
تعيش جماعة بوسكورة منذ أيام على وقع احتقان غير مسبوق، بعد مرور أشغال الدورة العادية لشهر ماي 2026، التي تحولت إلى واحدة من أكثر الدورات إثارة للجدل وسابقة في تاريخ تدبير الشأن المحلي بالمنطقة، عقب المصادقة على قرارات مصيرية تهم نزع ملكية أراض ومحلات تجارية بعدد من الدواوير، في جلسة لم يتبق من مجلسها سوى أربعة أعضاء من أصل 35 عضوا، بينهم الرئيس، مقابل معارضة عضو واحد فقط يمثل حزب الديمقراطيين الجدد.
مصطفى عفيف
خلفت القرارات التي مرت في أجواء وصفت بـ«الاستثنائية»، موجة غضب وتساؤلات واسعة وسط السكان والمتتبعين، بالنظر إلى خطورتها الاجتماعية والاقتصادية، خاصة وأنها قد تفتح الباب أمام موجة جديدة من الهدم والتشريد وفقدان مناصب الشغل، في وقت ما زالت فيه آثار عمليات الهدم السابقة تلقي بظلالها الثقيلة على عشرات الأسر، التي وجدت نفسها بين مطرقة الإفراغ وسندان الغموض.
لكن أكثر ما أثار الانتباه، بحسب المصادر ذاتها، هو التحول الكبير في طريقة تدبير رئيس المجلس لتمرير النقاط المدرجة في جدول أعمال الدورة، والتي أغلبها لم تكن موضوع نقاش من طرف المكتب، بعد إضافة حوالي 12 نقطة جديدة لم تكن ضمن الجدول الأصلي الذي صادق عليه المكتب المسير. والأكثر إثارة أن هذه النقاط تم توصل الأعضاء بها، قبل يوم واحد فقط من انعقاد الدورة.
كما عبر عدد من مستشاري المجلس، ومنهم أعضاء بالمكتب عن استغرابهم مما أسموه أسلوب الانفراد بالقرارات وفرض الأمر الواقع، مع ترديد عبارة «هذه تعليمات السيد العامل» في كل نقاش يتعلق بالنقاط الخلافية، إلى درجة بات معها أي اعتراض داخل المجلس يفهم وكأنه اعتراض على السلطة الإقليمية نفسها.
كما استغرب منتخبو جماعة بوسكورة صمت السلطات عن احتكار رئيس المجلس لمختلف الاختصاصات والتفويضات، ورفضه تمكين نوابه وأعضاء المجلس من صلاحياتهم القانونية، سواء في حضور الاجتماعات الخارجية، أو تتبع الملفات القطاعية، وهو ما خلق حالة من التذمر داخل الأغلبية والمعارضة على حد سواء، خاصة وأن عددا من النواب لا يتوفرون حتى على مكاتب داخل الجماعة لممارسة مهامهم.
وفي خضم هذا التوتر، عادت إلى الواجهة قضية «تسريب» ملفات الجماعة وتقارير الافتحاص إلى عدد من المنابر الإعلامية، وهي المعطيات التي تفجر بدورها أسئلة محرجة حول الجهات المستفيدة من هذا التوتر، خاصة بعد بروز اسم أحد الأشخاص بالمجلس، الذي يقف وراء تسريب عدد من الملفات، وهو من كان إلى وقت قريب يعتبر الرجل القوي داخل الجماعة واليد اليمنى للرئيس، بل تصفه بعض المصادر بـ«الرئيس الفعلي» الذي كان يتحكم في دواليب القرار، من الصفقات العمومية إلى تدبير السوق الأسبوعي «سوق الأحد ببوسكورة»، فضلا عن ملفات أخرى حساسة.
هذا وخلفت الدورة العادية لشهر ماي موجة واسعة من الجدل والاستياء في أوساط عدد من أعضاء المجلس، بعدما تحولت أشغالها، بحسب متتبعين، إلى محطة كشفت بشكل واضح حجم النفوذ الذي أصبحت تمارسه شركة التنمية المحلية النواصر على تدبير المشاريع الكبرى بالإقليم، مقابل تراجع ملحوظ لدور المنتخبين في اتخاذ القرار وصناعة السياسات المحلية، وذلك عقب عرض رئيس المجلس نقطة تتعلق بالتصويت على منح نسبة 6 في المائة من قيمة هبة عينية تقدر بحوالي 40 مليون سنتيم لفائدة شركة التنمية المحلية النواصر، بعدما قامت إحدى الشركات المختصة في غرس الأشجار والنباتات بتقديمها لتزيين الطريق 3011 الرابطة بين مدار «البريكولاج» ومدار «المدينة الخضراء».
هذه النقاط أثارت حفيظة عدد من المستشارين، الذين احتجوا على مطالبة الشركة بهذه النسبة، سيما وأن الهبة ليست مالية وإنما عينية وهي عبارة عن أشجار وأزهار وورود، والمثير في الأمر أن هذه النقطة تعتبر من بين 12 نقطة التي أرسلتها السلطات الإقليمية إلى المجلس.
كما اعتبر عدد من الأعضاء أن الأمر يطرح أكثر من علامة استفهام، متسائلين عن الأساس القانوني الذي يخول للشركة الاستفادة من نسبة مالية من هبة عينية تتمثل في أشجار وورود وتجهيزات تزيينية، وليست صفقة أو مشروعا ماليا تقليديا. بل إن بعضهم ذهب إلى اعتبار التصويت على هذه النقطة «شبهة مالية» تستوجب تدخل المفتشية العامة لوزارة الداخلية، لفتح تحقيق بشأن مدى قانونية استخلاص تلك النسبة، وهو ما خلق حالة من التحفظ والارتباك داخل المجلس.
وتحدثت مصادر جماعية عن تنامي هيمنة شركة التنمية المحلية النواصر، التي أصبحت، وفق تعبير بعض المنتخبين، «أخطبوطا» يفرض نفسه على مختلف الجماعات الترابية بالإقليم، في ظل ما وصفوه بدعم مباشر من السلطات الإقليمية، عبر دفع الجماعات إلى تفويض معظم مشاريعها للشركة.
ووفق المصادر نفسها، فإن الشركة تقتطع نسبا تتراوح بين 5 و6 في المائة من القيمة الإجمالية للمشاريع التي تشرف عليها، قبل أن تتولى بدورها إبرام صفقات الدراسات والأشغال. غير أن المفارقة، حسب عدد من الأعضاء، تكمن في أن هذه المشاريع تعود في مراحل لاحقة إلى المجالس بطلبات زيادات مالية، قد تصل أحيانا إلى 20 في المائة من القيمة الأصلية للمشروع، بدعوى وجود فروقات، أو مستجدات تقنية لم تكن متوقعة خلال الدراسة.





