
الأخبار
كشف المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عن توصيته المتعلقة باستعمال الذكاء الاصطناعي داخل الفضاء التربوي، بعدما برزت، بشكل لافت، الحاجة إلى مناقشة إشكالية تسارع استعمالات الذكاء الاصطناعي في الفضاء التربوي، في مقابل تأخر تأطيرها، وما يطرحه ذلك من تحدي توجيهها لخدمة التعلم، دون الإخلال بوظائف المدرسة وأدوارها التربوية الأساسية.
وأوضح المجلس المذكور أنه، في سياق تفاعله مع هذه التحولات، وفي إطار مهام اليقظة والاستشراف ومواكبة القضايا الصاعدة ذات الأثر البنيوي على المنظومة التربوية، عند تزايد الممارسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل المجتمع عمومًا، وداخل الفضاء التربوي بشكل خاص، مع اتجاه بعض هذه الاستعمالات نحو الترسخ، في غياب تأطير مؤسساتي منسجم ضمن رؤية تربوية واضحة، فإن التوصية الصادرة عن المجلس تأتي في إطار إحالة ذاتية، لإثارة الانتباه إلى الطابع الاستعجالي للإشكالية المطروحة، وإدراجها ضمن دائرة الاهتمام العمومي، قبل أن تتحول الاستعمالات الجارية للذكاء الاصطناعي إلى أمر واقع يصعب تداركه.
توصية لتأطير استعمال الذكاء الاصطناعي
أكد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أنه لا يهدف، من خلال التوصية المشار إليها، إلى اقتراح خطة عمل أو الحلول محل الحكومة في صلاحياتها التنفيذية، بل إلى الحث على تأطير هذه الاستعمالات في الوسط التربوي، مع تقديم مقترحات يرى المجلس ضرورة أخذها بعين الاعتبار في أي تدخل عمومي بشأن استعمال الذكاء الاصطناعي، باعتباره مجموع الأنظمة الرقمية القادرة، اعتمادًا على البيانات والخوارزميات، على إنجاز مهام كانت، إلى عهد قريب، تتطلب قدرات معرفية بشرية، مثل التحليل والتفسير والتعلّم والاستنتاج، واتخاذ القرار أو توليد محتويات جديدة.. مؤكدا على أن التوصية استندت إلى منظومة مرجعية وطنية ودولية، متكاملة في علاقتها الواضحة والضمنية بالذكاء الاصطناعي، من خلال استحضار المرجعية الدستورية، التي تكرّس الحق في تعليم ذي جودة للجميع، وكذا الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين 2030–2015 والقانون-الإطار رقم 51.17، اللذان يشددان على تطوير الكفايات العرضانية، إضافة إلى التزامات المملكة المغربية خلال قمة تحول التربية )شتنبر (2022، التي أكدت على مركزية المتعلم والبعد الإنساني للتحول التكنولوجي، مثلما هو الأمر بالنسبة لملاحظات لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، سيما الملاحظة العامة رقم 25 (2021)، التي تشدد على واجب الدول في حماية الأطفال في البيئة الرقمية.
