
سفيان أندجار
لم تكن ألعاب البحر الأبيض المتوسط الجارية حاليا في «تارانتو» الإيطالية مجرد محطة جديدة في سجل المشاركات المغربية، بل تحولت إلى مرآة عكست، بشكل واضح، واقع الرياضة الوطنية بكل ما يحمله من مؤشرات إيجابية وأخرى تستحق التوقف عندها. فبين ذهب الملاكمة والتايكواندو وألعاب القوى والتنس، وبرونزية كرة القدم والمصارعة، نجح المغرب في تأكيد حضوره داخل واحدة من أعرق التظاهرات الرياضية متعددة الاختصاصات، لكنه، في الوقت نفسه، ترك وراءه عدداً من الأسئلة التي لا يمكن للميداليات أن تخفيها.
وبحصيلة بلغت 18 ميدالية، إلى حدود أول أمس، بينها سبع ذهبيات، خمس فضيات وست برونزيات (قابلة للارتفاع بحكم أن المنافسات ستنتهي في 3 من شتنبر)، وجد المغرب نفسه في المركز الثامن في الترتيب العام بعد النتائج البارزة التي سجلها إلى غاية 30 غشت. هذه الحصيلة جعلت المشاركة المغربية أكثر لمعانا على مستوى الذهب، خصوصا أنها تجاوزت ما تحقق في وهران 2022، عندما اكتفى المغرب بثلاث ذهبيات مقابل 13 فضية و17 برونزية، رغم أن دورة وهران كانت منحت المغرب أفضل حصيلة عددية في تاريخه بـ33 ميدالية.
ذهب أكثر.. لكن
دخل المغرب ألعاب تارانتو بوفد يضم 120 رياضيا ورياضية في 18 رياضة، وهو رقم يعكس رغبة في توسيع دائرة المشاركة وعدم حصر الحضور المغربي في الاختصاصات التقليدية. الرهان كان واضحاً منذ البداية: تحقيق نتائج تتناسب مع التطور الذي عرفته الرياضة المغربية خلال السنوات الأخيرة، خاصة على مستوى البنيات التحتية والتأطير والاستثمار في عدد من الرياضات الفردية.
ففي الجزائر، نجح المغرب في الوصول إلى 33 ميدالية، وهو رقم قياسي وطني في الألعاب المتوسطية، إلا أنه لم ينجح سوى في إحراز ثلاث ذهبيات. أما في تارانتو، فارتفع الذهب إلى سبع ميداليات، في الوقت الذي ظل فيه مجموع الميداليات أقل بكثير من حصيلة وهران.
فالميدالية الذهبية تعني أن الرياضي المغربي لم يكتف بالوصول إلى منصة التتويج، وإنما تفوق على منافسين ينتمون إلى مدارس رياضية قوية، في منافسة تضم دولاً مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وتركيا واليونان.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن تارانتو أعطت المغرب جودة أكبر في التتويج، وإن لم تمنحه الكم نفسه الذي تحقق في وهران.
غير أن الرقم الأهم ربما يكمن في سبع ذهبيات، لأنه يعادل ما حققه المغرب في ميديراخون 1993 وميرسين 2013، ويقترب من الرقم القياسي المسجل في تاراغونا 2018، عندما حصد المغرب عشر ذهبيات من أصل 24 ميدالية. ويظل رقم وهران الأفضل من حيث العدد الإجمالي، بينما تبقى تاراغونا صاحبة الرقم القياسي المغربي في الذهب.
الملاكمة.. القاطرة التي لا تخذل
مرة أخرى أثبتت الملاكمة أنها واحدة من أكثر الرياضات قدرة على منح المغرب الميداليات.
فمنذ انطلاق المنافسات، كان واضحا أن الحلبة ستكون أحد أهم مصادر التتويج، وهو ما تأكد مع توالي النتائج، حيث تمكن المغرب من جمع ست ميداليات في الملاكمة، بينها ذهبيتان، فضية وثلاث برونزيات.
الأهمية هنا لا ترتبط بالعدد فقط، وإنما بالرسائل التي حملتها النتائج.
فالملاكمة المغربية لم تعد تعتمد على اسم أو اسمين لإنقاذ الحصيلة، وإنما بدأت تظهر قدرة على إنتاج مجموعة من المنافسين القادرين على الوصول إلى الأدوار النهائية.
وكانت سعيدة لحميدي من أبرز الأسماء التي كتبت صفحة تاريخية في تارانتو، بعدما أصبحت أول ملاكمة مغربية تتوج بالذهب في الألعاب المتوسطية، في إنجاز يحمل قيمة رمزية كبيرة للرياضة النسائية المغربية.
