالأسبقية، وتربط كل التزام بكلفته ومصدر تمويله والجهة المسؤولة عنه، أن تمنح البرنامج مزيدا من التماسك والإحكام. فالمواطن لا ينتظر أن يسمع أن كل الملفات أولوية، بقدر ما يريد أن يعرف متى تبدأ النتائج في الظهور، وكيف ستضمن استمراريتها.
وفي قلب هذه الانتظارات، يقف الاقتصاد، لا باعتباره أرقاما ومعدلات نمو فحسب، بل باعتباره قدرة على خلق فرص الشغل وتحسين الدخل وتوسيع الأمل. فاستهداف نمو متوسطه 5 في المائة يكتسب معناه الكامل حين ينعكس على حياة الأسر، ويمنح الشباب وظائف مستقرة، ويقوي المقاولات الوطنية، ويقلص الفوارق بين الجهات. وكذلك فإن دعم القدرة الشرائية لا يكتمل بالدعم الاجتماعي والإعفاءات الضريبية وحدهما، بل يحتاج إلى معالجة متكاملة لتكاليف السكن والغذاء والنقل والخدمات الأساسية. أما التكوين المهني، فلا ينبغي أن تنتهي قصته عند تسليم الشهادات، بل عند عبور الشباب إلى سوق العمل، واستمرارهم في وظائف تحفظ كرامتهم وتضمن حقوقهم.
وفي المدرسة والمستشفى، تتجسد المسافة بين الوعد والنتيجة بأوضح صورها. فنجاح الإصلاح التعليمي لا يقاس بعدد التلاميذ المسجلين وحده، بل بما يكتسبونه من معارف وكفايات، كما أن نجاح الإصلاح الصحي لا تحدده المباني والتجهيزات فقط، بل سرعة العلاج وجودة الاستقبال وتوافر الأدوية والأطر. ومن هنا، فإن اعتماد مؤشرات دقيقة لجودة الخدمات ونشر نتائجها بانتظام سيجعل المواطن شريكا في معرفة ما تحقق، لا مجرد متلق لوعود جديدة.
وتتطلب الطموحات الاجتماعية بدورها يقظة مالية تضمن استدامتها، خصوصا في إصلاح التقاعد ورفع المعاشات وتحسين أوضاع الأرامل. كما أن العدالة المجالية لن تتحقق بمجرد زيادة الموارد الموجهة إلى الجهات، ما لم تقترن بتوزيع منصف للاعتمادات، ونقل فعلي للصلاحيات، ومشاريع تنعكس على الخدمات وفرص العمل. وفي ملفات الماء والطاقة والغذاء، لا بد أن يتكامل الاستثمار في المنشآت والموارد مع ترشيد الاستهلاك وحماية البيئة وضمان كلفة معقولة. أما محاربة الفساد والريع، وتمكين المرأة، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فتزداد فعاليتها حين تتحول إلى إجراءات محددة ونتائج قابلة للتتبع.
هنا تبرز أهمية استكمال البرنامج بمنظومة واضحة للتقييم والمساءلة، تقوم على أهداف سنوية، وميزانيات معلنة، وتقارير دورية أمام البرلمان، وتفسير موضوعي لما تحقق وما تعثر، مع اتخاذ التدابير التصحيحية اللازمة. فهذه الآليات لا تنتقص من قيمة البرنامج، بل تمنحه ما يحتاج إليه من وضوح ومصداقية، وتساعد على تحويل التوجهات الكبرى إلى نتائج ملموسة.
إن البرنامج الحكومي يستحق أن يُقرأ بما يحمله من طموح، وبما يفتحه من إمكانات للإصلاح، كما يستحق أن يستكمل بكل ما يعزز فرص نجاحه. فالمساندة الحقيقية ليست تصفيقا للوعود، كما أن الملاحظة البناءة لا ينبغي أن تكون اعتراضا على الطموحات؛ بل إنهما يلتقيان عند هدف واحد: أن يشعر المواطن بأن التنمية ليست رقما في وثيقة، وأن العدالة الاجتماعية ليست شعارا، وأن الإصلاح ليس موعدا مؤجلا إلى نهاية الولاية. ذلك هو التحدي الحقيقي للفترة 2026–2031: أن يتحول طموح البرنامج إلى واقع يلمسه المغاربة منذ المائة يوم الأولى، وأن تصبح النتائج المحققة هي اللغة الأصدق في الحكم على نجاحه.
نافذة:
استهداف نمو متوسطه 5 في المائة يكتسب معناه الكامل حين ينعكس على حياة الأسر ويمنح الشباب وظائف مستقرة ويقوي المقاولات الوطنية ويقلص الفوارق بين الجهات