وفي وقت أوضح المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن التوصية الصادرة عنه تندرج ضمن استمرارية عمل المجلس بخصوص التقارير والدراسات التي تناولت رقمنة المدرسة، وجودة التعلمات والإنصاف التربوي، وتحولات الممارسات التعليمية في السياق الرقمي، أكد على أن المتعلمين ترسخت لديهم استعمالات رقمية متنامية، أضحت جزءا من تجربتهم اليومية، دون أن تستند إلى تعلم ممنهج ومستدام، أو إلى تأطير بيداغوجي كافٍ، ما أفرز فجوة بين هذه الممارسات وتأطيرها التربوي، ليأتي الذكاء الاصطناعي ليضاعف من حدة هذه التحديات، بالنظر إلى قدرته المتزايدة على إنتاج المعرفة وتوجيه التعلم بشكل مباشر، وهو ما يبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق الولوج إلى التكنولوجيات، إلى منطق تأطير استعمالاتها وتوجيهها تربويًا، إذ لم يعد هذا الاستعمال يقتصر على الولوج إلى المعلومة، بل يشمل إنتاج محتوى جاهز، واقتراح حلول فورية عبر وظائف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ما يسهم في إعادة تشكيل علاقة المتعلم بالمعرفة، وبالجهد الذهني وبطرائق التعلم. مثلما امتد الاستعمال المشار إليه، كذلك، إلى ما وراء الفضاء المدرسي، ليشمل المجال الأسري والفضاءات الرقمية المفتوحة، ما يطرح تحديات إضافية، تتعلق بقدرة الأسر على مواكبة هذه التحولات وتوجيه استعمال هذه الأدوات.
إقبال متزايد على الأدوات الرقمية
بالنسبة للدخول الفعلي للذكاء الاًصطناعي إلى الفضاء التربوي، أشارت توصية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي إلى أن الملاحظات المتقاسمة داخل الوسط التربوي، إلى جانب الشهادات التي استقاها المجلس لدى أعضائه، من ممثلي التلاميذ والطلبة وهيئات التدريس والتفتيش والتوجيه، تبرز أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأت تستعمل بالفعل من قبل المتعلمين والمدرسين في سياقات تعليمية مختلفة، ويشمل ذلك البحث عن المعلومات، والمساعدة في إعداد الموارد التعليمية وإنجاز بعض الأنشطة الدراسية أو صياغة النصوص. وهي المؤشرات الميدانية التي تنسجم مع خلاصات تقارير وطنية ودولية حديثة، حيث تُظهر نتائج تقرير موضوعاتي أنجزته الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي Maroc TALIS، تزايد لجوء المدرسين إلى الأدوات الرقمية في دعم الممارسات البيداغوجية، بما يمهّد لبروز استعمالات أولية للذكاء الاصطناعي في التحضير للدروس وتكييف الموارد التعليمية.
ويشير تقرير “اليونسكو” حول تقييم جاهزية المنظومة التربوية المغربية للذكاء الاصطناعي، إلى أن إدماج هذه التقنيات داخل الفضاء التربوي يتم بوتيرة متسارعة، في مقابل استمرار محدودية التأطير المؤسسي والتربوي، وهو ما يكشف عن فجوة متنامية بين تسارع إدماج الذكاء الاصطناعي داخل الفضاء التربوي وبطء تطور آليات الحكامة والتأطير المؤسسي المواكبة له.
مبادرات قطاعية لتنمية الكفايات الرقمية
أكدت توصية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن جلسات الاستماع، التي نظمها المجلس مع الفاعلين في قطاعات التربية الوطنية، والتعليم العالي والتكوين المهني، أظهرت وجود دينامية متزايدة لاستكشاف إمكانات التكنولوجيات الرقمية، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم والتكوين، بما يعكس اهتماما متناميا بمواكبة التحولات التي يشهدها المجال التربوي على الصعيد الدولي. مع التأكيد على تتعدد المبادرات المرتبطة بتطوير البنية التحتية الرقمية وتثمين البيانات التربوية، في قطاع التربية الوطنية، إلى جانب تطوير منصات تعليمية رقمية وبرامج تروم تنمية الكفايات الرقمية لدى المدرسين والمتعلمين. في وقت يجري العمل على بعض المشاريع التي تستند إلى تحليل البيانات التربوية، واستعمال بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة في ما يتعلق بتحسين قيادة المنظومة التعليمية ورصد بعض الظواهر، مثل مخاطر الانقطاع المدرسي، بما يتيح إمكانات جديدة لدعم اتخاذ القرار التربوي المبني على البيانات.. بينما يتزايد حضور الذكاء الاصطناعي بقطاع التعليم العالي في مجالات البحث العلمي والتكوين الجامعي، سواء من خلال تطوير مسالك وتخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، أو عبر استعمال هذه الأدوات من قبل الطلبة والباحثين في البحث الأكاديمي وإنتاج المعرفة، حيث بدأت بعض المؤسسات الجامعية تستكشف إمكانات هذه التقنيات في دعم التعلم والبحث، في سياق أوسع لتطوير البيئة الرقمية الجامعية. في حين تبرز دينامية أكبر داخل قطاع التكوين المهني، والتي تهدف إلى استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب التكوين، ومواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها المهن والكفايات المطلوبة في سوق الشغل. وتشمل هذه المبادرات إدماج تكنولوجيات رقمية متقدمة، إلى جانب استكشاف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات المحاكاة المهنية والتكوين العملي، بما يساهم في تعزيز قابلية تشغيل المتدربين ومواكبة التحولات التكنولوجية في عالم الشغل.