ومنح سليمان السمغولي المغرب ذهبية أخرى، بينما أضافت أسماء أخرى ميداليات فضية وبرونزية، لتؤكد الملاكمة مرة أخرى أنها ليست مجرد رياضة توفر ميداليات ظرفية، بل إحدى ركائز المشروع الأولمبي المغربي.
فالهدف لا يجب أن يكون صناعة بطل لدورة متوسطية واحدة، وإنما المحافظة على مساره وتطويره حتى يصبح قادراً على المنافسة في بطولات العالم والألعاب الأولمبية.
هنا تكمن مسؤولية الإدارة التقنية للاتحاد، لأن الفرق بين البطل المتوسطّي والبطل الأولمبي لا يصنعه الحماس وحده، وإنما برنامج طويل الأمد في التدريب والتغذية والطب الرياضي والإعداد النفسي والمنافسات الدولية.
التايكواندو.. بداية تقول الكثير
منحت أمينة الدحاوي المغرب أول ميدالية في تارانتو، عندما أحرزت الفضية في وزن أقل من 57 كيلوغراماً، قبل أن تتوسع حصيلة التايكواندو إلى أربع ميداليات.
ثم جاء الذهب ليؤكد أن التايكواندو المغربي أصبح رقماً مهماً في الألعاب المتوسطية.
هذه الرياضة تقدم نموذجاً مختلفاً عن الملاكمة، لأنها نجحت في الجمع بين الحضور النسائي والرجالي، ووسعت قاعدة التتويج داخل اختصاص واحد.
والأهم أن بعض الأسماء التي ظهرت في تارانتو لا تزال في مرحلة عمرية تسمح لها بمواصلة التطور.
لكن مرة أخرى، فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بالنتيجة الآنية.
الاختبار سيكون في كيفية تحويل هذه النتائج إلى مسار مستمر، سيما أن المنافسة على المستوى العالمي والأولمبي أكثر تعقيداً، والفارق بين التأهل إلى الألعاب الأولمبية والمنافسة على ميدالية فيها يتطلب سنوات من العمل المنظم.
ألعاب القوى.. عودة إلى الواجهة
ربما كان الحدث الأبرز في المشاركة المغربية عودة ألعاب القوى إلى لعب دور مركزي في صناعة الذهب.
فبعد سنوات ظلت فيها نتائج أم الألعاب المغربية مرتبطة بشكل كبير بالمسافات الطويلة والمتوسطة، جاءت تارانتو لتمنح المغرب ذهبيتين تحملان قيمة رمزية وفنية كبيرة.
فاطمة الزهراء برداحة أحرزت ذهبية 5000 متر بزمن بلغ 15:07.40، محققة أفضل رقم شخصي، قبل أن يضيف ياسين حسين ذهبية سباق 100 متر بزمن 10.31 ثوان.
فالمغرب، الذي ارتبط تاريخياً بالمسافات المتوسطة والطويلة، وجد نفسه على قمة سباق السرعة في الألعاب المتوسطية، وهو أمر يستحق التوقف عنده لأنه يعكس ظهور أسماء جديدة خارج القوالب التقليدية لألعاب القوى المغربية.
أما برداحة، فقدمت بدورها نموذجاً لرياضية قادرة على تطوير مستواها وتحقيق أفضل رقم شخصي في موعد تنافسي مهم.
المغرب سبق أن عرف أبطالا تحولوا من منصة المتوسط إلى منصات العالم والأولمبياد، مثل سعيد عويطة ونوال المتوكل وسفيان البقالي. ويؤكد التاريخ الرسمي للجنة الأولمبية المغربية أن الألعاب المتوسطية شكلت بالفعل محطة في مسارات عدد من الأبطال الذين تحولوا لاحقاً إلى أبطال أولمبيين.
ولهذا، فإن قيمة ذهب تارانتو ستتحدد مستقبلاً بما ستفعله الجهات المشرفة لحماية هذا الجيل وتطويره.
التنس يخرج من الظل
من المؤشرات اللافتة، كذلك، أن المغرب لم يعد ينتظر الميداليات فقط من الملاكمة وألعاب القوى والرياضات القتالية.
التنس دخل بقوة في سباق الذهب، بعدما توج الثنائي ياسين دليمي ويونس لالامي بذهبية الزوجي، عقب الفوز على ثنائي إسباني بمجموعتين دون رد.
هذه الميدالية لها قيمة خاصة لأنها جاءت في رياضة تتطلب إمكانات تقنية ومنافسة مستمرة على المستوى الدولي.
وهي أيضا دليل على أن توسيع قاعدة الاستثمار الرياضي يمكن أن يفتح أبواباً جديدة أمام المغرب.
