
أعادت الحملات الأخيرة، التي باشرتها السلطات لنقل مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب أشخاص في وضعية تشرد أو يعانون اضطرابات عقلية، من بعض المدن الكبرى نحو أقاليم ومدن أخرى، فتح نقاش واسع حول مدى نجاعة هذه المقاربة المعتمدة من طرف مصالح وزارة الداخلية.
وتم تداول صور صادمة بوسائل التواصل الاجتماعي، توثق لعمليات شحن المهاجرين والمختلين عقليا داخل حافلات ونقلهم إلى مدن وأقاليم نائية، وكأن هذه العملية هي الحل السحري الذي أبدعته السلطات للتخلص من هذه الفئة الهشة، لأن المشكل لا يتعلق فقط بتدبير ظرفي للفضاء العام أو الاستجابة لشكايات السكان، بل بقضية معقدة تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز منطق الترحيل وإعادة التوزيع الجغرافي.
إن نقل المهاجرين أو المختلين عقليا من مدينة إلى أخرى لا يعني اختفاء المشكلة، بل مجرد تحويلها من مجال ترابي إلى آخر، خاصة إذا علمنا أن الأقاليم التي يتم توجيه هؤلاء إليها، مثل زاكورة وتنغير والراشيدية وتازة، هي بدورها تعاني من تحديات تنموية واجتماعية واقتصادية كبيرة، وتفتقر، في كثير من الأحيان، إلى البنيات الصحية والاجتماعية الضرورية لاستقبال هذه الفئات والتكفل بها وفق مقاربة إنسانية تحفظ كرامتها وتضمن حقوقها الأساسية.
وتزداد الإشكالية تعقيدا عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يعانون اضطرابات عقلية أو يعيشون أوضاعا اجتماعية هشة، إذ لا يمكن التعامل معهم بمنطق أمني أو إداري صرف، ولاحظنا، خلال الأسبوع الماضي، كيف استنفرت سلطات القنيطرة كافة مصالحها لجمع المتشردين والمختلين عقليا من الشوارع، وذلك تزامنا مع زيارة ولي العهد إلى المدينة.
لذلك فإن هذه المقاربة تحتاج إلى المراجعة، لأن هاته الفئات تتسم بالهشاشة وتحتاج إلى مؤسسات للرعاية الاجتماعية والصحية والنفسية، وإلى برامج للإدماج الاجتماعي والمواكبة المستمرة، وهي مسؤولية تتداخل فيها اختصاصات عدة قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية، وليس فقط السلطات المحلية.
أما بالنسبة لمهاجري دول جنوب الصحراء، فإن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وخياراته الاستراتيجية في مجال الهجرة، مطالب بتطوير سياسات أكثر فعالية تقوم على التوفيق بين متطلبات الأمن والنظام العام من جهة، والالتزامات الإنسانية والحقوقية من جهة أخرى، بما يضمن تدبيرا مستداما لهذه الظاهرة بعيدا عن الحلول المؤقتة.
وينبغي تطوير مقاربة التعامل مع المهاجرين، خاصة أن المملكة المغربية قطعت أشواطا مهمة لتنزيل ورش السياسة المندمجة في مجال الهجرة واللجوء، وذلك بتعليمات من الملك محمد السادس منذ سنة 2014، وهي السياسة التي أشادت بها المقـررة الخاصة المعنية بالعنصرية واعتبرتها تجربة رائدة تستحق التقدير الدولي وممارسة فضلى يحتذى بها.
وتبنى المغرب استراتيجية وطنية جديدة للهجرة واللجوء ذات أبعاد إنسانية وتضامنية، وبذلك أصبح نموذجا يحتذى به على المستوى القاري والجهوي في مسألة تدبير ملف الهجرة واللجوء، ما مكن من توفير إطار قانوني يضمن للمهاجرين من كافة الأصول حقوقهم الأساسية.
إذن أصبح من الضروري أن تبادر مختلف المصالح المركزية المختصة داخل وزارة الداخلية، بتنسيق مع القطاعات الحكومية المعنية، إلى بلورة خطة وطنية شاملة لمعالجة هذه الملفات، لأن وظيفة هذه الوزارة ليست فقط تدبير الأزمات عند ظهورها، وإنما استباقها بوضع سياسات عمومية قادرة على معالجة أسبابها الحقيقية.
أما الاكتفاء بشحن هؤلاء الأشخاص في الحافلات وترحيلهم من مدينة إلى أخرى، فلن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج المشاكل نفسها في مكان جديد، بينما يظل الحل الجذري مؤجلا إلى أجل غير مسمى.