استعمال الذكاء الاصطناعي لتطوير التعلم
أوضحت توصية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن الذكاء الاصطناعي بات يحمل معه إمكانات تربوية واعدة، في المجال التربوي، إذ لم يعد مجرد امتداد للتحول الرقمي، بل يرتبط ذلك بطبيعته كمنظومة تكنولوجية، قادرة على إحداث تحولات نوعية في طرائق التعلم وإنتاج المعرفة، فضلا عن كونه يتيح إمكانات واعدة لتطوير التعلم، من خلال دعم تنويع المقاربات البيداغوجية، وتعزيز التفاعل داخل الفضاءات التعليمية وإتاحة صيغ جديدة للتعلم الذاتي والموجَّه. وأكدت توصية المجلس، كذلك، على أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا متقدمة لتفريد التعلمات، عبر تمكين المدرسين من أدوات تساعد على مواكبة الفوارق الفردية بين المتعلمين، وتقديم دعم تربوي ملائم لاحتياجاتهم الخاصة، بما يشمل أنشطة التثبيت والاستدراك والتقوية.. ويسهم، كذلك، في توسيع الولوج إلى موارد تعليمية متنوعة وعالية الجودة، بما يدعم التعلم في سياقات مختلفة ويعزز فرص التعلم داخل المؤسسة التعليمية وخارجها. وتضمنت التوصية التأكيد على أن التقنيات، التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، تتيح إمكانات مهمة في تجديد الممارسات التربوية، وأساليب التكوين والتقييم، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها النظام التربوي، ويسهم في الانتقال نحو نماذج تعلم أكثر تركيزًا على تنمية الكفايات وتعزيز التفكير النقدي.. ويمكن أن تشكل، أيضا، رافعة داعمة للمدرس في أداء مهامه التربوية، من خلال ما تتيحه من إمكانات لتعزيز النجاعة والإنتاجية البيداغوجية، وتيسير تتبع تعلم المتعلمين وتكييف التدخلات التربوية.. إضافة إلى التنويه بدور التقنيات المتوفرة في مجالات التدبير والحكامة، بما توفره من أدوات لتحسين اتخاذ القرار، وتدبير البيانات التربوية والارتقاء بجودة أداء المرفق العمومي للتربية. في وقت يظل تفعيل هذه الإمكانات رهينا بوجود تأطير تربوي ومؤسساتي واضح، في إطار استراتيجية وطنية مندمجة، تضمن توجيهها في خدمة التعلم. وهو ما يجعل هذا التحول، في مجمله، محمّلًا برهانات حاسمة تستدعي تحليلًا دقيقًا لمختلف أبعاده.