فالرهان، في المرحلة المقبلة، ينبغي ألا يكون فقط على الرياضات التي اعتادت منح الميداليات، بل على خلق منظومة قادرة على إنتاج أبطال في رياضات جديدة. وكلما اتسعت دائرة مصادر التتويج، أصبح المغرب أقل اعتماداً على نتائج عدد محدود من الأبطال.
المصارعة.. ميدالية تحمل دلالة
أضاف يزيد الغربي برونزية في المصارعة اليونانية الرومانية ضمن وزن أقل من 60 كيلوغراماً، بعد فوزه في مباراة المركز الثالث على الإيطالي غابرييلي بوشير بنتيجة 8-0.
قد تبدو ميدالية واحدة صغيرة مقارنة بالحصيلة الإجمالية، لكنها مهمة من زاوية أخرى.
فالمصارعة من الرياضات التي تمتلك تاريخا طويلا في الألعاب الأولمبية، وتحتاج إلى قاعدة بشرية واسعة وتكوين متدرج.
وجود المغرب على منصة التتويج فيها يعني أن هناك إمكانية لبناء مشروع أكبر، خصوصاً إذا تمت مواكبة الرياضيين الذين اقتربوا من منصات التتويج ولم يحالفهم الحظ.
كرة القدم.. البرونزية التي لا تخفي خيبة الذهب
في كرة القدم عاد المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة بميدالية برونزية بعد فوزه على المنتخب الإيطالي بأربعة أهداف مقابل هدف واحد في مباراة الترتيب.
النتيجة كانت قوية، سيما أن الفوز جاء أمام صاحب الأرض وفي مباراة كان فيها الضغط كبيراً.
لكن المنتخب المغربي كان قريباً من النهائي، قبل أن يسقط أمام الجزائر في نصف النهائي بعد مباراة امتدت إلى الوقت الإضافي وانتهت بفوز الجزائر 5-4.
لذلك يمكن وصف البرونزية بالإنجاز الإيجابي، لكنها، في الوقت نفسه، تحمل شيئاً من المرارة.
فجيل من اللاعبين كان يملك فرصة المنافسة على الذهب، واكتفى في النهاية بالمركز الثالث.
ومع ذلك تبقى المشاركة ذات قيمة بالنسبة إلى هؤلاء اللاعبين، لأن الألعاب المتوسطية تمنح لاعبي الفئات السنية فرصة للاحتكاك بمدارس مختلفة قبل الانتقال إلى مستويات أعلى.
هنا يجب أن يكون الرهان الحقيقي هو الاستفادة من هذه التجربة، لا الاكتفاء بصورة منصة التتويج.
ماذا عن الرياضات الأخرى؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب في تقييم المشاركة المغربية، فالمغرب شارك في 18 رياضة، إلا أن الجزء الأكبر من الميداليات جاء من عدد محدود من الاختصاصات.
هذا يعني أن هناك فجوة بين «اتساع المشاركة» و«اتساع القدرة على المنافسة».
المشاركة في بطولة متعددة الرياضات ليست هدفا في حد ذاتها، فالمطلوب هو اختيار الاختصاصات والرياضيين بناء على معايير واضحة، ثم توفير إعداد يتناسب مع طبيعة كل رياضة.
فالرياضة، التي تستهدف ميدالية، تحتاج إلى برنامج يختلف عن رياضة يكون الهدف منها فقط اكتساب الخبرة.
هنا تظهر الحاجة إلى تقييم تقني مفصل بعد تارانتو، ليس فقط للرياضيين الذين فازوا، وإنما أيضاً للذين خرجوا من المنافسة مبكراً.
وإذا كان التاريخ المغربي أثبت أن بعض أبطال المتوسط يستطيعون الوصول إلى القمة العالمية، فإن المطلوب اليوم هو إعادة إنتاج هذا النموذج.
بعيداً عن لغة الاحتفال، يمكن القول إن المشاركة المغربية في تارانتو كانت نسبيا ناجحة، نجحت لأنها رفعت عدد الذهبيات ، ووسعت دائرة الرياضات المتوجة، وأظهرت أسماء جديدة وحققت نتائج لافتة في الملاكمة وألعاب القوى والتايكواندو والتنس، وأضافت ميداليات في المصارعة وكرة القدم، ونجحت أيضا لأنها أكدت أن المغرب يمتلك قاعدة رياضية تستطيع المنافسة خارج اختصاص واحد.. لكنها ليست مشاركة مكتملة النجاح إذا لم تتحول هذه النتائج إلى مشروع طويل الأمد.
فالميدالية ليست مجرد رقم للاحتفال، بل وثيقة تكشف مكامن القوة والضعف.