رهانات المجلس حول الذكاء الاصطناعي
من أبرز رهانات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التي تضمنتها التوصية الصادرة عنه، ما يتعلق بالأثر المحتمل للذكاء الاصطناعي على النمو المعرفي، لما ينطوي عليه من تأثير في مسارات بناء القدرات الذهنية لدى المتعلمين في مختلف مراحل نموهم. واعتبرت التوصية أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يقتصر على توفير المعلومات، بل ينتج إجابات ونصوصًا واستدلالات جاهزة، ما قد يؤدي، في حال الاستعمال غير المؤطر، إلى إضعاف عمليات ذهنية أساسية يفترض أن تُبنى تدريجيًا عبر التعلم، وفق منطق تراكمي يراعي تدرج المكتسبات، من قبيل التحليل، والتركيب، والتجريب، والخطأ.
ونبهت التوصية إلى أن الاستعمال المبكر وغير المؤطر للذكاء الاصطناعي، من قِبل الأطفال واليافعين الذين تكون قدراتهم اللغوية، والتحليلية والنقدية في طور التشكل، قد يؤدي إلى إضعاف الجهد الذهني، وإحداث هشاشة في التعلمات الأساسية )القراءة، الكتابة، الحساب، التفكير المنطقي( والاعتماد المفرط على حلول جاهزة؛ بما يربك علاقة المتعلم بالمعرفة، ويحد من قدرته على بنائها تدريجيًا اعتمادًا على جهده الذهني الخاص، عبر مسار يتم خلاله بناء الاستقلالية الفكرية بشكل عام.. حيث تُظهر التحليلات التربوية الحديثة أن التعلم الفعلي يفترض زمنًا، ومحاولة، وخطأ وكلفة معرفية ضرورية لبناء الفهم العميق، بينما قد يؤدي الاستعمال غير المنظم للذكاء الاصطناعي إلى تعلم سطحي سريع، ضعيف الترسخ، محدود القابلية للتحويل إلى سياقات جديدة.
وشددت التوصية على أن المخاطر المشار إليها تعزز أهمية اعتماد مقاربة وقائية، تستند إلى مبدأ المصلحة الفضلى للطفل في مختلف أبعاده، بما يضمن توجيه استعمالات الذكاء الاصطناعي بشكل يحترم منطق التدرج في التعلم، ويدعم بناء القدرات المعرفية والنمائية على أسس متينة. وهو ما يستدعي مقاربة وتأطيرا بيداغوجيا واضحا يحدد شروط استعمال الأدوات الرقمية، على نحو يضمن دعم عمليات التعلم الأساسية، دون الإخلال بمنطق التدرج وبناء المعرفة لدى المتعلم.
وأوضح المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن رهانات إدماج الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين، تختلف باختلاف المراحل التعليمية والخصائص النمائية للمتعلمين، حيث إن من شأن المقاربة المتمايزة أن تسمح بتوظيف الذكاء الاصطناعي بشكل تدريجي وملائم لكل مرحلة، بشكل يعزز التعلم دون الإخلال بمتطلبات النمو المعرفي الخاصة بكل فئة عمرية. في وقت يتيح الذكاء الاصطناعي، على مستوى التعليم العالي، إمكانات متقدمة لدعم البحث العلمي، وتطوير أساليب التعلم، من خلال تسريع الوصول إلى المعرفة، وتحسين تحليل البيانات وتعزيز قدرات الطلبة على الاستكشاف والإنتاج العلمي، وهو ما يفتح آفاقًا لتجديد الممارسات البيداغوجية والبحثية داخل الجامعة. غير أن هذه الإمكانات تواكبها رهانات تتعلق بالنزاهة الأكاديمية، ومصداقية الشهادات، وأخلاقيات إنتاج المعرفة والبحث العلمي.. مثلما نبَّهت التوصية إلى أن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي يطرح تحديات جديدة مرتبطة بالانتحال العلمي، وبحدود الاستعانة بهذه الأدوات في إنتاج الأعمال الجامعية والبحثية، وهو ما يستدعي تطوير أطر أخلاقية وتنظيمية واضحة، تضمن الحفاظ على مصداقية التقييم الأكاديمي وجودة المعرفة المنتجة داخل الجامعة.





